بعض الآراء تقول ان المحارب هو خير من يفاوض, فهو يعرف خصمه جيدا, وهو يستطيع الكر والفر دون ان يتهمه احد بالخيانة. والامر نفسه بالنسبة للتجسس فاكثر العرب خبرة باسرائىل هؤلاء الذين عاشوا عمرهم يرصدون خطرها, ويتسللون الى صفوفها, ويضربونها تحت الحزام.من هؤلاء: ضابط كبير سابق في المخابرات المصرية . اسمه محمد نسيم, ويعرفه كثيرون فهو احد ابطال عملية رأفت الهجان (والاسم الحقيقي رفعت الجمال), وعملية اغراق الباخرة التي كانت تحمل معدات البحث عن البترول المصري اثناء عبورها في داكار, وذلك اثناء احتلال سيناء وبأمر من جمال عبدالناصر. هو بطل سابق, لكنه اعتزل العمل في هذا المجال وانتقل الى السياحة ومن السياحة, والتي يعمل كرئيس لغرفتها, انتقل للتعاون مع اسرائىل, او هكذا جاء في نبأ اذيع في القاهرة منذ ايام! واقول الحق: لقد فوجئت بالخبر الذي يشير لعقد مؤتمر سياحي مشترك بين مصر واسرائىل هذا الاسبوع.. مؤتمر يقوده رجلان من الطرف المصري, الاول: الهامي الزيات (وهو المصري الوحيد المشارك في مؤتمر اقتصاد الشرق الاوسط الذي انعقد في الدوحة).. والثاني: محمد نسيم الذي نتحدث عنه. اقول انني قد فوجئت لكن المفاجأة لم تستمر طويلا, فربما يكون الامر توزيعا للادوار, وان الضابط السابق في مهمة رسمية. السؤال: ما هو نوع المهمة التي يمكن القيام بها الان بين مصر واسرائىل والتي تتحدد بعض تفاصيلها في اربعة ايام عمل يقضيها المؤتمرون بين طابا المصرية وايلات الاسرائىلية والتي كانت بدورها قرية مصرية تحمل اسم ام الرشراش واستولى عليها الاسرائىليون ليصلوا الى خليج العقبة؟ ما هو نوع المهمة؟.. ذلك هو السؤال, ورحلة التطبيع بين مصر واسرائىل في صعود وهبوط وفق الاجواء السياسية؟ قال لي مسئول كبير: تتحدثون عن البترول كأكبر مجالات التطبيع والذي تناولته ملاحق الاتفاقية المصرية ـ الاسرائيلية ويبلغ مقداره (2) مليون طن سنويا وهو يمثل جزءا كبيرا من الطاقة التي تحتاجها اسرائىل.. هذا البترول لا يذهب حتما الى اسرائىل فالاتفاق يقضي بأن تطرح مصر بترولها في السوق العالمية وبعد ان يتحدد السعر يصبح لاسرائىل اولوية في الشراء اذا راق لها هذا السعر, فاذا لم تتم الصفقة يذهب لغيرها, اي انها تشتري بالسعر العالمي. * قالت: والغاز؟ ـ المفاوضات متعثرة منذ ثلاث سنوات, هي نفسها سنوات التعثر في المفاوضات. وقال المسئول: ان التقدم في التطبيع رهن بالتقدم في السلام, ذلك عن التطبيع الرسمي.. اما الشعبي فنحن نحس برفض الشارع المصري له. انتهى حديث المسئول الكبير, ولكن في الاطار نفسه تجيء قصة السياحة ولها وضعها الخاص, فالسائح الاسرائىلي من حقه ان يزور سيناء دون تأشيرة دخول بشرط الا يعبر القناة.. والسائح الاسرائىلي في سيناء هو الافقر حالا, لكنه الاكثر ترددا فالانتقال يتم من المنافذ البرية او البحرية في يسر كامل وقد كان حلم اسرائىل ان تكون سيناء هي مجالها الحيوي سياحيا, وان تكون مصر هي البلد الذي تمارس معه حكاية السياحة الاقليمية الدائرية, فالسائح قد يبدأ في ارض مقدسة هي بيت المقدس ثم ينتقل الى مزارات دينية اخرى مثل جبل موسى ودير سانت كاترين وطريق الخروج في سيناء.. و.. قد يهبط الى القاهرة او الاقصر واسوان.. ثم يعود ادراجه. حلمت اسرائىل بذلك ووضعته ضمن خططها التي كانت تعني ان معظم الغنم للجانب الاسرائىلي.. ولم يكن ذلك منفصلا عن التصور الذي وضعته الحكومة الاسرائىلية وقدمته في وثيقة رسمية لمؤتمر الدوحة عام (97), وهي وثيقة تتحدث عن مختلف اوجه التعاون, وفي مقدمتها: مشروعات خليج العقبة والنشاط المشترك بين (العقبة ـ ايلات ـ طابا). السياحة اذن مجال رئيسي مستهدف من مجالات التطبيع وان كانت التجربة مع مصر ان السياحة في معظمها من اتجاه واحد هو الاتجاه الاسرائىلي, اما المصريون فهم عازفون عن ذلك, والمسيحيون منهم ممنوعون من الحج الى القدس بأمر من البابا شنودة. ما الذي يستدعي عقد مؤتمر سياحي اذن بين مصر واسرائىل, مع ما يحمله ذلك من مخاطر امنية؟ الاحظ ان ذلك يأتي وسط مجموعة انشطة عربية ـ اسرائىلية في الاتجاه نفسه فهذا وزير اسرائىلي يزور المغرب بدعوى انه يريد ان ينقل ما يجري في مباحثات السلام, وهؤلاء مسئولون اسرائىليون يتبادلون الزيارات مع الاردنيين والعمانيين, وهذه دعوة عاجلة لاستئناف المحادثات متعددة الاطراف والتي توقفت منذ سنوات, وهذه دعوة اخرى لاستئناف المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا الذي عقد دورته الثالثة في الدوحة خلال نوفمبر (97) ثم توقف بعد ذلك, ومن المتوقع ان ينعقد بالقاهرة في الربيع المقبل. انها محاولة اذن لدفع الدماء في عروق علاقات اسرائىلية ـ عربية باهتة وكأننا نؤمن بسياسة (الدفع المقدم) متناسين ان الارض واللاجئين والمياه والامن.. كلها موضوعات خلاف لا نعرف الى اين تنتهي.. مسكين السيد (نسيم), فقد وضعته السياسة والسياحة في غير موضعه!