اصدر مركز الامارات مؤخرا مجموعة جديدة من الدراسات حوت واحدة بعنوان (خصائص ترسانة اسرائيل النووية وبناء الشرق الاوسط الجديد) دراسة في الوظيفة الاقليمية والدولية لاسرائيل خلال الاعوام المقبلة للباحث عصام فاهم العامري, وتقع هذه الدراسة في 144 صفحة من القطع الصغير. وتهدف هذه الدراسة الى دراسة دور العامل النووي في صياغة مستقبل منطقة الشرق الاوسط في ظل سياسة دولية واقليمية استنبطت كإفراز لنهاية الحرب الباردة من جانب, واندلاع حرب الخليج الثانية وما ارتبط بها من تمزق عربي واسع النطاق وما اسفرت عنه من نتائج من جانب اخر, وهذه السياسة التي عبر عنها مفهوم (الشرق الاوسط الجديد) وما انطوى عليه من مواجهة مصطنعة لتصفية معضلات الصراع العربي الاسرائيلي. وتركز الدراسة على الآثار الاستراتيجية للعامل النووي بشأن مسار الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتحولاته منذ بدء مؤتمر مدريد وانطلاق العملية السلمية حتى السنوات القليلة المقبلة, وذلك من خلال دراسة تأثير احتكار اسرائيل للاسلحة النووية في صياغة الشرق الاوسط الجديد الذي يحقق لها وظيفتها الاقليمية التي تمكنها من تأدية وظيفتها الدولية لصالح الاستراتيجية الامريكية, وتستند الدراسة في تناولها هذا الى ثلاثة افتراضات. الافتراض الاول: ان احتكار اسرائيل للاسلحة النووية تتوقف تأثيراته على طبيعة تعاطي الادراك الاستراتيجي العربي معه من جانب, وعلى قدرة اسرائيل على التأثير في السلوك السياسي والعسكري العربي معه من جانب آخر من خلال توظيفها للاحتكار النووي في ادارة الصراع العربي ـ الاسرائيلي ليؤدي هذا الاحتكار ثلاث مهام متداخلة: نفسية وسياسية وعسكرية. وحول هذه القدرة تتوقف امكانية اسرائيل في تحقيق أهدافها الاقليمية في اطار ما يعرف بنظام الشرق الأوسط الجديد. الافتراض الثاني: ان نظام الشرق الأوسط الجديد هو نظام مستقبلي قيد التكوين, وهو تعبير عن سياسة اقليمية ودولية تعمل الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل على صياغة مفرداتها الرئيسية, وان هذه السياسة مع انها تسعى إلى تصفية معضلات الصراع العربي ـ الاسرائيلي من خلال فرض معطيات تسوية سياسية وإقامة تعاون اقتصادي اقليمي في المنطقة فإنها لا تلغي الصراع بقدر ما تسمح لاسرائيل بتحقيق وظيفتها الاقليمية, وتعتبر الترسانة النووية الاسرائيلية أحد العناصر الرئيسية لمفردات القوة الاقليمية التي تسعى لتسويق نظام الشرق الأوسط الجديد, وان الاحتكار النووي الاقليمي بدوره يكون أحد المداخل الرئيسية لتحقيق الوظيفة الاقليمية لاسرائيل وبالتالي وظيفتها الدولية. الافتراض الثالث: هو المتعلق بالوظيفتين الاقليمية والدولية لاسرائيل خلال الأعوام المقبلة, ويرتبط تحقيق هاتين الوظيفتين من جهة بمدى الحاجة الأمريكية لهاتين الوظيفتين في ضوء المستجدات لأولويات الأجندة الاستراتيجية الأمريكية الكلية التي فرضها عالم مابعد الحرب الباردة, ومن جهة ثانية بمدى قدرة العالم النووي على أداء مهامه في تدعيم الوظيفتين الاقليمية والدولية لاسرائيل بما يمكنها من جعل أهدافها الاستراتيجية تتداخل مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة. وفي اطار هذا المسعى, وعلى ضوء الافتراضات الثلاثة آنفة الذكر, فإن هذه الدراسة تحاول الاجابة على سؤال رئيسي يدور حول دور السلاح النووي في كل ماله صلة بقيام نظام الشرق الأوسط الجديد وما يرتبط بذلك من وظيفة اقليمية ودولية لاسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. كما تحاول هذه الدراسة الاجابة على مجموعة من الأسئلة البحثية المحددة التي يتعلق كل منها بعنصر أساسي من عناصر الاجابة على السؤال الرئيسي, ما هو مفهوم نظام الشرق الأوسط الجديد؟ وما هي خصائص الادراك الاستراتيجي العربي لحقيقة السلاح النووي الاسرائيلي؟ وما هي خصائص ترسانة اسرائيل النووية؟ وما هو موقعها في الادراك الاستراتيجي الاسرائيلي الكلي؟ وما هو الثابت والمتغير في استراتيجية اسرائيل النووية؟ وما هي احتمالات استخدام اسرائيل لترسانتها النووية؟ وما هو دور السلاح النووي في الوظيفة الشرق أوسطية لاسرائيل؟ وهل يمكن ان يساهم السلاح النووي في تحقيق حلم اسرائيل الاستراتيجي المتمثل بإنشاء اسرائيل الكبرى؟ وهل تراجعت مكانة اسرائيل كحليف استراتيجي للولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة؟ وما يرتبط بهذا السؤال من أسئلة تتعلق بالمتغيرات التي فرضت على واشنطن اعادة النظر في أولويات سياستها على المستويات كافة, وبالتالي تخطيط تعاملها على أساس هذه الأولويات, وتبعا لذلك ما هي وظيفة اسرائيل في اطار مستجدات السياسة الأمريكية في مرحلة استعدادها للقرن المقبل؟ خاصة في ظل امتلاك اسرائيل لترسانة عسكرية ضخمة تضم في ثناياها أسلحة تقليدية وغير تقليدية متطورة وأسلحة دمار شامل متنوعة, وتحتكر ترسانة نووية على قدر كبير من الضخامة والتطور في منطقة اقليمية مازالت تمثل قلب الاستراتيجية العالمية. وقد تضمن التعرض للاجابة عن اسئلة البحث صعوبات كثيرة, واولى هذه الصعوبات تنبع من طبيعة الموضوع المستقبلية, فالدراسات المستقبلية لاتزال في بدايتها ولم تستطع ان تضع تقاليد واضحة, بل انها لاتزال تثير الكثير من علامات الاستفهام حول جديتها وصلابتها, فالتنبؤ بالمستقبل يفترض معلومات كاملة ودقيقة عن خصائص الوضع القائم, فكي السبيل الى ذلك, والشرق الاوسط في وضعه الحاضر يكاد ان يكون مجهولا, بحيث ان معلومات حقيقية عن الحاضر لا موضع لها, ثم ان هذه المنطقة قد عودتنا على المفاجآت التي لا تقبل التوقع المسبق, وثانية هذه الصعوبات تنبع ايضا من خصوصية الموضوع ذاته, فمصطلح (الشرق الاوسط) نفسه مازال غير مقنن لا سياسيا ولا جغرافيا, فهو ينبع اساسا من علاقة المنطقة مع الاخر, وهذا الاخر تعددت اطرافه وتنوعت مصالحه, وبالتالي فان مفهومه الاصطلاحي اضحى متباينا تبعا لذلك, اضف الى ذلك ان مفهوم (الشرق الاوسط الجديد) هو تعبير عن سياسة اقليمية ودولية, وهذه السياسة نبعت من متغيرات ما بعد الحرب الباردة وما بعد حرب الخليج الثانية. غير ان هذه المتغيرات ذاتها لم تستقر بعد, بل ان مجريات الوقائع على المستويين الاقليمي والدولي تشير بشكل أو بآخر الى ان بعض هذه المتغيرات طارئة وعابرة وبعضها الاخر متأرجحة بين الجانبين. وبناء على ذلك فان هذا المفهوم بات ينطوي على مواجهة مصطنعة لمعضلات الصراع العربي ـ الاسرائيلي. والصعوبة الاخرى لموضوع الدراسة تتأتى من خلال ابراز عامل محدد وهو (الترسانة النووية الاسرائيلية) ودورها في بناء صياغة جديدة لمنطقة جغرافية معينة تمثل كتلة ثقافية وحضارية لها وزنها في النطاق الحضاري بأسره قديما وحاضرا ومستقبلا. فهل يمكن لعامل واحد ان يتحكم في بلورة مستقبل منطقة بأسرها؟ بالتأكيد ان عاملا واحدا مهما تعاظمت أهميته يظل غير قادر على صياغة مستقبل منطقة لاتزال تشكل واحدة من مفاتيح السيادة الدولية بحكم الموقع الاستراتيجي وبحكم الوظيفة الاقتصادية للنفط, حيث تضم هذه المناطق الجزء الاكبر من الاحتياطي العالمي له. والحقيقة ان المعلومات عن (الترسانة النووية الاسرائيلية) يلفها الكتمان العالي والغموض الذي يصل الى درجة التضليل, الامر الذي ترسبت معه مجموعة من المفاهيم التي قادت الى تشويه حقيقة الاخطار السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمثلها احتكار اسرائيل للسلاح النووي على المستويين الاقليمي والدولي. ابوظبي ـ عبدالرزاق المعاني