احتلت الجزائر مكانة متميزة في الضمير العربي خاصة, ولدى شعوب العالم الثالث وحركات التحرير فيها بشكل عام, وذلك بفعل ثورتها المتميزة ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي والتي نجحت بتحقيق الاستقلال عبر صبر طويل وتضحيات هائلة أعطتها عن حق واستحقاق اسم (ثورة المليون شهيد).ومنذ استقلالها في مطلع الستينيات من القرن العشرين وحتى اوائل التسعينيات كانت للجزائر مكانة متميزة وكلمة مسموعة ليس بالنسبة الى مستقبلها ومستقبل شمال افريقيا العربي فقط, وانما على المستوى القومي وعلى مدى القارة الافريقية وعالم عدم الانحياز. كما كانت لها تجربتها التنموية ومحاولاتها المعروفة لامتلاك عناصر القوة الاقتصادية والسياسية, وحتى العسكرية. وبدا لوهلة من اواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات ان الجزائر تحاول كسب السبق بين أقرانها العربيات وفي قارتها السمراء من حيث الخيار الديمقراطي ومن خلال بناء نموذج منفتح على التعددية والشفافية والتمثيل الحقيقي لارادة السكان السياسية. لكن هذه المحاولة لم تكتمل مع الأسف وسرعان ما انهارت لتكشف عن ثغرات في البنية السياسية والاجتماعية كانت كافية لاعادة توليد انفجارات دامية عبرت عن نفسها بحرب اهلية طويلة ادت الى اكثر من 100 الف قتيل والى خسائر اقتصادية تربو على 23 مليار دولار. وكان مما زاد اوار هذه الحرب اشتعالاً, بالاضافة الى العوامل الداخلية, تلك التجاذبات الاقليمية والدولية الشديدة, وشعور الاطراف المتصارعة بأنها تخوض حرب المصير والمستقبل ليس بالنسبة إليها نفسها فقط وإنما بالنسبة للجزائر نفسها. ومع وصول عبدالعزيز بوتفليقة الى الرئاسة في ابريل الماضي بدا وكأن عوامل الصراع كادت تستنفد اغراضها, وعناصر وقوى المواجهة تكاد تستنفد امكانياتها, والأمل بالسلام والحل للمحنة الطويلة بات ممكن المنال اذا احسنت ادارة الازمة وخلصت النوايا وتوفرت قوة الدفع الداخلية الكافية والواعية لإنهاء الأزمة. وبات من الطبيعي ان تظهر الى السطح اسئلة من اخرى مثل: هل تستعيد الجزائر عافيتها, وهل تعود الى دورها ومكانتها, وأي جزائر يمكن ان تنتجها الحلول المتوقعة بعد محنة طويلة وفي عصر جديد؟ أسباب وقوى ان محاولة فهم الحاضر وإلقاء الأضواء على المستقبل وتتبع احتمالاته تمر بالضرورة عبر وعي التطورات السابقة وتحديد اسهاماتها في تشكيل الحاضر وقدرتها على التأثير والاستمرار في المستقبل. وكل الذين عملوا على رصد محنة الجزائر اجمعوا على ان ما واجهه هذا البلد الغالي والمهم منذ انفجار ازمته في عام 1992 لا يعود الى الظرف الآني فقط بقدر ما تتعمق جذوره عميقا في تاريخ الجزائر. ولعل البداية السليمة للفهم والتقييم تعود بنا الى ما اكده التاريخ الطويل من صلابة الانسان والوطن الجزائري وصعوبة (ان لم يكن استحالة) الغائه بأي شكل من أشكال القهر, وبما في ذلك العنف المسلح. وقد تأكدت هذه الخلاصة في عهد الاستعمار الفرنسي الذي حكم الجزائر اكثر من 130 عاما, واستخدم كل اساليب الالغاء المتصورة بغرض تحويل الجزائر الى (فرنسا وراء البحر) كما كان يحلم عتاة المستعمرين والمستوطنين. ورغم تضافر جهود ومحاولات (الفرنسة) والتذويب الثقافي, مع العبث بالبنية الاقتصادية والاجتماعية مع أقصى درجات