قال علي محمد عثمان ياسين وزير العدل حاليا ومندوب السودان لدى هيئة الامم المتحدة سابقا ان اكثر من خمسين سفيرا في نيويورك قالوا له: ليست لدينا اية مشكلة مع السودان ولكن ينبغي ان يطبع علاقته مع مصر اولا قبل ان تتحسن علاقته معنا, ويبدو ان ذات المبدأ ينطبق على العلاقة بين السودان والولايات المتحدة , فعندما غضبت مصر من موقف السودان في حرب الخليج الثانية وعندما اتهمته بايواء عناصر ارهابية وانه ضالع في محاولة اغتيال حسني مبارك في اديس ابابا عام 95, استطاعت ان تؤلب عليه عددا من دول الجوار وان تقنع الولايات المتحدة بخطورة النظام السوداني مما حفزها الى قيادة المجتمع الدولي لادانة السودان المتكررة في لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة ولمحاصرته اقتصاديا ودبلوماسيا ولاستصدار عدد من قرارات مجلس الامن ضد السودان. وذهبت الولايات المتحدة بعيدا في عدائها للنظام السوداني حين عملت على توحيد المعارضة السودانية لتكون بديلا لنظام البشير وحرضت دول الجوار لتشارك في عمليات المعارضة العسكرية, وهددت بمقاطعة الشركات التي تستثمر في مجال النفط السوداني, وبلغت تلك العداوة اوجها بضرب اكبر مصانع الادوية في البلاد بالصواريخ عام 98, واخيرا باصدار قرار من الكونجرس يقضي بدعم حركة التمرد بمبلغ اربعمئة مليون دولار حتى تتمكن الحركة من الصمود في وجه الحكومة السودانية. تذرعت الولايات المتحدة في عدائها للسودان بتعنت الحكومة في حل مشكلة الجنوب, وباعاقة اعمال الاغاثة للمتضررين من تلك الحرب, وبسجل حكومة البشير في اهدار حقوق الانسان, وبالانقلاب على النظام الديمقراطي .. وتأخذ الحكومة الامريكية في حسبانها موقف الحكومة السودانية المعادي للتحالف الغربي في حرب الخليج الثانية وتشجيعها الحركات الاسلامية المعارضة في المنطقة ضد حكومات بلادها مما يهدد استقرار تلك الانظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة. حاول السودان في البداية اصلاح علاقته مع امريكا مباشرة متجاوزا بذلك مصر فباءت محاولاته بالفشل الذريع نسبة للاهمية الكبيرة التي تعطيها الولايات المتحدة لمصر في تحقيق استراتيجيتها بالمنطقة, وبعد ان شعرت مصر بان تطور الاوضاع في السودان قد يؤدي الى الاضرار بمصالحها خاصة فيما يتعلق بحصتها من مياه النيل بدأت تلين من مواقفها تجاه حكومة الانقاذ في الخرطوم, وتبنت مؤخرا مبادرة مشتركة مع الجماهيرية الليبية لاحلال الوفاق الوطني بين الحكومة السودانية والتجمع الوطني الديمقراطي المعارض. ولم تأبه الولايات المتحدة في البداية للمبادرة المصرية ـ الليبية مؤكدة ان الجهة الوحيدة التي تتولى احلال السلام في السودان هي منظمة الايجاد ولكن اصرار الحكومة المصرية على المضي قدما في مبادرتها وترحيب كل من الحكومة السودانية والمعارضة الشمالية بتلك المبادرة بدأ يؤثر على موقف الحركة الشعبية ومن ثم على موقف الحكومة الامريكية وبرهنت مصر على انها بوابة السودان في علاقاته مع العالم الخارجي كما جاء في مقولة مندوب السودان السابق لدى منظمة الامم المتحدة. جاءت قرارات الرابع من رمضان التي حل بموجبها البشير البرلمان واعلان حالة الطوارىء لتعني ابعاد الدكتور حسن الترابي من مركز صنع القرار السياسي الذي تمتع به منذ مجىء حكومة الانقاذ الى السلطة في 30 يونيو 89. ورحبت مصر ايما ترحيب بقرارات البشير وتحرك الرئيس المصري سريعا الى ليبيا وبعض الدول الخليجية لدعم قرارات البشير واستقبل الرئيس السوداني في القاهرة بعد جفاء دام لعدة سنوات. بدأت الحكومة المصرية مفاوضات جادة مع الحكومة الامريكية لاقناعها باهمية قرارات الرابع من رمضان وجدوى دعم البشير ضد حليفه السابق الترابي شيخ الاصولية الاسلامية في العالم العربي. تدل مجريات الاحداث ان الولايات المتحدة بدأت تتقبل التقييم المصري لقرارات البشير ومن ثم تعطيه فرصة اخرى قبل ان تواصل خطتها السابقة لاسقاط النظام الحاكم في السودان, واقوى مؤشر لتغير الموقف الامريكي هو توقيع كل من اريتريا واوغندا لاتفاقية تطبيع علاقات مع السودان ولايمكن ان تقدم كل من الدولتين على هذه الخطوة دون اشارة (عدم ممانعة) من الحكومة الامريكية. كما ابدت الادارة الامريكية اهتماما كبيرا في الاتصال ببعض اطراف النزاع في السودان ومع بعض العواصم العربية والافريقية ذات الصلة بالمشكلة السودانية لمعرفة رأيهم في تطور الاحداث بالسودان, فقد قابل المبعوث الامريكي هاري جونستون عددا من الزعماء الجنوبيين في القاهرة كما قابل مبارك الفاضل المهدي مندوبا عن حزب الامة والتقى عبد المحمود الكرنكي القائم باعمال السفارة السودانية في لندن وينوي اجراء المزيد من الاتصالات مع الدول الاوروبية في مجموعة شركاء الايجاد ودول شرق افريقيا ومصر وقادة التجمع المعارض. قال جونستون ان الموقف الامريكي سيتبلور على ضوء هذه الاتصالات, وصرح بان الاتجاه العام للسياسة الامريكية الآن يتفق الى حد ما مع اتجاه الغالبية في قوى المعارضة السودانية الجانح نحو الحلول السلمية للمشكلة السودانية, وانهم بصدد اختيار مستجدات تطورات الاحداث في السودان, وستعقد الادارة الامريكية اجتماعا مع زعماء المعارضة السودانية في فبراير. وتعني اختبار مستجدات الاحداث بالنسبة للادارة الامريكية مدى امكانية البشير في الوصول الى اتفاق شامل لحل مشكلة الجنوب مع الحركة الشعبية, ولتحقيق وفاق وطني مع القوى السياسية الشمالية يقود الى تداول سلمي للسلطة. والنتيجة المنطقية لهذه الاجندة ان يقبل البشير بتسليم الجنوب للحركة الشعبية لفترة انتقالية تحت نظام كونفدرالي او شبه كونفدرالي, وان يقبل بزحزحة الحركة الاسلامية من السلطة في الخرطوم لترثها الاحزاب الطائفية الكبيرة, وكأننا ياعمرو لا رحنا ولا جينا!