جاء من المجهول ارتقى سلم السلطة بسرعة الصوت!لعبت الكثير من الظروف لصالحة, امسك بكثير من خطوط اللعبة, وليس كلها بالطبع بين يديه, فهل تلتف تلك الخيوط حول عنقه, تكبله وتخنقه, فيتخلى عنه الحظ, وينزلق بسرعة الضوء الى المجهول الذي اتى منه ؟ فلاديمير بوتين.. صقر الحرب الشيشانية: مجرد ضابط سابق في صفوف الـ (كي. جي. بي) لم يتجاوز خلال خدمته رتبة المقدم ثم استقال من الجهاز مما يعني ان افاق مستقبله العملي ـ داخل الجهاز كانت محدودة ولانه ادرك ذلك سريعا, حزم امره, وبدأ في البحث عن موطئ قدم اكثر تقدما على خريطة الواقع الروسي المرتبك؟ الاوراق القديمة لم يعتمد بوتين بعد استقالته على (الجنرال حظ) فحسب وان كان قد خدمه كثيرا لكنه بحث كذلك في اوراقه القديمة عن علاقات يمكن ان تعزز خطواته التالية فتحالف مع استاذه السابق بالجامعة د. اناتولي سويتشاك وقاد حملته الانتخابية للفوز كمحافظ لسانت بطرسبورج لكن الاستاذ خسر الجولة وعاد بوتين الى نقطة الصفر مرة اخرى, حتى التقطه اناتولي آخر وهو اناتولي تشوبايس رجل الـ (كي. جي. بي) السابق الذي كان مديرا لديوان يلتسين الرئاسي في الكرملين. كانت هذه هي البداية الحقيقية لانطلاقة بوتين محلقا بلا اجنحة في سماء بلا حدود, فبعد فترة وجيزة من العمل في الديوان الرئاسي اصبح رئيسا لهيئة الامن بدرجة وزير ثم سكرتيرا لمجلس الامن القومي, وفي اغسطس 99 كلفه يلتسين برئاسة الحكومة وبعد اقل من خمسة اشهر سلمه يلتسين (العهدة) بالكامل كرئيس للدولة بالوكالة. بعد تلك القفزات الصاعقة لصعود بوتين فإن القراءة الاولية لتوقعات انتخابات الرئاسة المقبلة في روسيا ترجح كفة بوتين, لكن الامر ليس بالسهولة التي تبدو للوهلة الاولى إذ ان الواقع اكثر تعقيدا والى حد كبير فإنه اشبه بجبل الجليد في المحيط, الجزء المختفي تحت السطح اكبر من ذلك البادي فوقه. قوة المفاجأة على السطح هناك قوة المفاجأة التي وضعت بوتين في سدة الرئاسة بالوكالة مع دعم يلتسين المعنوي له, اذ اكد ان عملية نقل السلطة تمت لوجود شخص قوي قادر على اداء المهمة وانه ينسحب ولتدخل روسيا الالفية الثالثة بساسة جدد وشخصيات ذكية فاعلة ونشطة, في محاولة مكشوفة لتعزيز مكانة بوتين في الماراثون الرئاسي, مع يفجيني بريماكوف رئيس الوزراء السابق, صاحب الشعبية الواسعة واكثر الجياد خطورة على بوتين في المضمار. هناك ايضا الدور الكبير الذي لعبه بوتين في الحرب الشيشانية ونال شعبية هائلة على مستوى الشارع الروسي وقد تعمد يلتسين اطلاق يد خليفته في الشيشان والسماح بتسليط الاضواء عليه, واستطاع بوتين ان يقنع رجل الشارع ان الحملة العسكرية في الشيشان ضرورة للحفاظ على وحدة ارض الوطن وامنه. ثم ان نتيجة الامتحانات البرلمانية التي اظهرت تراجع نفوذ الشيوعيين وفازت فيها احزاب يمين الوسط المدعومة ببوتين والداعمة له في ذات الوقت كانت من جهة تصويتا لصالح الحرب في الشيشان وتفويضا شعبيا للحكومة من جهة اخرى منحها شرعية سياسية كان بوتين في حاجة ماسة اليها خاصة وانه منذ خروجه من الظل, لم يشغل موقعا بالانتخاب من اي قاعدة وعلى اي مستوى ومن ثم فإن نتيجة الامتحانات البرلمانية كانت في جوهرها تفويضاً لحكومة بوتين وتدعيما لقوة الاصلاحيين. ما خفي كان اعظم اما تحت السطح فهناك الكثير مما يمكن رصده وان كان ما خفي في ثناياها اعظم, الامر الذي يمثل رصيدا سلبيا يمكن لخصوم بوتين أن يطرحوه أمام الرأي العام خلال معركة الاستحقاق الرئاسي التي لن تكون بأي حال مجرد نزهة لاي من المتنافسين. في الجزء المختفي من جبل الجليد يمكن ان يطفو في غمار التراشق بين المرشحين المتنافسين ملفات لم تفتح بعد, تفضح ماضي بوتين خلال فترة