العنف, في زمن كان التفوق كاسحاً لصالح فرنسا الا أن الجزائر ظلت تقاوم, ونجحت في حماية هويتها, كما تمكنت من ممارسة النضال المدني ولو كلفها الاف الشهداء في مظاهرات الاربعينيات, كما خاضت النضال المسلح حتى الثمالة وبكل تكاليفه الباهظة حين ايقنت انه المخرج الوحيد الممكن للاستقلال واستعادة الحرية والهوية. وادركت فرنسا كما ادرك الاستعمار الغربي عموما ان السيطرة على الجزائر باتت مستحيلة منذ نشوب ثورة نوفمبر 1954, ولذلك حرصت باريس عند توقيع اتفاقيات (ايفيان) ثم الانسحاب والاستقلال ان تسعى الى ترك (مسمار جحا) في البنى الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية, بقدر ما تستطيع الى ذلك سبيلا.. وان تسعى لتحريك الضغوط من الداخل والخارج ورفع تكاليف الاستقلال والتنمية لانهاك الجار الجديد المشاكس..!! لكن انطلاقة الجزائر المستقلة كانت اقوى من كل محاولات الاعاقة من الخارج او من الداخل, باستثناء ما اصاب تجربتها مما عانت منه معظم دول العالم الثالث. حيث تفاقم دور الجيش في الحياة السياسية حتى اصبح عن حق صانع الرؤساء منذ انقلاب عام 1965 الذي قاده هواري بومدين ضد أحمد بن بيللا. كما ان مخلفات اتفاقيات (ايفيان) وظروف الاستقلال التي سمحت بدمج الادارة القديمة بادارة ما بعد الاستقلال, ومحاولات التنمية الواسعة والسريعة المعتمدة على الدولة ومؤسساتها الكبرى, وعمليات استيعاب وتوظيف اعداد هائلة من المجاهدين.. كل ذلك ساهم بتفاقم شكل من أشكال (البيروقراطية) الثقيلة الوطأة. اثبتت التجربة في معظم دول العالم الثالث ان هذه البيروقراطية تصبح عصية على الترويض, ونزاعة الى التسلط, ومناسبة لنمو بؤر الفساد.. حين تضعف القبضة الشديدة بالدولة المركزية. وبفعل هذه العوامل مجتمعة وجدت الجزائر نفسها في النصف الثاني من الثمانينيات في مواجهة مأزق تنموي واجتماعي وسياسي خطير, فالمصانع الكبرى مرتبكة او مشلولة او لا تعمل بكل طاقتها الانتاجية, والبطالة متزايدة بين شباب يندفعون بأعداد كبيرة سنويا الى أسواق العمل, والفساد بدأ يتسرب وينهش بالاقتصاد القومي, والديون الخارجية تتجاوز عشرين مليار دولار (وهي الان اكثر من ثلاثين), والنخبة السياسية تصاب بالجمود والاضمحلال حتى باتت القيادات العسكرية العليا تلعب الدور الرئيسي في صنع الرئيس وصياغة الحياة السياسية. وقد تضافرت كل هذه العوامل, مع الإحباط العام الذي غزا كل الوطن العربي الكبير وليس الجزائر وحدها, لتعبر عن نفسها في النهاية بمظاهرات الخبز العنيفة وعمليات العصيان المسلحة المحدودة.. ورأى الشاذلي بن جديد ومساعدوه في ذلك الحين مواجهة كل عناصر الأزمة مجتمعة بحل واحد سحري هو الديمقراطية المنفتحة والواسعة والقادرة على تجديد النخب وبث الحيوية في المجتمع والاقتصاد والدولة. المواجهة لكن عوامل عديدة داخلية وخارجية حالت دون بلوغ هذا الحل غاياته, ولعل هذه العجالة لا تتسع الان لإعادة رصد وتقييم هذه العوامل التي تناولها بالفحص والتدقيق كثيرون من الكتاب والباحثين. ولكن من المفيد الاشارة الى أن بيروقراطية وقوى حاكمة وفاعلة أصابها القلق على مستقبلها, وأخرى ارتكبت اخطاء وتجاوزات خشيت مواجهة الاستحقاقات, وثالثة تضم قوى سياسية صاعدة لم تخف إصرارها على إحداث انقلاب جذري في الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية السائدة. وضمن التيارات المتلاطمة السالفة الذكر حدث انفجار عام 1992, ومما أدى الى عنفه وشدته سيطرة أجواء (الإلغاء) و(الاستئصال) التي لا يقبلها الشعب الجزائري بطبيعته. وكان من سوء حظ الجزائر أن هذا الانفجار حدث في وقت اجتاح فيه مرض نقص المناعة السياسية معظم الوطن العربي, وباتت الأبواب أكثر اتساعاً أمام التأثيرات الخارجية, وبرزت الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي من جهة وهي مصممة من جهة أخرى على الاستئثار بالهيمنة على (الشرق الأوسط الكبير) المتضمن الوطن العربي ومحيطه الاسلامي, بل ومدت واشنطن نشاطها الى كل القارة الافريقية. الطريق المسدود.. والأمل بعد سنوات عجاف من دوائر العنف المتداخلة توصلت القوى الداخلية في السلطة والمعارضة الى ان الصراع الدامي وصل الى حائط مسدود وان الاستئصال والالغاء مستحيل بالقوة. وبفعل هذه المحصلة, مضافة الى كل آلام ومخلفات الصراع باتت أغلبية الرأي العام الجزائري ميالة الى الوفاق والسلام والحلول المتوازنة, وأخذ ضغط هذا الرأي العام يصل تدريجياً الى المواقع القيادية المؤثرة. وعلى المستوى الدولي بدا ان اوروبا المتوسطية, وخاصة فرنسا, باتت أكثر قبولا لدور امريكي في المنطقة عبر عن نفسه بأشكال من التعاون الاقتصادي والسياسي بين واشنطن وعواصم الشمال الافريقي العربي. كذلك بدا ان الوطن العربي عموما, وقد شعر بحجم خسائره الهائلة الناجمة عن نقص المناعة السياسية والاقتصادية وتفاقم دور الدول العظمى في التأثير على مصيره.. بات اكثر ادراكا لضرورة رأب الصدع ولم الشمل على المستويات القطرية (الوحدة الوطنية الداخلية) او على المستويات القومية. وأيقن الجميع ان محاولات التغيير او القهر والتجميد بالقوة غالية التكاليف وتفتح الكثير من أبواب جهنم للمتربصين بمستقبل المنطقة, فبدأت تحركات عربية مفيدة وان كانت محدودة ومترددة باتجاه لأم الجروح واستعادة الاستقرار, والبحث عن حلول سياسية أكثر جدوى من الحلول الأمنية المعهودة. ووسط هذه الأجواء تم انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة, وسرعان ما بدا الأمر وكأن حالة (سباق مبادرات) تتم بينه وبين قوى المعارضة المسلحة, وبداية من (جيش الانقاذ الاسلامي) وامتداداً الى بقية القوى المؤثرة. ويبدو ان الظرف بات مهيأ لحل جذري للمحنة الجزائرية, وهذا ممكن وقريب المنال اذا اقتنع جميع الاطراف المعنيين ان الاستئصال والالغاء مستحيل, وان الابداع مطلوب بالحلول المناسبة التي تساهم باستعادة الوحدة الوطنية وتجسيد الارادة الشعبية وتحريك عجلة الديمقراطية والتنمية. وبهذا المنحى فقط يمكن اقتناص الفرصة واستعادة الجزائر القوية المزدهرة, بل والقدوة المتألقة, رغم كل سنوات العذاب.. بل لعل نار العذاب نفسها هي الاقدر على اتاحة فرصة التطهر والتجدد لكل القوى الفاعلة التي عليها ان تدرك دائما ان كل تنازل تقدمه الان هو لمصلحة الجزائر نفسها اولا وأخيراً وليس لمصلحة خصوم, وان سباق الأفكار والنوايا الحسنة بات أكثر فاعلية من السباق الى ميدان المواجهة. كلام صورة: * من اجل استعادة الوحدة الوطنية وتحريك عجلة الديمقراطية والتنمية * اقتناص الفرصة واستعادة الجزائر القوية المزدهرة