لم يعد خافيا أمام مراقبي الأوضاع السودانية ان العلاقة بين رئيس البلاد عمر البشير وعراب حكومته السابق غريمه الحالي حسن عبدالله الترابي قد وصلت إلى أقصى تخوم التدهور بالشكل الذي لن تجدي معه محاولات الترقيع والترميم التي تسعى لها قيادات نافذة في الحركة الإسلامية تحركها مجموعة عوامل يمتزج فيها العام بالخاص . وبدأت ساحات المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) تشهد نوعا جديدا من الممارسات الاقصائية والاستئصالية وأخذ كل فريق يكيل الضربات للآخر من غير هوادة واختفت تماما من القاموس اللغوي للأزمة عبارات الاخاء والزهد في السلطة التي كان يتشدق بها الاسلاميون في السابق, مع شحذ كل فريق أسلحته للإجهاز على الآخر. وفي آخر تطورات مسلسل الصراع, أعلن الترابي موافقته على مبادرة القيادات الوسيطة التي تطالب بتسريح قيادات الصف الأول بمن فيهم نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه ونائب الأمين العام في الحزب الحاكم الدكتور علي الحاج محمد. وجدد الترابي استعداده للتنحي إذا ما طلب منه ذلك والتزم بتغيير كل قيادات الحزب الحاكم فور قبول مجلس الشورى لهذه التوصيات. وشاركه الرأي مساعده البارز محمد الحسن الأمين الذي لا يكف عن التصريحات الصحافية المثيرة. وقال لـ (البيان) نحن لا نمانع كقيادات للمؤتمر الوطني من الابتعاد عن العمل السياسي وفتح المجال أمام قيادات جديدة تعمل وفق رؤى جديدة لضخ الدم في شرايين المؤتمر الوطني. ولم يعترف الأمين بطريقة مباشرة بفشل هذه القيادات لكنه أضاف: (كل حريص على حركة الإسلام يجب ان يتنحى إذا ما شعر ان معينه قد نضب وانه لا يستطيع ان يقدم شيئا مفيدا للحركة. وعلى صعيد الجناح الآخر بدا واضحا تعويله على مقترحات لجنة (رأب الصدع) التي شكلها مجلس شوري الحزب الحاكم في اجتماعه الأخير. ويؤكد مراقبون ان جناح البشير استطاع ان ينفذ إلى نخاع اللجنة وذلك بسيطرة عدد كبير من الموالين للبشير على مفاصلها. واعتبر مصدر مقرب من الترابي ان توصيات لجنة رأب الصدع قد مكنت لتسلط الفرد وأعطت قرارات الرابع من رمضان شرعية. وكشفت المصادر لـ (البيان) تفاصيل التوصيات التي ستقدمها اللجنة إلى اجتماع مجلس الشورى الأحد المقبل. وأشارت إلى ان اللجنة لم تضع توصيات يمكنها ان تحل الأزمة وتقضي عليها ولكنها وضعت حلولا ارضائية ستنهار مع أول ضربة من ضربات الواقع. وقال المصدر الذي لا يخفي تعاطفه مع الترابي ان حديث اللجنة عن فصل السلطات وتحديد صلاحيات كل من الأمين العام ورئيس المؤتمر كان واضحا فيه محاولة ترضية الرئيس على حساب الأمين العام وقال المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه (التعديلات المقترحة للنظام الاساسي من قبل الهيئة سبق ان وجد حظه من النقاش ابان اجتماعات هيئة الشورى السابقة وقد تم استبعاده ولكن الآن وبعد مرور مالا يقل عن عام أظهرته لجنة بروفيسور عبدالرحيم علي مجددا. وتجدر الاشارة إلى ان لجنة رأب الصدع التي يرأسها د. عبدالرحيم علي رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني قد أكملت أعمالها ومن المنتظر ان تعقد خلال ساعات اجتماعا بالترابي الأمين العام للحزب الحاكم وستعقبه باجتماع مع رئيس الجمهورية لعرض مقترحاتها على الرجلين. وقال عبدالرحيم على في تصريحات صحفية أمس ان لجنته ستأخذ في الاعتبار ملاحظات الرجلين مؤكدا ان مشروع الحل الشامل كان الغرض منه تصويب وازالة التشوهات التي ظهرت في تجربة ادارة الحزب والحكومة في السابق ووضع نموذج يمكن ان يواكب المرحلة الحالية ويقود الحزب والحكومة إلى الطريق الصحيح في علاقتهما. ومن جانبها تحصلت (البيان) على تفاصيل توصيات لجنة رأب الصدع والتي لازالت قيد التنقيح والدراسة حسبما قالت المصادر التي كشفت ان اللجنة أوصت بأن يظل الرئيساً والأمين العام في منصبيهما وان يبقى الأمين العام رئيساً للهيئة القيادية التي زيد عدد أعضائها لتصبح من 86 عضوا بدلا من 60 عضوا في السابق وذلك باضافة ولاة الولايات لها. اضافة إلى رئيس الجمهورية ونوابه والأمين العام ونوابه وأمناء قطاعات المؤتمر الوطني السبعة ورئيس اللجنة البرلمانية وعشرين عضواً ينتخبهم مجلس الشورى. إلا ان المقترح طبقا لإفادات المصادر قد قلص صلاحيات الهيئة بصورة كبيرة وذلك بحجب حق الهيئة في إجازة التعيينات للمناصب القيادية بالدولة واعطاء لجنة التعيينات السباعية الحق في التعيين والعزل دون الرجوع للهيئة القيادية أو مجلس الشورى وأعاد المقترح تشكيل اللجنة السباعية لتتشكل من رئيس المؤتمر الوطني ورئيس الهيئة القيادية ورئيس مجلس الشورى ورئيس الهيئة البرلمانية اضافة ان ثلاثة أشخاص ينتخبهم مجلس الشورى وأبعد عن لجنة التعيينات وفقا للمقترح نواب رئيس الجمهورية ونواب الأمين العام, وكذلك اقترحت اللجنة ان يقوم مجلس الشورى مقام المؤتمر العام في غيابه لتعديل النظام الأساسي للمؤتمر الوطني ولوائحه ووفقا لحديث المصادر فإن الهيئة القيادية والتي كانت مطلقة اليد في ادارة الدولة والحزب معا قد حددت صلاحياتها في عقد التحالفات مع القوى السياسية ورسم السياسات العامة التي يقوم الجهاز التنفيذي بتفصيلها وتنفيذها ومحاسبة الجهاز التنفيذي من خلال تقارير دورية يقدمها رئيس الجمهورية كل ثلاثة شهور ومتابعة عمل قطاعات المؤتمر الوطني المختلفة ومراقبة أدائها. وتم توسيع صلاحيات رئيس المؤتمر الوطني على حساب صلاحيات الهيئة القيادية ورئيسها حيث نص المقترح ان يقوم رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني برئاسة كل جلساته وله حق الاشراف الكامل على الأداء في المؤتمر الوطني ويقوم بالتنسيق بين الجهازين التنفيذي والسياسي.