مصر ظلت دوماً تبحث عن السلام, وتستمزج فى مساعيها رأى التجمع الذى حلت أغلب قياداته فى ضيافتها, كما تسعى بخاصة الى التعرف على رأي الحركة الشعبية.من أجل ذلك سعت مصر لأن تلعب دورها المقدر لها فى الايجاد وأفلحت فى هذا, من بعد أن لعبت دوراً هاماً قبل الايجاد مع الولايات المتحدة عبر مشروع هيرمان كوهين (مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية), والذى تفاوض بشأنه كوهين مع الحكومة والحركة.ومع أن لمصر تحفظ فى اطروحة حق تقرير المصير لأنها قد تقود فى رأيها إلى الانفصال, وهو رأي لا تشاركها فيها الحركة ولا التجمع, الا أنها ـ فيما نقدر ـ لا تريد فرض رأي على أهل السودان لا يشاركونها فيه.لهذا نقول انه مع تحفظ مصر حول حق تقرير المصير الا أن المبادرة المصرية لا ترفض تقرير المصير, والا فلم قبلت مصر بالمشاركة فى مفاوضات الايجاد بأعلان مبادئها المعروفة.نقول هذا حتى لا يفتعل البعض عراكاً فى غير معترك. مبادرة ليبيا على الجانب الآخر تفهم على مستويين: الأول التوجه الليبى الجديد للعب دور أكثر فاعلية فى حل مشاكل القارة الأفريقية بهدف توحيدها؛ ومن الطبيعى أن يحتل النزاع السودانى موقعاً متقدماً فى أجندة دولة تسعى لحل النزاع فى شرق أفريقيا (أثيوبيا واريتريا), وفى منطقة البحيرات الكبرى (الكونغو الديمقراطية, اوغندا, رواندا), المستوى الثانى هو اقتناع القيادة الليبية بفساد الترابى, الذى يطلق عليه العقيد لقب الزنديق كما ينعت أنصاره بالزنادقة.فالقذافى لن يغفر للترابي دوره فى محاولات تقويض نظامه التى قام بها المنتسبون لفكر الترابي. وفى هذا الاطار راهن الترابي على البشير, وما خاب رهانه.تلك حقيقة يجب أن يفطن اليها الذين جعلوا من أنفسهم أوصياء على المبادرة الليبية, فى ذات الوقت الذى يدعون فيه لوفاق مع شيخ الجبهة.وعلنا نضيف إلى ذلك تقدير الحركة والتجمع للقائد الليبى لموقفه الأمين والشجاع فى الإشادة برئيس التجمع وبقائد الحركة فى قلب الخرطوم. ما هى المبادرة الليبية؟ يقول اعلان طرابلس (1/8/1999) (عرضت الجماهيرية العظمى على التجمع الوطنى الديمقراطى المبادرة التالية) : 1ـ الوقف الفوري لكافة العمليات العسكرية من جميع الاطراف, ووضع آلية لمراقبة ذلك. 2ـ الوقف الفوري لكافة الحملات الاعلامية المتبادلة بين جميع الاطراف. 3ـ الشروع فى حوار مباشر بين الحكومة والمعارضة, عبر ملتقى عام للحوار الوطنى بهدف التوصل لحل سياسي للمشكل السودانى يستند لوحدة السودان ويؤمن الاعتراف بالتعدد العرقي والديني والثقافي للشعب السوداني. 4ـ تشكيل لجنة تحضيرية للملتقى بمشاركة ممثلين عن التجمع الوطنى الديمقراطي وممثلين عن الحكومة السودانية برعاية الأخ القائد تتولى الآتي: ـ تحديد مكان وتأريخ انعقاد الملتقى. ـ تحديد المدعوين للمشاركة فى أعمال الملتقى. ـ تحديد جدول أعمال الملتقى. ـ وضع الأسس التى يستند اليها الحوار. 5ـ تتولى الجماهيرية العظمى الاتصال بالدول التالية: مصر, اريتريا, اثيوبيا, أوغندا, كينيا, للتنسيق معها باعتبارها صاحبة مبادرات تتعلق بالشأن السودانى, ولبذل المزيد من المساعى الحميدة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة. وبعد الاطلاع على تلك المبادرة أعلن التجمع موقفه وضمن فى الاعلان.ويتلخص رأي التجمع فى التالي: ـ الترحيب بالمبادرة الليبية. ـ تقدير جهد القيادة الليبية للتوفيق بين مبادرتها ومبادرة مصر ومبادرة الايجاد. ـ الموافقة على ملتقى الحوار بين الطرفين, والموافقة على المشاركة فى اللجنة التحضيرية. ـ لخلق المناخ الملائم يرى التجمع أن على النظام اتخاذ اجراءات محددة تتعلق بتجميد المواد التى تقيد الحريات فى دستور النظام وفق الملاحظات التى أوردها المقرر الخاص لحقوق الانسان فى السودان فى تقريره المعتمد من جانب لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فى دورتها الخامسة والخمسين, رفع حالة الطوارىء فى غير مناطق العمليات الحربية, إلغاء الصلاحيات الاستثنائية فى قانون الأمن العام, رفع الحظر عن النشاط السياسى لكافة الأحزاب والتنظيمات السياسية, رفع الحظر عن النشاط النقابى, الغاء محاكم وشرطة النظام العام, كفالة حرية التنقل والتعبير, اطلاق سراح المعتقلين السياسيين واسقاط الأحكام عن المحكومين منهم, اعادة الممتلكات المصادرة. ـ يرى التجمع أن وقف اطلاق النار الشامل مرتبط بالوصول الى حل سياسي شامل. في كل هذه القرارات نرى ثبات التجمع على موقفه الذى أعلنه فى مارس ,1998 وأكده فى يونيو من نفس العام.