عمله في الـ (كي. جي. بي) تلك المرحلة التي تمثل الجزء الاكبر من حياته الذي اتسم بالغموص حتى لقب بـ(الكاردينال الرمادي) . هناك ـ ايضا ـ الكثير من التفاصيل والخبايا في قصة الصعود الدرامي لبوتين خلال نحو عامين من المجهول الى قمة الهرم السياسي, وكان يقف وراء هذا الصعود الملتبس بالعديد من علامات الاستفهام (العائلة) او النخبة الضيفة المتحلقة عند قمة الهرم حول الرئيس التي تمثل الحاكم الفعلي لروسيا, وهي على حد تعبير البعض عصابة مالية سياسية لايزيد عددها على اربعين شخصا تهيمن على كل القطاعات الحساسة في الاقتصاد والطاقة والاعلام وتقدر ثروات العائلة بمئات المليارات, ولن يستطيع بوتين ان يتحرر من قيود العائلة التي يمكن ان تميط اللثام في اي لحظة عن الملفات السرية لبوتين فيكون السقوط مروعا كما كان الصعود رائعا! وحتى فيما يتعلق بتطورات ومسارات الشيشان فإن التنبوء بتطورات المستقبل عملية محفوفة بالمخاطرة حتى بعد تعليق القيادة الروسية للحرب ضد الشيشان خاصة وان شبح نتائج الحملة الاولى لم يبتعد كثيرا عن الاذهان, ومن الوارد ان تنتهي الحرب على غير ما هو مأمول تماما, واذا كان بوتين يلوح بالمخاطر التي تتهدد وحدة الوطن ليبرر الغوص حتى النهاية في المستنقع الشيشاني, فإن الوفاق الوطني ضروري.. وبنفس القدر لدولة بحجم روسيا, فهل يستطيع تحقيق ذلك الوفاق رجل لوثت يداه بالدماء حتى مرفقيه؟ وهل يأمن مكر الغرب وضغوطه التي يمكن تصعيدها في لحظة حرجة خلال الحملة الانتخابية؟ العائلة والصفقة ثم هناك تلك الصفقة التي عقدها بوتين مع يلتسين بمنحه تعهدا بعدم محاسبته ماليا وقضائيا وسياسيا مدى الحياة, ومنع المحققين من استجوابه او تفتيش مقاره بل الاخطر ما اثير حول ان استقالة يلتسين لم تكن طواعية وان العائلة مارست عليه ومع بعض مراكز القوى من المتنفذين ضغوطا مكثفة في هذا الاتجاه وربما كان كشف بعض الاوراق التي احاطت بالمسألتين يحمل عناصر اثارة فضائحية اكثر مما يتصور الرأي العام وقد يكون تسريب ذلك من حملات المنافسين ذا اثر انقلابي على التوقعات المرجحة لبوتين وبما يتجاوز رؤية المراقبين بكثير. وقد يطرح منافسو بوتين الامر امام الرأي العام على النحو التالي: ما هو الثمن الذي يتعين على بوتين ان يقدمه للعائلة بعد فوزه برئاسة روسيا؟ وهل يكون صقر حرب الشيشان في المحصلة النهائية صقرا لحماية الوطن واعادة بناء روسيا ام صقر صيد مأجور يسهر على حراسة افراد العائلة وثرواتها,ويضمن عدم الاقتراب من مناطق نفوذها وتهديد مطامعها على حساب السواد الاعظم من الشعب الروسي؟! ان صياغة الامر على هذا النحو يمكن ان يقلب كافة الحسابات رأسا على عقب ويكرس الصعوبات والمفاجآت غير السارة ويحول الفشل المحتمل لاي مرشح الى فشل مؤكد ينتظر بوتين في ختام رحلته القصيرة السريعة! ربما كانت قراءة من هذا النوع غير المفرط في التفاؤل أو التشاؤم للخريطة التي يتحرك بوتين على خطوط طولها ودوائر عرضها دافعا له باتجاه التسريع بالانتخابات ليوجه لخصومه ضربة استباقية قبل ان يفيقوا من وقع المفاجأة ـ الصدمة التي وقعت باستقالة يلتسين قبل نهاية فترة رئاسته بسبعة اشهر, والدستور الروسي ينص على اجراء الانتخابات في حالة استقالة الرئيس خلال ثلاثة اشهر, اي يمكن لبوتين الداهية ان يقرر موعدا اقرب للانتخابات يقطع على المنافسين الطريق امام الكثير من مخططاتهم المحتملة لمواجهة خاصة بالتنقيب في الجزء المخفي من جبل الجليد, بمعنى آخر فإن بوتين قد لا يترك الفرصة او الورقة التي يتفوق بها على منافسيه دون ان يستثمرها ويدعم وضعه باختيار وقت المعركة كما يروقه ويخدم خطته للتثبيت في مقعد الرئاسة عبر صناديق الاقتراع. يؤكد ذلك