اتضح من الورقة الامريكية التي تلخص نقاط الالتقاء والخلاف بين الطرفين المفاوضين في شيباردستاون ما كنا قد اكدناه مرات عديدة في هذه الزاوية وهو ان المبدأ الاساسي للتفاوض السوري الاسرائيلي هو مبدأ الارض, كل الارض مقابل السلام.. هذا مبدأ التفاوض وليس موضوع التفاوض . وقد لخص هذا المبدأ اخيرا من قبل الولايات المتحدة بتأكيد الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو مع ملاحظة اسرائيل انها تختلف في هذه المنطقة مع موقف سوريا ولا تتناقض معه. كيف بالامكان التوفيق بين تأكيد مبدأ الارض مقابل السلام الذي يتجسد في قرار مجلس الامن 242 وبين وجود لجنة للتفاوض على الحدود والحديث عن تعديلات على هذه الحدود وجود موقف اسرائيلي مختلف عن الموقف السوري في هذه القضية تحديدا؟ لقد تم تأكيد المبدأ, ولكن المبدأ يختلف عن عملية ترسيم الحدود, وذلك لأن حدود 4 يونيو 67 غير مفهومة ضمنا, لانه لم يتم ترسيمها بدقة في اتفاق هدنة او اي اتفاق آخر. قد يتخوف البعض ان هذا الكلام يعني في نهاية المطاف تأكيد مبدأ حدود 4 يونيو 1967, ولكن في واقع الحال سيترجم هذا المبدأ بالعودة الى حدود 1923, والفرق بين الحدين غير كبير, والحقيقة ان الفرق بين تأكيد المبدأ وترسيم الحدود في الواقع ليس كبيرا حتى ليس الى هذه الدرجة, الحدود الفعلية التي كانت قائمة بعد 1923, هي ليست حدود خطوط الهدنة عام 49, وقد تعدلت هذه الحدود بفرض الامر الواقع عبر زحف للقوات هنا وهناك اثر اشتباكات وغيره بين السنوات 49 ـ- 67, لذلك توجد ضرورة للجنة ترسيم للحدود يرافقها الاصرار السوري على خطوط 4 يونيو اما من ناحية اسرائيل التي لم تعلن حتى الآن عن قبولها للمبدأ ولكنها لم تعلن نفيها له بعد ان كتب في ورقة امريكية, فإن ترسيم الحدود سيتم بناء علئ هذا المبدأ مضافا اليه نوع الترتيبات الامنية على جانبي الحدود التي تحدد مدى الحاجة لاخذ اعتبارات طوبوجرافية بعين الاعتبار. لم يتبق بعد اذن على عملية, ترسيم الحدود رغم التسليم بحدود الرابع من يونيو ولكن استراتيجية اسرائيل التفاوضية لن تؤدي الى ترسيم الحدود مباشرة في اللجنة الخاصة بهذا الشأن, لقد اتبعت اسرائيل استراتيجية تفاوضية لم تتغير منذ رابين وبيريز, وقد ادت هذه الاستراتيجية حتى شيبارزتان الى طريق مسدود, تعمد اسرائيل بناء على هذه الاستراتيجية الى الحصول على اجابات سورية تفصيلية على اسئلتها فيما يتعلق بطبيعة العلاقات بين الدولتين وفيما يتعلق بالترتيبات الامنية قبل ان تدلي هي بموقفها فيما يتعلق بالحدود هكذا تمت عرقلة المفاوضات في مرحلة رابين بيريز وحتى نتانياهو. يذهب الموقف السوري بشكل عام وفي حالة الاستعداد الاسرائيلي للانسحاب الكامل عن الاراضي السورية المحتلة عام 1967, لقبول علاقات سلام عادية دون تفصيل علاقات التطبيع بين الدولتين كما يعبر عن استعداد لمرونة فيما يتعلق بالترتيبات الامنية في الهضبة السورية لطمأنة الطرف الاسرائيلي دون قبول اي مس بالسيادة السورية: الجيش, التسليح.. الخ كيفا وكما. ولكن عدم الرضى الاسرائيلي عن الاجابات السورية لا يختزل برغبة اسرائيل الحصول على اجابات وافية وانما ينجم عن عدم اتفاق مع المواقف السورية, وطلب موافقة سوريا على شروط اسرائيلية متعلقة بالترتيبات الامنية حتى المنطقة الواقعة بين الجولان ودمشق ذاتها ومحطة انذار في جبل الشيخ وغير ذلك, وعلى اقتراحات اسرائيلية لمشاريع تعاون عابرة للحدود تتعدى العلاقات العادية بين دولتين, اي تتعدى موضوع تبادل السفارات وفتح خطوط البريد والهاتف وتأشيرات الدخول والخروج وهذه امور لا توافق عليها دمشق ولا تنسجم مع تصورها للسلام. سوريا لا تقبل وليس من المفروض ان تقبل ان ينقلها السلام مع