فمع إيمانه بالحل السياسي وتقديره للمبادرات يرى التجمع أن شروط تهيئة المناخ تسبق الحوار والتحضير للحوار.كما لا يرى فى اللقاء المرتقب الا حواراً بين طرفين: الحكومة والمعارضة؛ (وهذا ما قالت به المبادرة الليبية) وليس مؤتمراً جامعاً.كما استجابت المبادرة الليبية إلى مطلب التجمع الذى أعلنه حول صراع المبادرات بتعهد ليبيا بالاتصال بالدول المعنية لتحقيق التنسيق أو التوحيد المطلوب حتى لا يكون هناك مجال للنظام للتسويف بين المبادرات.فوراء النظام تأريخ طويل فى هذا, إذ أقر من قبل مبادىء الايجاد ولكن سرعان ما سارت وفوده فى البلدان تبحث عن وسطاء جدد: الرئيس مانديلا فى جنوب أفريقيا, والرئيس بخيلى فى مالاوى, والرئيس تشيسانو فى موزمبيق وجمع من وزراء أوروبا. أدهشنا, اذن, أن يوزع الأمين العام للتجمع (مبارك المهدى) بياناً أسماه, (مذكرة للتجمع الوطنى الديمقراطي والحل السياسى ومستقبل العمل المشترك) .فى ذلك البيان ذكر أن فصائل التجمع وقعت اعلان طرابلس والذى كان من أهم بنوده, فى تقديره, هى ما ورد فى فصله الأول أى فى المقترح الليبي.كان الأجدر بأمين التجمع أن يقول بأن أهم بنود اعلان طرابلس هي وجهة النظر التى أبداها تجمعه على وجهة النظر تلك.انطلاقاً من ذلك التفسير المخل للاعلان ذهب الامين العام للقول بأن محاولات التجمع قد تعثرت منذ سبتمبر لتسمية ممثليه فى اللجنة المشتركة مع الحكومة للتمهيد للقاء, وكأن ما ذكره التجمع حول تهيئة المناخ أو حول التنسيق بين المبادرات لم يكن الا حشواً وفضولا.وعلى كل فما أسماه الأمين العام محاولات التجمع فى سبتمبر لم تكن محاولات تجمع وإنما هى جهود قام بها الصادق المهدي وحرص على أن يجرجر فيها بعض المبادرين للضغط على التجمع فلم يفلح.فى ذلك قطع قرنق قول كل خطيب عندما وفد الى القاهرة وطرابلس فى شهر سبتمبر ليقول للمبادرين وللسيد الصادق: (هنالك مواقف اتفقنا عليها في اسمرا وطرابلس حول الحوار منها التنسيق بين المبادرات ومنها تهيئة مناخ الحوار والى أن يتم ذلك فلا سبيل لحوار أو لآلية حوار) , قصة العربة والحصان من جديد؛ ومن بعد ماتت قصة اللجنة موتاً طبيعياً, أعلن هذا رئيس التجمع عقب لقاء له مع وزير خارجية مصر مضيفاً أن التجمع يتوقع من لجنة متابعة المبادرة المشتركة أن تأتيه بقول فصل من الخرطوم حول استجابة النظام لما طالب به التجمع.على أن المحك لا يفيد فى قضية تهيئة المناخ, أهي شرط سابق للحوار أم هي حرف زيادة.فلو تدبر الناس التأريخ لما أوقعوا انفسهم وأوقعوا معهم غيرهم فى بلبال.فالكل يذكر لماذا تعذرت مفاوضات السلام منذ كوكا دام, تلك عقدة لم تحل الا بعد أن أقدمت الأطراف المعنية بتنفيذ ما اتفق عليه حول تهيئة المناخ المناسب, وكان على رأس تلك الشروط يومذاك الغاء قوانين سبتمبر. لذلك نقول للذين تمحكوا في الأمر يومذاك ألا يعودوا بنا إلى متاهات الماضي, فهم أدرى بالعواقب. على اية حال رأى الصادق فى كل ذلك تلكؤا لا يتفق مع عجلته على انجاز المستتر وجوباً من اتفاقيات جنيف, عن تلك العجلة عبر الصادق في لقاء بمعهد الاهرام الاقليمي للصحافة بقوله: (الفرق بيني وبين فصائل التجمع الأخرى فرق في سرعة التحرك إزاء تطور الاحداث .. كالفرق بين الحصان والبغل) , فما الذي فعله ذلك الفرس المسرع في عدوه؟ وأخذ من جانب يلح فى الطلب على تكوين اللجنة التمهيدية من بعد أن ذُكِّر فى اسمرا بأن العربة لا توضع قبل الحصان, ومن بعد أن أكد التجمع ذلك الموقف فى طرابلس.وكأنا بالصادق أراد أن يختزل المبادرة الليبية, والتى أصبحت بعد لقاء القذافى مع الرئيس مبارك المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة, فى اجتماع اللجنة المشتركة بين النظام والمعارضة.أو كأن الكلمات التى تضمنتها قرارات التجمع لا تعني ما تقول.