الاحتمال, ما ذكر رئيس المحكمة الدستورية بعد لقائه ببوتين من ان القائم باعمال الرئيس قد يطلب من مجلس الشيوخ تحديد موعد الانتخابات في ظرف اقل بكثير من ثلاثة اشهر وبالطبع فإن ذلك لا يعني سوى حرمان منافسيه من الاعداد الجيد للمعركة واجهاض التحالفات الانتخابية قبل عقدها. قميص يلتسين في كل الاحوال, فإن منافسي بوتين وفي المقدمة بريماكوف وربما الجنرال ليبيد لن يتوانيا عن رفع قميص يلتسين الملطخ بالدماء والفساد في وجه صنيعته وربما كان اطلاق مقولة ان يلتسين استقال كي تبقى اليلتسينية بمثابة طوق يضيق على عنق بوتين, اذا احسن الخصوم استخدامه ولاشك انهم يملكون ذلك من ثم فإن اول الخطوات المتوقعة لبوتين للرد على ذلك, هي محاولة الخروج من قميص ولي النعم يلتسين ويكفيه ما منحه اياه من حصانة. ولا شك ان بوتين كان يعلم بخطة يلتسين مسبقا وقبل ان يسلمه العهدة بوقت مناسب وكان من الدهاء بمحاولته تأكيدا استقلالية فكره, عندما طرح على شبكة الانترنت رؤيته لطريق ثالث لروسيا رافضا الالتزام الاعمى بالليبرالية كما يرفض عودة الشيوعية وداعيا الى هوية جديدة لبلاده, املا في مستقبل واعد يعتمد على المؤامة بشكل طبيعي بين مبادىء اقتصاد السوق ونهج ديمقراطي يضع واقع روسيا في الاعتبار وفي ذات السياق اكد بوتين على ضرورة بناء قوة عظمى على اساس القوة الاقتصادية والتكنولوجية بدلا من القوة العسكرية والولاء للدولة فقط. الى حد بعيد كانت تلك رسالة مبكرة اطلقها بوتين وعينه على الداخل والخارج على حد سواء للرد مسبقا على الحملات التي يمكن ان تستخدم قميص يلتسين في تكتيفه وتقييد حركته خلال معركة الاستحقاق الرئاسي. برغم ذلك فإن الظروف والملابسات التي دفعت بوتين خلال نحو عامين الى مقعد سيد الكرملين تحكمها توازنات دقيقة تجعل من الرهان على تصدي بوتين ـ حال فوزه ـ لقيادة تحولات جذرية امر يواجه الكثير من العقبات وهو ذات الامر الذي يواجهه ايضا اذا كان خياره ان يكون حكمه امتدادا للحقبة اليلتسينية على نحو ما! لحظات تراجيدية من ثم فإن بوتين ربما يواجه ـ بعد فوزه المتوقع لحظات صعبة كتلك التي تعترض مسيرة ابطال التراجيديات الكلاسيكية في مواجهة تركة مثقلة, عندما تضعه الاقدار عبر صناديق الاقتراع على قمة الهرم السياسي لدولة بدون دولة او اقتصاد او قانون! لا يكفي ان يكون بوتين رجلا قويا او بتعبير يلتسين ـ عندما عمده ـ رجل يتمتع بقبضة حديدية لان ذلك الرجل لا يتحرك بمعزل عن الميراث الثقيل الذي صنعه سلفه والتوازنات التي كانت تتجمع خيوطها في يد يلتسين وحده في غيبة نظام سياسي حقيقي مكتمل الاركان بل ان بوتين يمكن ان يكون اسير تحالفاته هو اكثر من عناصر اخرى في الموقف! ولن يكون باستطاعة بوتين ـ او اي رئيس آخر تفرزه صناديق الاقتراع ـ ان يكتفي بادارة الازمة المتفاقمة الضاربة في الاعماق ولكن سوف يكون مطالبا بتقديم رؤية برنامج حكم يرتكز على الفئات الاجتماعية القادرة على السير بالبلاد نحو طريق يخرجها من متاهات نظام يلتسين الذي دفعت روسيا ثمنا باهظا له على كل الاصعدة. ان روسيا الغارقة في المشاكل بحاجة الى ربان يعيد توجه الدفة وبنّاء يمكنه اعادة بناء شاملة حتى تتوافق جهوده مع التطلعات المستقبلية التي ما فتىء ساستها يداعبون بها خيال الناخبين لكن دون اصداء واقعية فهل يستطيع بوتين او غيره على الساحة الروسية ـ الوثوب الى نقطة التحول المأمولة؟ لا احد يملك اجابة قاطعة وليس امام الروس والعالم إلا الانتظار لما تسفر عنه الانتخابات المقبلة من قيادة جديدة ذات رؤية محددة وان كان ينتظر هذا الرئيس ايا كان معركة شرسة مع (العائلة) التي تستحوذ على ثروات روسيا وتحاول حجب بارقة امل في مستقبل افضل!