بالغ حكام شمال الجزيرة وجنوبها في سرية ما يدور بينهم من حوارات الى حد اثار الشك والريبة لدى المواطنين فيما يجري فالقضايا المعلقة بين اليمن والسعودية ـ في رأي المواطن ـ لا تستحق كل هذا التعتيم.لا تقتصر ازمة الثقة بين المواطنين والنخب الحاكمة وانما تتعداها الى أزمة ثقة بين النخب الحاكمة نفسها. فالاتفاقات التي تتم في الغرف المظلمة غالبا لا ترى النور لأن النخب الحاكمة في لحظات الحاجة قد تتبرع بوعود سخية وحين يأتي أوان الاستحقاق تجد هذه النخب نفسها عاجزة عن الوفاء فتعمل على تمديد حبال المماطلة والتسويف فتشكل أزمة ثقة فيما بينها. من العوامل التي أعاقت اقامة علاقات سرية بين شمال الجزيرة وجنوبها اقتصارها على علاقة النخب الحاكمة وعلاقة العامل اليمني بصاحب العمل السعودي. وهي علاقات اتسمت بالنظرة الدونية. لقد غابت العلاقات المتوازنة ذات القامات المتساوية بين ابناء الطبقة الوسطى من رجال الاعمال, واساتذة الجامعات, وعلماء الدين والادباء والفنانين والرياضيين وغيرهم. وهي العلاقات التي كان بالامكان ان تسهم في ايجاد فهم جديد للعلاقات وتساعد على اقامة علاقة احترام متبادل وفهم مشترك. ومصالح متوازنة, وتعمق الاحساس بالمصير الواحد, وتخلق المناخ النفسي السليم الذي يساعد على بناء علاقات رشيدة بين الجارين الشقيقين سواء على المستوى الشعبي او المستوى الرسمي. لا احد يصدق ـ في هذا العصر المتشابك المتلاحم ـ ان الجيران ذوي القربى من اليمنيين والسعوديين هم وحدهم الذين لا يرتبطون معا بهموم مشتركة تتصل بجزيرتهم وخليجهم وامتهم العربية والاسلامية, وليس لهم أي تصور مشترك ولا استراتيجية موحدة لمواجهة اعداء الامة اللذين يتآمرون عليهم ويبتزون امكانياتهم, ويثيرون الاحقاد فيما بينهم. غياب العلاقة المتوازنة يعود الى ازمة الثقة لدى النخب الحاكمة في شمال الجزيرة وجنوبها والتي تتحفظ على هذا النوع من العلاقات بين افراد الطبقة الوسطى. لقد وصل الامر في مراحل معينة الى اعتبار العلاقة مع اي سعودي خيانة وتآمرا, وعلاقة اي سعودي مع اي يمني ـ لا يمر عبر اللجنة الخاصة ـ علاقة مشبوهة. واصبح حصول مواطني جنوب الجزيرة على تأشيرة دخول الى شمالها وخليجها احدى المعجزات. هذا التحرز على العلاقة المتوازنة بين مواطني الجزيرة والخليج يعكس ـ ايضا ـ العقلية التي لم تستطع ان تستوعب امكانية التمايز في النظام السياسي مع اقامة علاقات حميمة وسليمة يحترم فيها كل مجتمع خيارات المجتمع الاخر. وخاصة ونحن نعيش في عصر اصبح فيه التوحد مع العقود والتمايز اهم سماته لا على مستوى الدول المستقلة وانما على مستوى الدولة الواحدة, وهاهي الولايات المتحدة الامريكية لكل ولاية فيها تشريعاتها وقوانينها ونظمها, وهاهي اوروبا جمهوريات وملكيات ولغات وديانات تسعى الى تكوين دولة المصالح المشتركة في ظل كل هذا التمايز. هذا المناخ غير الصحي في العلاقة على المستوى الرسمي والشعبي قد عمق الحواجز النفسية, وجذر ازمة الثقة, واضعف فرص التقارب وجعل المواطنين في ريبة شديدة من اي اتفاق يتم في الغرف المظلمة مهما كان هذا الاتفاق. ان عقد أي اتفاق في مناخ الشك والريبة وازمة الثقة عمل غير سليم بل ان عواقبه وخيمة لأن المواطنين في حالة ريبة في الاصل وسوف تأتي القوى السياسية المعارضة للاتفاق فترفع من وتيرة الشك والتوتر والعداء. وقبل ان يجف مداد الاتفاق سيجد الطرفان نفسيهما من جديد في خنادق متقابلة وكأننا يا بدر لا سرنا ولا جينا. وهذا ما حدث بعد اتفاقية الطائف 1934. المعاهدات ليست ورقا للتوثيق, ولا انتهازا للفرص وانما هي في الاساس وسيلة لخلق السلام الاجتماعي, والاستقرار السياسي, وتحقيق التنمية الاقتصادية وايجاد علاقات طبيعية بين الجارين. واذا لم تحقق المعاهدات هذه الاهداف فهي حبر على ورق. من هذه الحقيقة الهامة تأتي اهمية ان تجرى ـ قبل الاتفاق الرسمي ـ حوارات واسعة حول العلاقات اليمنية السعودية يشترك فيها الجانبان علماء دين واكاديميون, ومثقفون, ورجال اعمال واعلام, وعسكريون وسياسيون, ومؤسسات شبابية ورياضية وثقافية ومهنية وفنية كما تشارك فيها وسائل الاعلام الجماهيري لتنقلها الى الرأي العام في الجزيرة والخليج. هدف هذه الحوارات, خلق فهم مشترك للمشكلة واذابة الحواجز النفسية, تعميق الوعي بالمصالح المشتركة, التغلب على ازمة الثقة, وضع تصورات عامة لمعالجة ازمة العلاقات بما فيها الحدود الجغرافية في اطار رؤية متكاملة لافاق المستقبل. في ظل هذا المناخ الحواري الصحي الشفاف يسهل على المحاورين الرسميين الوصول الى حلول مقبولة ومفهومة لدى المواطنين.