ثم ذهب ليصف رفض الحركة الامتثال للضغوط عليها لكيما توافق على تكوين تلك اللجنة قبل التنسيق بين المبادرتين وخلق المناخ المناسب للحوار؛ بأنه تنصل من الحركة من توقيعها فى طرابلس (حديث لجريدة الخرطوم 2/2/1999)؛ وكأنه غاب على فطنته ما قاد إليه تلكؤ آخر فى تنفيذ شروط مماثلة فى الثمانينيات.وعلى أي, ففى ميثاق طرابلس الذى يستنجد به الصادق عهد ليبي للتنسيق بين المبادرات, كما فيه نص على وسائل خلق المناخ المناسب, والتى حدد لها التجمع ـ بجانب ما طالب به من إجراءات ـ معياراً موضوعياً هو ما ورد في تقرير ليوناردو فرانكو المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان وهو التقرير الذي اجازته الجمعية العامة للامم المتحدة في 1999/11/5. لم يجىء ذلك العهد من فراغ, وانما هو امتداد لموقف التجمع الذى أعلنه فى مارس 1998 بألا تكون هناك مبادرات متقاطعة أو متوازية مع مبادرة الايجاد.ثم ذهب الصادق شوطاً بعيداً للحديث عن مؤتمر جامع لا عن ملتقى للحوار بين الحكومة والمعارضةومازال على ذلك الموقف. ومن الجلى ان مرجعية الثانى هو إعلان طرابلس الذي يقول عنه الصادق انه الاساس الوحيد للحوار, في حين ان مرجعية الأول هو اتفاق جنيف الذى لا نعرف خباياه وفي ذلك ايضا تناقض فاحش ولعل هذا التناقض هو الذي دفع بالتجمع على أن يقول فى كمبالا أن أي حوار مع النظام سيكون حواراً مع الحكومة, لا مع حزب أو جبهة أو مجموعة أحزاب. الوقيعة بين الدول: لم تكن تلك هى المفارقة الوحيدة فى المقامة الصادقية, فقد كانت له أيضاً فيها بدائع زمان.من بدائعه الانتقاص من مبادرة الايجاد, والسعي للوقيعة بين العرب والافارقة, ودق الطبول حول مؤامرة خارجية تتهدد السودان, وهو وحده العليم بتفصيلاتها وفى انتقاصه من الايجاد قال انها مبادرة تحصر القضية فى مشكلة الجنوب وبهذا لا توفر حلاً شاملاً للمشكل السودانى, كما أنها تقصى أحزاب الشمال.والزعم الأول خاطىء والثانى نصف حقيقة.الأول خاطىء لأن إعلان مبادىء الايجاد واضح لا يترك زيادة لمستزيد. يقول الاعلان بالنص: أولاً: يتطلب أي حل شامل للنزاع السودانى أن تقبل كافة أطراف النزاع وتلتزم بلا تحفظ ما يلى: 1- أن تاريخ النزاع السودانى وطبيعته يؤكدان أن الحل العسكري لن يأتي بسلام واستقرار دائمين للبلاد. 2- أن الحل السلمي السياسي العادل يجب أن يكون الهدف المشترك لأطراف النزاع. ثانياً: لا بد من تأكيد حق تقرير المصير لأهل جنوب السودان لتحديد وضعهم فى المستقبل عبر استفتاء. ثالثاً: على جميع الأطراف إعطاء الأولوية للمحافظة على وحدة السودان بشرط إدخال المبادىء الآتية فى صلب التركيبة السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. 1- ان السودان قطر متعدد الاعراق والديانات والثقافات ولابد من تأكيد الاعتراف بهذا التعدد والعمل على التوفيق بين مظاهرها المختلفة. 2- يجب ضمان المساواة السياسية والاجتماعية التامة بين المواطنين قانوناً. 3- يجب تأكيد حق الإدارة الذاتية على اساس الفيدرالية أو الحكم الذاتى أو غيرهما لمختلف القوميات السودانية. 4- يجب إقامة دولة علمانية وديمقراطية فى السودان, وضمان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية بالكامل لكل المواطنين السودانيين, كما يجب فصل الدين عن الدولة, ويجوز أن تكون مصادر القوانين المتعلقة بالأسرة, الدين والأعراف. 5- تشكل حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً جزءاً لا يتجزأ من هذه الترتيبات وتضمن فى دستور السودان. 6- يضمن مبدأ استقلال القضاء فى دستور السودان وقوانينه. رابعاً: فى حالة عدم التوصل إلى اتفاق على المبادىء الواردة أعلاه تكون للقوميات المعنية الخيار فى تقرير مصيرها بما فى ذلك الاستقلال عبر إجراء استفتاء. خامساً: يتم الاتفاق بين الأطراف المعنية على ترتيبات انتقالية بما فى ذلك طول هذه الفترة والمهام الواجب إنجازها خلالها. سادساً: تفاوض الأطراف على اتفاق لوقف إطلاق النار يسرى مفعوله كجزء من التسوية الشاملة. يناقض الواقع كثيراً من يقول بأن هذا الأعلان لا يوفر اطاراً أكثر شمولاً لحل المشكل السودانى من كل ما جاء به الوسطاء, بل من كل ما ابتدعه السودانيون أنفسهم فى محاولاتهم المتلاحقة لحل مشكل بلادهم.وقد أجاد الأستاذ طه إبراهيم فى مقال له (جريدة الخرطوم 6/11/1999) أعمل فيه معارفه القانونية وقدراته البيانية حين قال عن اعلان الايجاد بأنه (اتفاقية لا مثيل لها فى تأريخ الصراع السودانى) .فلا مجال أذن للانتقاص من المبادرين, أو اتهامهم بتجزئة المشكل السودانى.بيد أنك, كما يقولون, تستطيع أن تقود الحصان الى البحر ولكن ليس بمقدورك أن تجعله يشرب منه.فما هو السبب فى عجز الايجاد, مع كل هذا الوضوح والشمول, عن تحقيق الحل الشامل؟ مبعث الفشل هو رفض نظام الخرطوم للخيار الأول, لأنه يرفض مبدأ فصل الدين عن السياسة كما يرفض الديمقراطية.قال النظام عن الأولى (الفصل بين الدين والسياسة) أنها تهز ثوابته التى لن يتزحزح عنها؛ وقال عن الثانية (الديمقراطية التعددية) أنه ما جاء لمائدة المفاوضات لتفكيك نظامه وإنما لأنهاء الحرب فى الجنوب مع من يحمل السلاح.أهل الثوابت هؤلاء صار لهم رأى آخر على أيامنا هذه. يقول الترابى الذى (لا يتزحزح عن ثوابته الدينية) أن (الحرية كتبها الله سبحانه وتعالى للإنسان وتركها له إلى حد الكفر بالله أو بالغيب كله ليفعل ما يشاء) (الشرق الأوسط 22/12/1999). طيب وليه الدوشة دي كلها يا جماعة الخير, ان كان هذا هو رأيكم.ثم يقول إن الاتفاق على اعلان المبادىء تم سراً بين الوفد الحكومى ووفد قرنق (ولا علم له به) .أو هل سأل الشيخ نائبه الدكتور على الحاج, قبل السعى لمطاعنة البشير, عما كان يدور فى مجالس الايجاد, فعلى الحاج, الذى ما زال ثابتاً على موقفه مع الشيخ, كان هو دينمو الوفد الحكومى فى المفاوضات. مهما يكن من أمر, ظل النظام على موقفه ذلك حتى عندما انتهى المتفاوضون الى الخيار الثانى: تقرير المصير ودعت الحركة الشعبية لأن يُشارك التجمع الوطنى الديمقراطى فى حكومة الفترة الانتقالية.على تلك الدعوى أجاب المفاوض الحكومى بالرفض, مع أن الذين رفض إشراكهم فى حكم الفترة الانتقالية (قوى التجمع المعارض الأخرى) هم أنفسهم الذين يدعوهم اليوم للاصطلاح, ويستنكر تلكأهم المزعوم فى الاستجابة لدعواه.هذه تفصيلات يجدر بمن ينتقصون من مبادرة الايجاد ألا يغفلوها فى تقويمهم لمسار تلك المبادرة. أما نصف الحقيقة فتكمن فى أن الذين اقصيوا عن الايجاد ليسوا هم أحزاب الشمال وحدهم, فأكبر تجمع حزبى جنوبى (اليوساب) ليس طرفاً فى مفاوضات الايجاد, وللموضوع دواعيه.مبادرة الايجاد جاءت بطلب من البشير لحل مشكل الحرب بين الطرفين اللذين يحملان السلاح؛ الحكومة والحركة الشعبية أولاً, ثم الجماعات التى خرجت من بطن الحركة فيما بعد. بيد أن الأمر تطور كثيراً بعد إقرار إعلان المبادىءوبدء مفاوضات الايجاد, إذ شملت الحرب بقاعاً أخرى من السودان لم تعرف السلاح من قبل, كما حملت السلاح قوى سياسية ما كان لها بالسلاح عهد.من جانب آخر, انتهى مسار الحوار فى إطار الايجاد إلى أن يصبح النظام هو الجهة التى تتحدث وحدها بلسان كل أهل السودان الذين لا تضمهم الحركة الشعبية, وفى ذلك جور على الحقيقة وانحراف عن القصد.هذان سببان كافيان لأن يطالب التجمع بدور له فى تلك المفاوضات, فى ذات الوقت الذى يؤكد فيه تأييد إعلان مبادرتها (قرار التجمع يونيو 1998).والإعلان يمثل فى تقديرنا, تلخيصاً مكثفاً لقرارات اسمرا أن لم نشارك الأستاذ طه فى قوله بأن التجمع (عندما تفوق على نفسه وتجاوز قصور أعضائه لم يجد غير هذه المبادىء ليتبناها فى مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية) .رأى الصادق كان على خلاف, فرأيه أن الايجاد لا تعترف بنا, واعترافنا بها كان خطأ لن نمضى فيه, (الخرطوم 2/12/1999).هذا حديث له وقع الموسيقى فى آذان نظام الخرطوم الذى ظل يسعى دون نجاح للانفكاك من ربقة الايجاد. من البدائع أيضاً سعى الصادق لأفتعال معركة بين العرب والأفارقة ؛ فمبادرة الايجاد فى حسابه مبادرة أفريقية فى حين أن المبادرة المصرية ـ الليبية مبادرة عربية, وهو لا يرى ان للافارقة أو من يناصرهم حقاً فى الحيلولة دون اسهام الجيرة العرب فى حل المشكل السودانى, لأن السودان بهم أكثر قربى.ذلك افتعال لمعارك لا يفيد منها التجمع, ولا يصل منها خير لأفريقيا, ولا تنفع العرب؛ فدول الايجاد لم (تدخل على الخط) لأن قوة خارجية أوعزت لها بذلك, أو لأنها تطوعت بالوساطة.