اسرائيل من احتلال محدود للجولان الى احتلال لسوريا بأكملها بحجة الترتيبات الامنية, كما ان تصور سوريا للسلام لا يصل حد الغرام, ولذلك لا ترى مكانا لاتفاقيات تطبيع قد لا تنفذ في نهاية المطاف لأن المجتمع العربي يرفض تنفيذها كما حصل في مصر التي وقعت مع اسرائيل اكثر من خمس عشرة اتفاقية تطبيع. لا يدخل الاسرائيلي المتوسط الذي يرغب باراك ان يكسب تأييده لاتفاقية السلام في تفاصيل التطبيع الاستراتيجي الذي يهم النخب الاسرائيلية العسكرية والسياسية والاقتصادية ـ فما يهمه هو (الشعور) بالامن رغم الاستغناء عن الهضبة السورية, كما يهمه ان يسافر الى تركيا بسيارته اي ان يتصل بأوروبا عبر اليابسة وهذا يكفي, اما الاساطير التي يروجها اليمين الاسرائيلي حول تعاظم قوة سوريا العسكرية بعد السلام اقتفاء لخطوات مصر التي تابعت بناء جيشها بمعونات امريكية فلا تتجاوز التعبير عن عقلية اليمين الاسرائيلي التي تحتمل الشيء ونقيضه. فقد نشأ اليمين الاسرائيلي على مقولة الجدار الحديدي التي تنفي امكانية السلام مع العرب ولا يتصوره إلا مبنيا على قوة الردع خلف جدار حديدي, ولذلك فهو يتعامل مع السلام مستخدما مفاهيم الحرب, ويدور في حلقة مفرغة لا مخرج منها. حالة الحرب تؤدي الى سباق تسلح وازمات تنفجر من حين الى آخر في حرب محدودة تجبر اسرائيل من حين لآخر على دفع الثمن, ولكنه يتقزم امام الثمن الذي يدفعه العرب عادة, وينسى اليمين عادة او يتناسى ان موضوع الثمن لا يقاس بالارقام المطلقة وانما بقدرة المجتمع على تحمله ولكن اليمين الاسرائيلي بشكل عام يؤمن بقدرة اسرائيل على التحكم والسيطرة على حالة النزاع المستمر, وهذه ايضا احدى اساطيره فقدرة اسرائيل على التحكم والسيطرة ناجمة ليس فقط عن (حصانة المجتمع الاسرائيلي الداخلية) (على حد تعبيره) ولا عن قوة الردع الاسرائيلية وطاقات التدمير غير التقليدية التي في حوزتها. وانما ايضا عن التحالف مع امريكا واليمين نفسه يشكك بتحالف اسرائيل مع الولايات المتحدة ويطالب مؤخرا باستقلالية اسرائيل عن الولايات المتحدة لكي لا تتحول العلاقة الاستراتيجية الامريكية الاسرائيلية الى حالة ضغط على اسرائيل, يرتكز اليمين الغيبي الاسرائيلي في خطابه على استمرارية حالة الحرب مع العرب ولكنه يستغني خطابيا عن مقومات السيطرة الاسرائيلية على حالة الصراع هذه عندما تتناقض مع اصول التسوية المنسجمة مع الترتيبات الامريكية في المنطقة. يتشدق اليمين الاسرائيلي بالسلام وذلك انطلاقا من ان اليهود كانوا دائما ضحية الحروب وضحية اعتداء الشعوب الاخرى, واخرها الاعتداءات العربية والضحية تريد السلام بالضرورة ولكنها تستمر بلعب دور الضحية كما يستمر الآخرون بتهديدها حتى في حالة السلام. ولذلك لا ترى الضحية التي تقمصت دورها حتى اختلط عليها الواقع مع تصويرها له, ورموزه مع دلالات غضاضة بأن تحتفظ بأرض الآخرين في حالة السلام وتعتبر المطالبة بمياههم امرا عاديا وتحتكر السلاح النووي في حالة السلام وتحذر من تسلح الآخرين. احتكار دور الضحية يستمر في حالة السلام وكذلك الخوف والتخويف من قوة الآخرين باعتبارهم معتدين حتى في حالة السلام. اليمين الاسرائيلي يتعامل مع السلام بمفاهيم الحرب وهو عندما يدعي انه لا داع يدعو اسرائيل للانسحاب من الجولان لغياب اي تهديد عسكري حقيقي من جهة سوريا, انما يؤكد انه لا يفهم إلا لغة القوة, اذا لم يستخدمها العرب فلا داع لاعادة الارض اليهم, وعمليا لا داع لصنع السلام واذا استخدمها العرب فهذا يعني انهم لا يريدون السلام, وان الطريق الوحيد هو الردع بما في ذلك من حاجة لحدود آمنة تشمل الاراضي العربية المحتلة. يختلط الامر علينا احيانا: هل نناقش مواقف ام نتعامل مع حالة نفسية؟
