حين تضعف الدولة, وتهتز سلطتها وتتراجع عن تقديم خدماتها لمواطنيها تظهر الامراض الاجتماعية ويتكاثر فقدان القيمة, ويصبح البحث عن بدائل اخرى اهم ما يميز الجماعات الاثنية والعرقية داخل المجتمعات المتعددة الثقافات والاعراق, ويمكن اعتبار المسألة الامازيغية ــ البربرية في الجزائر ــ نموذجا ممثلا لما نقول , وبغض النظر عن اسباب ظهورها وتفاقمها وتصعيدها على المستوى السياسي, فان السؤال المطروح هل تختفي بانتهاء العنف في الجزائر, ام انها مرشحة للتوسع والزيادة باعتبارها مشكلة اخرى ليست طارئة وانما لها جذورها التاريخية؟ بداية يمكن القول ان ما يعرف بالمسألة الامازيغية يظهر الى السطح ويتخذ طابعا سياسيا كلما ضعفت الدولة, وبما ان الجزائر عاشت منذ اكتوبر 1988 حالا من الصراع الاجتماعي لسوء الوضعية الاقتصادية, فقد تصاعدت المسألة الامازيغية بشكل ملحوظ خلال هذه السنوات, وتحولت من مسألة ثقافية بالدرجة الاولى الى مسألة سياسية توظفها الاحزاب لتحقيق مكاسب محددة, يستغل فيها الجانب العرقي, والذي يطرح اصحابه آراءهم بناء على المدرسة (الفرانكفونية) المعادية لعروبة الجزائر, وبالتالي عروبة البربر. والقول بتحويل القضية من واقعها الثقافي ــ على اعتبار ان هناك شريحة كبيرة من المجتمع محتاجة الى التواجد في مختلف اجهزة الدولة خصوصا الاعلام ــ الى واقع سياسي يوظف المسألة الثقافية لصالح مطالب حزبية قد عقد من المشكلة, وابعدها احيانا عن بعدها الوطني, وجعلها محل شك من قوى كثيرة داخل المجتمع, ومن الناحية العملية فقد حقق اصحابها مطالب عدة وصلت الى حد المشاركة في الحكومة الحالية, لكنهم في الوقت ذاته جعلوا التمييز جليا بين جماعات المجتمع الواحد, ناهيك عن اشعار سكان مناطق بعينهم انهم ليسوا ضمن النسيج العام للمجتمع, وهم بذلك سيدفعون بالمجتمع الجزائري في المستقبل الى مزيد من الهزات والتوترات الاجتماعية. ويبدو ان ما حدث خلال السنتين الماضيتين يقلق المواطن الجزائري ويجعله يتخوف من المستقبل, واقصد تحديدا هنا مسألة التعريب التي تراجعت بشكل لم يسبق له مثيل منذ انطلاق التعريب في الجزائر, فالقول بضرورة اشراك فئة من المجتمع في صناعة المسألة الثقافية او حتى منظومة القيم امرا مطلوبا ومشروعا, اما ان تتحول تلك الفئة او الجماعة الى معاداة ما يشترك فيه جميع الجزائريين امرا مرفوضا ويشكل سابقة خطيرة, ويدفع بالدولة الى استعمال القوة عند الضرورة مما يرجح عودة العنف بشكل آخر, وخير مثال لذلك طعن احزاب بربرية في مسألة التعريب التي تمت الموافقة عليها برلمانيا, ولولا تدخل حاسم من الدولة بقيادة (اليمين زروال) لتراجعت المسألة, او توارت الى حين او لربما انتهت. على العموم فان تناول مسألة الامازيغية في الجزائر ارتباطا بالعنف او تباعدا عنه ليس جديدا من ناحية الممارسة, وان كان في الماضي على نطاق اضيق, والآن في الجزائر نجد من يمارس العنف دون ان يعلن عن اهدافه, وما دام هناك من يتحمل افعال التخريب او القتل تبنيا او اتهاما, وايضا ما دام الوضع متدهورا امنيا ويمكن لجماعات كثيرة ان تمارس العنف دون حساب, فان جماعات كثيرة ممن تدعي البحث عن استقلالية ذاتية, او المطالبة بحقوق معينة تستعمل العنف, في مجالات مختلفة اكثرها بشاعة على المستوى الاداري, حيث تتواجد عناصر من تلك الجماعات في معظم اجهزة الدولة. هكذا اذن تبدو المسألة الامازيغية غير مفصولة عن الوضع العام للمجتمع وعن ثقل الادارة ومسئوليتها عن الصراع الحالي, الذي بدأ سياسيا وانتهى الى عنف, لكن رغم ذلك كله وحتى لا نذهب بعيدا في تحليل ما تقوم به جماعات الرفض الامازيغية علينا ان نبين اماكن الاصطدام الاجتماعي الممكن حدوثها, وهي تتعلق فيما ارى بثلاثة مواقع رئيسية, الاولى: تلك الخاصة بالهوية والانتماء سواء للوطن وللدين, وهذه قد يختلف فيها دعاة السياسة من الامازيغ او بعض عناصر الجيل الجديد لكن لا يختلف حولها الجيل القديم وكثير من المثقفين الامازيغ خصوصا الذين هم ضمن التيار الاسلامي, والثانية: ان المجتمع الجزائري يمثل الامازيغ فيه الاغلبية من الناحية التاريخية, وبالتالي يصطدم دعاة العنف الامازيغي برفض اجتماعي عام بالامازيغ الاخرين, وهذا موقع متقدم في المواجهة, حيث نجد معظم الذين عطلوا مشاريع الحركة البربرية هم من الامازيغ انفسهم, والثالثة ان موطن الصراع على المستوى المحلي في المنطقة الخاصة بتواجد من يطالبون بالتميز هي محل صراع بين دعاة البربرية ودعاة الحوار فيها, الفريق الاول يطالب بتميز داخل المجتمع مهما كانت التكلفة في حين يرفض الثاني ذلك الا من ناحية المطالبة بحقوق بعينها. والحديث عن تداخل السياسي بالثقافي منذ ان انطلقت الحركة البربرية في ,1947 كمجموعة داخل الحركة الوطنية هو في اساسه متابعة لتطور تلك الحركة من فعل فردي او ثنائي, الى فعل جماعي ثم الى تنظيمات قائمة مشاركة في العمل الوطني التحرري وبناء الدولة بعد ذلك, منتظرة تراجع الدولة او ضعفها لممارسة ضغوط والحصول على مكاسب سياسية بالدرجة الاولى, مع انها من الناحية العملية لم تبعد كأفراد, وانما رفضت كجماعات منظمة, وهذا ينطبق على كل القوى السياسية الاخرى حيث يتعلق ذلك برؤية نظام الحزب الواحد للممارسة السياسية. من ناحية اخرى فان مشاركتها في العنف خلال سنوات الازمة سواء بممارسة ضغوط على السلطات لتوقيف المسار الانتخابي في يناير ,1992 او بمحاولة الايحاء بضرورة دعم الخارج لما تقوم به داخل الجزائر, او لشعورها بأن العصر الحالي مساعد لظهور الاقليات, كل هذا جعلها بعيدة في حركتها عن التوافق الاجتماعي الذي كان سائدا في الماضي, صحيح انها قليلة ولا تعبر الا عن جماعات صغيرة داخل مناطق محلية محاذية للعاصمة, لكنها ايضا توسع يوما بعد يوم من الرفض للدولة وسلطاتها, وتقدم لذلك العديد من التبريرات, غير انها وصلت الان الى درجة لم تكن تتوقعها. اذ رغم وصولها للسلطة ومشاركتها في الحكم, فانها لا يمكن ان تتجاوز وجودها على المستوى الحزبي, او حصولها على بعض الحقائب الوزارية, اي مشاركتها في عملية صنع القرار قبولا, ولا يمكن بالتالي ان تعمل في الخفاء, او ترفع شعار الحرمان والاستبعاد.. وما الى ذلك. يمكن القول ان السلطات الجزائرية ممثلة في قوى الجيش والامن تعمل الآن على استيعاب الجميع بطرق مختلفة, فهي مثلا على علم بعنف الجماعات الامازيغية, ومع ذلك كله لا تعلن عنه, وقد يرجع البعض ذلك الى التمييز بين الجماعات المختلفة, لكن المؤكد ايضا انها لا تريد ان تعطي لتلك الاعمال بعدا عرقيا او جهويا يساعد في المستقبل على التدخل الاجنبي يضاف الى ذلك ان الاعتراف بتلك الاعمال قد يزيد في توتر شبكة العلاقات الاجتماعية, ويفتح مجالا اوسع للصدام والصراع, ويؤثر سلبا على النسيج الاجتماعي الذي هو متماسك الى الآن رغم هزات العنف, اذن فهناك محاولة استبعاد لما يمكن ان يؤثر سلبا او يزيد في التهاب المجتمع الجزائري, قد يعتبر البعض هذا محاولة للهروب والصاق التهم بالاسلاميين فقط, ولكن هؤلاء ايضا هم الآن شركاء في السلطة, ولن يعودوا للعمل في الظل مطلقا, ويحركون البلاد في كل الاتجاهات كما كانوا في السابق. واذا نظرنا للمسألة الامازيغية بعد ان تحولت من الثقافي الى السياسي, فاننا نعتقد انها ستعود الى سيرتها الاولى خصوصا بعد القضاء على العنف وتمكن السلطات الآن من ابعاد كثير من جماعات العنف, سواء باعلان حل نفسها كتنظيمات مثل الجيش الاسلامي للانقاذ, او مواصلة مطاردتها مثلما هو الحال بالنسبة للجماعات المسلحة, وترتبط هذه العودة ــ رغم المشاركة في السلطة وايضا رغم وجود احزاب بربرية متنوعة ــ بالوضع العام الذي ستكون عليه البلاد, حيث ستصبح سلطة الدولة هي الاساس. يلاحظ ــ وقياسا على تجارب ماضية ــ ان المطالب التي ترفعها الحركة الامازيغية على المستوى الثقافي اخذة في التحقق سواء ارضيت الدولة الجزائرية بذلك ام لم ترض, لكنها بالمقابل لن تستطيع في المستقبل القريب تحويل المطالب الثقافية الى مكاسب سياسية على عكس ما حدث خلال سنوات الازمة, ولذا يعتقد المراقبون ان الوضع الذي ستؤول اليه الجزائر سيحدد بالضرورة موقع كل جماعة داخل البلاد, وباختصار فان المسألة الامازيغية لن تختفي لكنها ستعود الى حجمها الطبيعي, في ظل تطور ثقافي واجتماعي يسير نحوه المجتمع الجزائري بتغيير افكار الداخل, وبتأثير المحيط والعالم الخارجي. * كاتبة جزائرية مقيمة في مصر