دخولها, كما قلنا, كان بدعوة من الرئيس البشير لما يجمع بين هذه الدول وبين السودان من وعاء إقليمى؛ ولأنها أيضاً تكتوي بنيران الحرب اكتواءً مباشراً؛ لهذا فهى لا تقل حرصاً عن السودان فى أنهاء الحرب.كما أن مصر وليبيا, مع عروبتهما, دولتان أفريقيتان, للأولى منهما دور محورى فى القارة الأفريقية, وللثانية طموح لأن تلعب دوراً أساسياً فى حل مشاكل القارة وتوحيد أقوامها, وفى هذا جاهرت بأنها اليوم تقدم أفريقيتها على عروبتها.فما الحاجة أذن لإضفاء صفات على المبادرات تكدر الأجواء, وتعكر المياه, ولا تدعم مسيرة السلام؛ خاصة وقد أعلنت ليبيا بأنها ستقوم من جانبها بالتنسيق بين مبادرتها ومبادرة الايجاد. من الآثار السلبية لذلك الافتعال دفع دول الايجاد دفعاً لتأكيد صفتها الأفريقية, دونما حاجة لذلك.ففى مؤتمر القمة الأخير لدول الايجاد (والذى تم على هامشه اتفاق البشير والصادق) قرر المؤتمر: ـ أن الايجاد هى الأطار الوحيد الذى قبله الطرفان ويوفر اعلان مبادئه كل مقومات الحل الشامل. ـ ترحيب دول الايجاد بأية مبادرات أخرى واستعدادها للتنسيق مع أصحاب هذه المبادرات. ـ إن الايجاد مبادرة أفريقية وهكذا ستبقى.صدر ذلك القرار بالاجماع ووافق عليه البشير. هستيريا التدويل آخر بدائع الصادق هى دق الطبول حول تدويل المشكل السودانى والتدخل الخارجى.قد نفهم ضرب البشير لهذه الطبول, إذ بينه وبين أمريكا عداء مستحكم, ولسياسات نظامه دور فى ذلك العداء. كما نفهم تهويل البشير من أمر التدخل الامريكى ازاء الوضع الخانق الذى تفرضه ضغوط الداخل والخارج عليه؛ فهو يسعى بأى وسيلة توفرت له لتعبئة الناس من حوله.ولكن من بين كل قيادات التجمع, الصادق وحده هو الذى لا يملك حقاً أدبياً فى التهويل من أمر التدويل, أو استثارة شعب السودان بالحديث عن مخاطر تدخل أجنبى. نبدأ بالتدويل قبل أن نأتى على الأهوال التى يتحدث عنها الصادق على وهم فى بعض الحالات, وبتخرصات لا تقوم على ساق فى حالات أخرى.نعجب أولاً كيف ينكر تدويل المشكل السودانى زعيم يطلق, كغيره, صيحات الحرب من اسمرا لا أم درمان, ويغدو ويروح يبشر بقضيته من مقر إقامته فى القاهرة, ومقر إقامة فى لندن, ومقر إقامة فى أديس أبابا, وجميع هذه المدائن لا تقع فى ربوع السودان. كل هذه أمور شكلية لا نتوقف عنها ان الصادق تجاوز الشكل فى أبان حكمه ومعارضته.فان كان التدويل أمراً أداً فهو أول من أفترعه فى السودان.الصادق هو أول حاكم سودانى وقع اتفاقاً مع منظمة خارجية (الأمم المتحدة) لتتولى الإشراف على توفير الغذاء لثلث أهل السودان (برنامج شريان الحياة)؛ وعلى تنفيذ ذلك البرنامج تشرف الحكومة والحركة الشعبية ومنظمة الأمم المتحدة.فى قبول البرنامج اعتراف ضمنى بالتخلى عن السيادة على أقليم من أقاليم السودان, كما فيه تخل من الدولة عن أهم واجباتها؛ توفير الغذاء والدواء لشعبها, لاسيما وبرنامج شريان الحياة ليس برنامجا أسعافياً موقوتاً وإنما هو برنامج هيكلى مستمر.لا ننعى على الصادق قبوله لهذا (التدويل) بل نقدر موقفه لأنه موقف رجل أدرك بأن مفاهيم السيادة التقليدية التى ورثها العالم فى القرن السابع عشر لم يعد لها مكان فى عالم اليوم. على ان القبول الطوعى للانتقاص من السيادة لا يقف عند دور الأمم المتحدة, فذلك أمر قد يبرره أن جميع دول العالم, باندراجها فى الأمم المتحدة وقبول قراراتها, تتنازل إلى حد ما عن سيادتها على أن هذا التنازل يتم فى بعض الأحيان مع الدول المانحة مثل اتفاق المجموعة الأوروبية مع دول اتفاق لومى (الاتفاق بين الاتحاد الأوروبى ودول أفريقيا والكاريبي والباسفيك الذى وقع للمرة الأولى فى لومى عاصمة توجو). ذلك الاتفاق تبيح المادة 366 منه للدول الأوروبية التدخل السياسى أن وقع اخلال بالديمقراطية أو بحقوق الإنسان فى الدول الموقعة على الاتفاق. لهذا فان ما نستنكر, هو ما يردده الصادق هذه الأيام عن مخاطر التدويل الكامنة فى تقديم عون غذائى مباشر لمعارضى النظام فى الجنوب والشرق من جانب الولايات المتحدة. ولاشك لدينا في ان الصادق عليم بأمر قرار الكونجرس الامريكي يوليو 1999 والذي فوض فيه الادارة لتقديم دعم مباشر للحركة الشعبية ولفصائل المعارضة الاخرى. الصادق أيضاً, فيما نعرف من تجارب أفريقيا, هو الحاكم الوحيد فى القارة الذى ذهب الى الأمم المتحدة يستنجد بها لرد سلطانه الذى نزع منه ظلماً.