فرحت كثيرا, مثل غيري من اهل الخليج, ومن غيرهم من ابناء الامة الاسلامية والقرية الكونية, للزيارات المتبادلة بين الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر, والشيخ حمد بن عيسى أمير البحرين, التي تصادفت مع عيد الفطر السعيد, والألفية الثالثة, بما يضيف الى المناسبة, ابعادا اخرى في عالم الاغتباط والارتياح . وقد جاءت هذه المبادرة البناءة والمسئولة من قيادة البلدين, في وقت دقيق جدا في مسيرة مجلس التعاون, التي دخلت بعد قمة الرياض الاخيرة (الدورة العشرين للمجلس الأعلى), فصلا حديثا يتسم بالعزم على التعامل السريع مع القضايا المعلقة مثل الاتحاد الجمركي الموحد, وتحقيق شروط المواطنة الاقتصادية بالسماح لأهل الخليج بممارسة حرية التملك في العقار والاسهم والتجارة في كل جوانبها. وبصراحة لابد من الاعتراف بأن مجلس التعاون تحمل الكثير بسبب الخلاف بين البحرين وقطر, وتجمدت انشطته لا سيما في مجالات التعاون العسكري, وسيطر الشلل على عمل اللجان العسكرية والفنية, بعد ان تفجر الخلاف في ابريل 1986 في حادثة فشت الديبل. واتذكر جيدا المتاعب التي عشناها خلال تلك المرحلة الصعبة في تاريخ مجلس التعاون.. كان الخلاف بين الطرفين موجودا قبل قيام مجلس التعاون, وكانت المملكة نشطة في بذل الجهود لايجاد حل للخلاف, بعد نجاحها في اقناع الطرفين بتجميد الوضع في المناطق المختلف عليها دون تغيير في طبيعتها مع الابتعاد عن الاثارة الاعلامية, في محاولة منها لخلق مناخ ملائم لنجاح الجهود التي كانت تقوم بها الرياض. ولكن الخلاف انفجر في ابريل 1986 بعد انزال قوات قطرية على فشت الديبل لوقف عمليات البناء في تلك المنطقة, كانت تتم ضمن مفهوم تعزيز القدرة العسكرية لمجلس التعاون ضد تهديدات ايران. وقد ذهبت كأمين عام للمجلس الى كل من البحرين وقطر, يرافقني اللواء يوسف مدني, سفير المملكة العربية السعودية حاليا في بكين, ورئيس اللجنة العسكرية في مجلس التعاون آنذاك, بناء على تعليمات عليا من خادم الحرمين, الذي كان على اتصال دائم مع القيادة في كل من البلدين. كان الهم الاكبر في ذلك الوقت هو سحب القوات القطرية من المنطقة, وازالة الاسقاطات السلبية التي خلفها الحادث في النفوس, والبدء في توفير مرحلة صحية تسهل نجاح المأمورية التي تحملها خادم الحرمين الملك فهد بن عبدالعزيز, والتي كنت انفذها مع المبعوث العسكري السعودي اللواء سعد الموينع الذي صار مشاركا فعليا في الاشراف على تنفيذ بنود الاتفاق, الذي يمكن ان اسميه اتفاق فك التشابك بين قوات الطرفين. ولم أتصور حجم التوتر بين البلدين والذي لم يكن طافيا على السطح, كما لم اتصور حالة الغضب الممزوجة بالألم, والشعور بالخيبة والاحباط من عدم الاكتراث. كنت وزميلي اللواء سعد نبلغ الامير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني وزير الدفاع بما يدور وبما يمكن تحقيقه وبالحالة المسيطرة في البلدين بشكل منتظم ومتواصل, ليعزز من جهوده في الاتصالات المباشرة مع القيادتين. كان الطلب الملح هو سحب القوات القطرية, وكان رأي الشيخ خليفة بن حمد امير دولة قطر في ذلك الوقت, ان يتم ذلك الانسحاب ضمن خطة متكاملة لاعادة الوضع الى ما كان عليه قبل البدء في عمليات البناء. واعترف بأنني قابلت صلابة لم اكن اتوقعها, وشاهدت الما لم اكن اتصوره, ووقفت على انفعالات لا أملك الحق في وصفها. المهم ان جهود رجل الخير الملك فهد حققت العاجل من جدول الاعمال, وهو اعادة الوضع الى سابق عهده, وبالطبع فقد تحقق ذلك بعد ان اظهر الطرفان تقديرا للجهود المكثفة لقيادة المملكة, وتعاملا بواقعية مع الوضع القائم آنذاك, ولم يخلوا تنفيذ الاتفاق من ترقب وتذمر وتبرم فقد كان المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان أمير دولة البحرين في ذلك الوقت, كريما ومتسامحا في قبوله لاجراءات تنفيذية ربما لم يكن لها ضرورة, ولكنها مؤثرة في تنفيذ الاتفاق. بعد ذلك, دخل الطرفان مرحلة فيها الكثير من الحذر والتخوف, مما ادى الى خلق ركود في مسيرة المجلس في الجانب العسكري والأمني, وتجمدت قرارات تتعلق بتوفير معلومات عن القوات المسلحة وخطط الاعداد العسكري والتزود بالاسلحة طلبتها اللجنة العسكرية وذلك لتحقيق فلسفة التكامل والتنسيق في التعاون المركز. ورغم الاتفاق لم تنحسر المخاوف من الانفجار مع مرور الزمن, ولذلك فقد واصلت المملكة العربية