الاعياد التي تجمعت في عشرة ايام من نهاية العام الماضي ومطلع العام الميلادي الجديد, انتهت في الاردن, وعند كتابة هذه السطور تكون الحياة قد عادت وعاود الناس اعمالهم واهتماماتهم وحتى هذه اللحظة, لم يتبدل رئيس الديوان الملكي, ولا احدث رئيس الوزراء عبدالرؤوف الروابدة تعديله الوزاري, ولكن كليهما ربما يكونان قد حدثا عند نشر هذه المقالة . وقد حدثت يوم الاربعاء الماضي 12 يناير حكاية مثيرة, فقد قام احد النواب المستقيلين من الحركة الاسلامية, الدكتور عبدالله العكايلة بالطلب من رئيس مجلس النواب ان يتحقق من اتهامات كان وجهها النائب محمود الخرابشة قبل اجازة العيد, واثناء مناقشة الموازنة العامة, الى ابن رئيس الوزراء عصام الروابدة, ادعى فيها النائب الخرابشة ان ابن الرئيس قد كسب مشروع عطاء لمدينة ترفيهية سياحية بدون حق, وفي اثناء مداخلته التي ذكرت باتهامات النائب الخرابشة, طلب النائب الدكتور العكايلة من رئيس مجلس النواب ان يتخذ المجلس خطوات للبت في هذا الموضوع سواء صدق النائب الخرابشة فيما ادعاه من امر خطير ام لم يثبت. وتدخل رئيس الوزراء بشكل قوي وعاطفي مدافعا عن كرامته الجريحة وقال كلاما قاطعا وواضحا وقال انه لا يجوز ان يستمر التطاول على المسئولين واشهار الاوراق امام اعضاء مجلس النواب والصحافة والكاميرات, دون ان يعلم احد ما في تلك الاوراق من معلومات وطالب رئيس الوزراء ان تحال الاوراق التي يحصل عليها اي نائب وفيها ادانة لمسئول الى المدعي العام فورا كي يدافع عن حقوق الدولة من تطاول المسئول وبالطرق القانونية المستقرة وامام المحاكم والقضاء. وفي الوقت نفسه نفى الرئيس ان هناك عطاء حكوميا لمدينة ترفيهية او قرية سياحية قد اعد او احيل من قبل الحكومة او أي من اجهزتها وتحدى النائب الخرابشة قائلا امامنا القضاء فإن ثبتت اتهاماتك ضدي استقلت, وان لم تثبت فعليك ان تستقيل, او تقال من المجلس الكريم وفق القواعد والتشريعات المعمول بها. وقد بدأ رئيس الوزراء في مداخلته متأثرا وقد كنت ارقب الحدث في نشرة اخبار التلفزيون الاردني وبالفعل ثارت كرامتي, صحيح اننا نريد الشفافية, وصحيح اننا نريد المساءلة وصحيح اننا نريد الكشف عن هوية العابثين بالمال العام والخاص حتى لا يبقى هؤلاء العابثون هم الملائكة والبريئون هم المدانون ولكننا لا نريده عدالة شارع, ولا تطاولا لاغراض خفية, وحزازات شخصية. وبالرغم من انني لا ارى اشياء وفق ما يراها الرئيس, واختلف معه في بعض ملامح رؤياه ولكنني لا اسمح لكرامته ان تمس, وهو رجل عصامي عفيف جدير بأن يكون رئيسا للوزراء وقد شعرت معه وتعاطفت مع موقفه كل التعاطف. لا احد يحب الظلم ولا احد يحب الظالمين فالاول مرتعه وخيم, والآخرون هدامون ولربما يكون الرئيس الروابدة قد كسب كثيرا من الشعبية والتعاطف في موقفه القوي الانساني الصادق, وأولها بصراحة, لقد كان الرئيس بدون رتوش وبدون ذكائه المستخدم في الرد على السؤال اكثر من الفطين, بدون فكاهة كان الرجل مجروحا في ابنه الوحيد في كبريائه في اسرته, ولذلك صار الانسان الذي يدافع عن كرامة مركزه وعزة شخصه, وسمعة ابنه, واجابته لذلك في تلك اللحظة وشعرت انه ثار لكرامة كل مسئول عمل بجد واخلاص ولم يخرج من حطام ذلك إلا بمتاع قليل يعلمه كل الناس وبعضهم يحسده عليه. ان مساحة اللامبالاة التي تزداد اتساعا في العالم كله نحو السياسة والسياسيين وانغماس الناس في شجونهم ولقمة عيشهم التي تصبح اكثر بعدا واعز منالا لا يجيز كاعادة تكوين ذلك الاهتمام بالاثارة وبالمسرحيات, والاصح ان ردة الفعل هذه تعزز العزوف عن السياسة. ان الاردنيين الذين عادوا من اجازات الاعياد لم يمضوا عيدهم في الحديث السياسي, فالتغيير لدى كثير منهم هو مجرد استبدال وجوه, وهذا ليس صحيحا, ولا هو بالتصوير الدقيق, ولكن قصر النظر الناجم عن عدم الاكتراث وقلة التركيز تجعل الرؤية الغالبة انطباعية حيث يبدو الشخص من بعيد مجرد ظلال على الافق, متشابهين وبدون اسماء او هوية او ملامح مميزة, ولكن النظرة الطبيعية هي التي تبرز التفاصيل. لقد اعاد رئيس وزراء الاردن ابو عصام بوقفته القوية اهتمام الناس ليروا الشخوص على طبيعتهم لا من انطباعاتهم.