انتقل الصادق الى لقاء كوفى عنان فى نيويورك ليطالب الأمين العام للمنظمة أن تقوم المنظمة باستعادة حكمه مثلما فعلت مع ارستيد فى هايتى.وارستيد هذا لم يعد إلى دار الحكم فقط بقرار أصدره مجلس الأمن فى نيويورك, وأنما أيضاً بجهد جنود غلاظ هم قوات المارينز الامريكية كانوا يحملون سلاحاً أمريكياً, ويسندهم دعم لوجستى أمريكى, ويتقدمهم وسيط أمريكى هو جيمى كارتر.ولم يقف الصادق عند المنظمة الدولية بل كتب لمنظمة الوحدة الافريقية يشيد بقرارها الرافض لانقلاب سيراليون قبل بضع سنوات والمؤيد لتدخل قوات الايكواس لإرجاع تجانى كباح للحكم, ولم ينس أن يذكرها في كتابه بما جرى فى السودان علها تجيش قوات ايجادية (النظير الشرق أفريقى للايكواس) لكيما تعيد كباح السودان للحكم. فى هاتين الواقعتين دعا الصادق منظمة دولية, وناشد منظمة اقليمية لاستخدام القوة لإعادة سلطته السليبة إليه, دون أن يرى فى هذا تدويلاً للمشكل السودانى أو تعريضاً للوطن لمخاطر جسام.ولكن يوم أن انتهى الأمر بالصادق إلى صفوف الجانحين للسلم, بل وإلى مقدمتهم, أصبح موضوع التدويل هو وسيلته الأولى التى يتذرع بها لتبرير الخروج عما تواطأ عليه المعارضون حول مقومات الحل السلمى, بل أخذ يتحدث بأسلوب غريب عن مخاطر الحرب الأهلية فى السودان إن لم يصحبه الناس فى دعوته للسلم (الوطن العربى 24/12/1999), وكأن النيران التى يتلظى بها السودان منذ عام 1983 ليست حرباً أهلية.ذهب الصادق أيضاً إلى وصف رافضى دعوته بتجار الحرب, أسماهم (تجار الحرب الداخليين والخارجيين) .أمر الخارجيين لايهمنا, ولكن من هم الداخليون هؤلاء؟ نسأل في براءة إذ ما انفكينا نرى فى الذين حملوا ويحملون السلاح أصحاب حق وطلابه, ومن هؤلاء مناضلو جيش الأمة. هؤلاء ظنناهم ـ جنداً وامراء ـ امتداداً لميراث جهاد قديم لا عداة وتجار حرب. نعود على بدء لنضيف, أن من بين المهددات الخارجية التى ينبه لها الصادق ما أسماه الحل الأمريكى المرتقب للمشكل السودانى على غرار كوسوفو أو دايتون (الوطن العربى 24/12/1999), وعزم أمريكا على فرض وقف اطلاق النار فى الجنوب تمهيداً لفصله (حديث نسبه الصادق للايطاليين), ثم التآمر الأمريكى على مبادرة الايجاد.وعندما يتحدث مفكر كبير وزعيم مسئول فى مثل هذه القضايا يفترض المرء بأنه يبتنى أحكامه على الدلائل المثبتات لا الاستنتاج والاستنباط.وعندما يصحب المفكر والمسئول تلك الاستنتاجات بروايات خبرية تفتقد أدنى وفاء للحقيقة, يصبح واضحاً لكل ذى عيان أن هناك غاية أخرى للصادق يبيح الوصول اليها أية وسيلة.الصادق يتوجه بحملته التبشيرية ضد مخاطر التدويل الى جهتين: التجمع, زعامات وقاعدة حتى يهبوا هبة رجل واحد وراءه يناصرون مسعاه من أجل حل سودانى ـ سودانى حتى يفوتوا الفرص على المؤامرة القادمة.الجهة الثانية هى مصر, يقرأ لها تصريحات الأمريكيين حول الايجاد ثم يترجمها ويستنتج منها ما يُقَّوى من حجته حول ضرورة الوصول الى حل سلمى سودانى ـ سودانى. من الروايات التى تفتقد الوفاء للحقيقة قول الصادق بأن (الايطاليين أكدوا له وجود خطة أمريكية لأعلان وقف اطلاق النار الشامل, واجراء فصل للقوات, وتنفيذ إجراءات تقرير المصير لجنوب السودان خلال ستة شهور.من اسماهم الصادق بالايطاليين الذين التقى بهم هم رينو سيرى وزير الدولة للخارجية, وقد التقيناه بعد ربع ساعة بعد خروج الصادق من مكتبه فى روما بناء على موعد سابق.وما قاله الصادق صحيح حول اقتراح بفرض وقف اطلاق النار الشامل وتنفيذ اجراءات تقرير المصير, ما ليس بصحيح هو قوله أن الخطة خطة أمريكية.فالذى أنبأنا به سيرى هو أن المجموعة الأوروبية, خاصة الدول المعنية مباشرة بالشأن السودانى من بين اصدقاء الايجاد (ايطاليا, النرويج, المانيا), تنتوى تقديم اقتراح كهذا, إلا أن الحركة والولايات المتحدة يعترضان على هذا الأمر لأنهما يريان أن وقف اطلاق النار الشامل لا يجيء الا عقب الحل السياسى, ولهذا وضع ذلك الموضوع فى آخر القائمة فى بنود إعلان الايجاد.