السعودية جهودها, بعد تنفيذ المرحلة الاولى من الاتفاق وهو الانسحاب, من اجل ايجاد حل مرض للخلاف. وبالطبع فان اي اتفاق لا يمكن ان يرى النور بدون موافقة الطرفين والتزامهما بنصوصه, وبالرغم من صعوبة توفير ارضية مشتركة للاتفاق, فقد واصلت المملكة مساعيها الخيرة, وتقدمت بمقترحات متعددة لكنها لم تنل موافقة الطرفين ولذلك لم يتحقق ايا منها. في ديسمبر 1990 عقد المجلس الاعلى دورته في قطر, برئاسة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني, ولم يكن ذلك اللقاء سهلا بعد اصرار قطر على وضع الخلاف بين البحرين وقطر على جدول اعمال القمة, ومعارضة البحرين لذلك, مما ادى الى تعليق الجلسات لمدة يومين, نشطت خلالها الجهود لايجاد مخرج من ذلك المأزق المفاجئ, وخرج الاجتماع في قطر باتفاق محضر بين الطرفين تم التوصل اليه بعد جهود مضنية من قبل خادم الحرمين ومن قبل جلالة السلطان قابوس, كانت خلاصة المحضر هي اللجوء الى محكمة العدل الدولية في حالة عدم التوصل الى اتفاق مقبول كحصيلة لمساعي المملكة. ويمكن القول بأن ذلك اللقاء الذي تم في اجواء احتلال العراق لدولة الكويت ادخل علاقات البلدين في فصل طويل من الجمود والتباعد والتناحر, كان من مظاهره مقاطعة البحرين للدورة السابعة عشرة للمجلس الاعلى التي عقدت في قطر في ديسمبر 1996 مسجلة اول حالة من المقاطعة الكاملة لأعمال المجلس الاعلى. وحتى الامس القريب ظل الجمود السلبي مسيطرا على تعامل البلدين مع بعضهما, وتجمد اتفاق تبادل السفراء, وفرضت اجراءات على التنقل والاقامة والعمل بما لا يتفق واهداف مجلس التعاون وبرز وضع متوتر وغير طبيعي في المنطقة. وقد أدرك الطرفان, في العهد الجديد في كل من الدوحة والبحرين, بأن الخيارات قليلة امامهما, وان السبيل الافضل لعلاقات تتجاوز الجمود هو التعامل المباشر بينهما, والتخلص من الموقف السلبي وتدويره الى موقف عملي وواقعي يعيد الحيوية والدفء الى جسم العلاقات بينهما ويقضي على فصل الابتعاد والتخوف. ولحسن الحظ فان الطرفين ادركا بأنه لن يجني اي منهما فائدة من استمرار الموقف السابق, وانه من الافضل معالجة وضع العلاقات في حوار واتصال مباشر بينهما. وقد نجحت قيادة البلدين بعد تبادل الزيارات في الخروج من مأزق الماضي اى مرحلة الحيوية والتطبيع وخلق اجواء اخوية مريحة تساعد على تجاوز المشاكل وتدخل الاطمئنان الى نفوس الجميع. كما نجحت القيادة في كل منهما في التوصل الى آلية فعالة ومؤثرة في معالجة المشاكل وذلك بتشكيل لجنة مشتركة من ولي عهدي البلدين لدراسة المعلقات وايجاد حلول لها, والدفع القوي في تعزيز وتعميق العلاقات بينهما. كما تم التوصل الى خطوات عملية وهامة في الموافقة على التنقل بالبطاقة وتبادل السفراء والتفكير في ربط البلدين عبر تشييد جسر يشكل ممرا هاما في تحقيق التواصل والتشابك بين ابناء الشعبين. ولا شك بأن الفضل الاكبر في الانجاز الكبير يرجع الى سماحة القيادتين وادراكهما لسمات العصر الحديث, وحرصهما على مصالح الشعبين المترابطين بشكل خاص وفريد من تراث عميق وقديم وجذور اسرية واحدة. خروج البلدين من الاسر الجامد يزيل عقبة كبرى امام مسيرة مجلس التعاون في العمل المشترك, ويطوي صفحات كان فيها الكثير من الشكوك ومن الحذر والسلبيات, ويدخل المنطقة كلها في مجالات رحبة من التعاون المثمر, لا سيما في مجالات التطبيق الفعلي للعمل العسكري المشترك, ولسياسة ازالة القيود امام العمل والتنقل والاستثمار والتجارة. واعتقد ان الانجاز التاريخي بين البلدين هو هدية من القيادتين ليس للشعبين فقط, وانما لاهل الخليج قاطبة وللجيل القادم الذي سيعيش في مناخ العمل المشترك والتعاون الجاد في المنطقة دون سحب التوتر والقلق. لقد خلق الخلاف بين الطرفين منطقة متوترة في الجسم الخليجي, لا احد يعرف متى كانت ستنفجر, ولا احد يستطيع ان يتكهن بنوعية المسار الذي ستؤدي اليه, وكنت بصراحة احد المتخوفين من افرازات تلك المنطقة المتوترة, وتأثيرها على مجلس التعاون ككل. والان وبعد انحسار منطقة التوتر, لابد من الاستفادة من اجواء الحاضر, لتكثيف قنوات المصالح بين قطر والبحرين بحيث يجني الشعبان ثمرة هذا التكثيف وبما يسهل حلول المشاكل بينهما, مهما كبر حجم المشاكل. مبروك للقائدين, وللشعبين, ولأهل الخليج وللعرب جميعا, اثبت القائدان بأنهما قادران على التعامل الجدي مع تحدي الحاضر بلغة العصر الحديث.