وبسبب من هذا عجز الأوروبيون عن تقديم اقتراحهم عندما تم اجتماع الايجاد عقب لقاء روما. فما الذى يحمل الصادق على أن ينسب للايطاليين ـ هكذا مبنية على المجهول ـ ما لم يقولوه, فى حين نبين الآن ما قالوه بدون تعميم بل نحدد اسم القائل.ظننا هو أن الصادق كان فى حوجة لأن يدعم دعواه التى دق لها الطبول.المؤامرة الأمريكية.لهذا نقل للصحافة أقصوصة مبتورة اجتثها بسكين جراح كي يدعم بها دعواه لأنه يفترض, أولاً أن الناس سيصدقون ما يقول, وثانياً لأنهم لا يملكون وسيلة للاستيثاق من صحة ما نسبه إلى مسئولين كبار فى دولة أجنبية.ولعلم القارىء, فالشهور الستة التى تحدث عنها الأوروبيون اقتضتها اعتبارات أوروبية لا علاقة لها مباشرة بالايجاد, إذ ستشهد القاهرة فى إبريل من هذا العام أول قمة أفريقية ـ أوروبية سيكون على رأس أجندتها حل النزاعات فى أفريقيا (وهذا أيضاً تدويل لكل مشاكل القارة نرجو ألا يذهب أحد بسببه الى منظمة الوحدة الأفريقية لأثنائها عن الخوض فيه مع الأوروبيين).ويرى الأوروبيون أن أكبر مشاكل القارة اليوم هى المشكل السودانى ولهذا فهم فى عجلة من أمرهم للبحث عن حل لها. القضية الثانية التى دق لها الصادق الطبول هى زيارة أولبرايت لنيروبى؛ وليت اولبرايت لم تزر نيروبى فى صيف عام 1999 وتلتقى فيها ـ مع من التقت ـ بالدكتور جورج قرنق؛ تلك هى الفترة التى بدأ فيها الصادق حملاته المكثفة من أجل التصالح واستوحى من لقاء قرنق باولبرايت مؤامرة بين الطرفين.على أن اهتمام الولايات المتحدة بالمشكل السودانى فى تجليه الأخير كان اهتماماً ملموساً منذ نهاية الثمانينيات فى الجانب الإنسانى منه, كما فى الجانب السياسى من حيث الأثر الذى قد تقود إليه تداعيات الموقف السودانى على دول الجوار فى شرق أفريقيا, أو مصر والسعودية (بسبب ممارسات الجبهة).وعلى مدى السنوات العشر الماضية تواصلت اللقاءات بين قيادات التجمع الوطنى ـ بمن فيهم حزب الأمة ـ والمسئولين الأمريكيين, المقيم منهم والعابر.ولهذا, يفترض أن يكون الصادق على علم كامل بما تريده أمريكا للسودان وما يريده التجمع منها.كما أن مواقف الولايات المتحدة من الوضع فى السودان ليست مواقف خفية بسبب طبيعة نظام الحكم فيها وما يتسم به من شفافية, فالقضية السودانية تناقش فى الكونجرس, وفى مراكز الدراسات التى تؤثر على صنع القرار مثل معهد بروكينجز ومعهد السلام, ويتداول أمرها الأعلاميون على صفحات الصحف.فى تلك الاجتماعات واللقاءات الامريكية ـ السودانية كان حزب الأمة أكثر الأحزاب حرصاً على المشاركة بما فى ذلك لقاء اولبرايت.فلقاء قرنق مع اولبرايت فى صيف العام الفائت لم يكن هو لقاؤه الأول بها فى المنطقة, إذ سبقه لقاء آخر فى كمبالا فى عام 1997.ذلك لقاء حرص الأمين العام للتجمع, مبارك المهدى على تصدره والمباهاة بدوره فيه.كان ذلك فى البيان الذى اصدره حول الاجتماع ولما تنقض ساعة من انفضاضه فى الوقت الذى اجتمع فيه المشاركون الآخرون لتقويم نتائج الاجتماع واطلاع بقية اعضاء هيئة القيادة على ما دار فيه قبل اصدار بيان عام للناس حوله.ذلك الأمر اثار ثائرة عبد العزيز خالد ودفعه الى التصريح لتلفزيون الشرق الأوسط وجريدة الحياة ينكر فيه نسبة البيان لوفد التجمع, (ضم وفد التجمع جون قرنق, عبد العزيز خالد, مبارك المهدى, فاروق أحمد أدم, وكاتب هذه السطور). ما الذى قالته السيدة فى لقائها الأخير بقرنق؟ قالت ان مبادرة الايجاد هى المبادرة الوحيدة التى تؤيدها حكومة الولايات المتحدة وتساندها.هذا التصريح الذى أراد الصادق أن يدق به اسفيناً بين امريكا ومصر علق عليه وزير خارجية مصر, عمرو موسى بقوله: (هذا الأمر لا يعنينا فمن حق أمريكا أن تؤيد ما تؤيد, أما مبادرتنا فقائمة) .كانت للصادق قراءة مختلفة لتصريح اولبرايت, قال فى مؤتمر صحفى ان أمريكا (ترفض المبادرة المصرية ـ الليبية لأن السودان أفريقى وليس عربياً ولذلك يجب أن يكون الشأن السودانى جزءاً من شئون الشرق الأوسط, ولأنها اسقطت حق تقرير المصير, ولأنها لا تريد أن يكون لليبيا دور فى الشأن السوداني) (الخرطوم 2/12/1999).وليتها كانت قراءة تحليلية, أضاف الصادق فى تصريحه ان الامريكان (قالوا) , أى أنه نقل للصحيفة ما سمع منهم وفيما نعرف, الامريكان الذين التقى بهم الصادق هم المبعوثون الدبلوماسيون فى اسمرا والقاهرة, والمبعوث الخاص هارى جونستون, هؤلاء التقى غيره من قيادات التجمع.لم نسمع من أى واحد منهم هذا القول العجاب, خاصة حول الشقين الأولين من الأسباب التى تجعل أمريكا تفضل مبادرة الايجاد.فلو أبدى الامريكيون تحفظاً نحو ليبيا فلن يكون هذا بمستبدع, فبين البلدين ما صنع الحداد.ولكن رغم أى تحفظ معلن أو خفى من أمريكا حول الدور الليبي فقد اتفق رأى التجمع على قبول مبادرة ليبيا وتثمين دورها بما لا يدع مجالاً للتخليط أو الاثارة. ليس هذا هو المؤسي, المؤسي حقاً أن يغفل الرجل الذى حكم السودان مرتين, ويتمنى من الله أن يحكمه مرات أخرى, ان العلاقات بين الدول لا تقررها تصريحات عابرة أو تؤثر عليها تخريجات المفكرين حتى وان كان الواحد منهم بحجم الصادق.فبين مصر والولايات المتحدة قضايا كثر منها السياسى (القضية الفلسطينية, أمن الخليج), ومنها الاقتصادى, ومنها العسكرى.ولعل الصادق لم يتدبر قليلاً أنه فى الوقت الذى كانت اولبرايت (تتآمر) فيه على مصر فى نيروبى مع جون قرنق, كان رفيقها وزير الدفاع وليام كوهين يجتمع مع قيادات مصر, هو ورصيفه الأنجليزى, بعد مناورات مشتركة للجيش المصرى والجيش الأمريكى والجيش البريطانى فى البحر الأبيض المتوسط؛ لا ندرى لـ (التآمر) على من, من وجهة نظر أصحاب نظريات المؤامرات. لم تمض بضعة أسابيع, على تصريح الصادق, حتى خرج وزير الخارجية المصرى بتصريح بثته وكالات الأنباء جاء فيه: (الاتصالات والمناقشات المصرية مع أمريكا ستتواصل.وأن السياسة الأمريكية لا تطالب ولا تعمل على تقسيم السودان, وأن مصر لديها تأكيدات بذلك من جانب الحكومة الأمريكية.بل وعلى العكس الولايات المتحدة تتحدث عن وحدة الأراضى السودانية وسلامتها وفى نفس الوقت تتحدث عن سودان جديد, وهو ما يتحدث عنه الجميع.(الخرطوم 28/12/1999).لربما كان فى الاصرار على سودان جديد ما لا يرضى من يريد العودة بنا الى ماض منكر.ذلك الرأي اوردته جريدة الاهرام (27/12/1999) وهى تنقل عن وزير الخارجية ان هناك نقاشاً ايجابياً بين مصر والولايات المتحدة, وان امريكا اكدت بأن سياساتها فى السودان لا تهدف الى تقسيم السودان بل الى وحدته وسلامة أراضيه) .نأمل أن يكون الصادق أعاد النظر فى أجندته المقبلة والتى توعد فيها أمريكا بزيارة لاقناعها للعدول عن موقفها (وان تعنتت فسنتجاوزها) , ذلك كان هو نص حديثه لسيد أحمد خليفة فى جيبوتى (الشرق الأوسط 28/11/1999).رغم ذلك نحن على ثقة بأن الصادق سيعود بعد تلك الزيارة ـ إن تمت ـ ليقول انه أفلح فى اقناع أمريكا بالعدول عن موقفها, أو بالأحرى عن الموقف الذى افترضته. على ذلك الموقف ظل الصادق ثابتاً حتى بعد أن أجلى وزير خارجية مصر حقيقة الموقف.قال فى حديث نسبته إليه جريدة الأهرام (3/1/2000) إن (التدخل سيفرض واقعاً لا يرضاه السودانيون.وقد يكون على غرار تيمور الشرقية؛ وسيخلق من المشاكل أكثر مما يحل) .ليته استدل بتجربة غير التجربة التيمورية.فتيمور لم تكن أصلاً جزءاً من أندونيسيا, بل كانت مستعمرة برتغالية, ويوم خرج الاستعمار البرتغالى منها احتلتها قوات سوكارنو.على ذلك الوضع ظلت وكان للأمم المتحدة قرارات بشأنها تدين التدخل الأندونيسى, خاصة وأغلب أهلها على غير دين أهل أندونيسيا.تيمور السودان كانت ستكون ان قبل كوفي عنان ما دعا له الصادق, أى التدخل الأممى لرد الشرعية. يومذاك لم يفطن الصادق إلى أن مثل هذه الحلول (تخلق من المشاكل أكثر مما تحل) .وليت اهتمام أمريكا بالسودان كان بالدرجة التى يتوقعها الصادق حتى يصبح الملف السوداني هو أسخن الملفات فى أضابيرها. فى توقعه ذلك يشاركه الترابى الذى بلغ به الظن أن أمريكا تغفو وتفيق على هاجس اسمه السودان, سودان الجبهة. قال الترابى فى لقاء له مع أحد أعضاء الكونجرس فى واشنطن وهو يبرىء نفسه مما ألصق به من تهم: (أنت ترانى امامك وترى ما أحمل من أفكار, رغم هذا فإن تسعين بالمئة من أهل أمريكا يظنوننى إرهابياً) . رد عضو الكونجرس بقوله: (دكتور, تسعون بالمئة من أهل أمريكا لا يعرفون أين يقع السودان) .