في قفزة درامية مباغتة, قدم بوريس يلتسين استقالته من موقع رئاسة جمهورية روسيا الاتحادية, ذلك الموقع الذي شغله الرئيس المستقيل منذ يونيو عام 1991, فهل اراد يلتسين ان يدخل التاريخ باعتباره اول زعيم يتخلى عن السلطة طواعية في تاريخ روسيا الطويل ؟ ام انه اردا ان يمحو كل اخطائه وخطاياه من ذاكرة الشعب الروسي وانه ينفي سمته المؤكدة كرجل متعطش الى السلطة؟؟ من المؤكد ان بوريس يلتسين الذي ولد في عائلة مزارعين عام 1931 في بلدة صغيرة في الأورال يتمتع بشخصية استعراضية, ويهوى اطلاق الصفات على نفسه فقد كان يحلو له دائما ان يصف نفسه بالمتمرد, ولا يمكن انكار ان شعبية يلتسين المتصاعدة منذ منتصف الثمانينيات تعود في بعضها الى احتضان ميخائيل جورباتشوف له بادخاله عام 1985 الى المكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي كان يحكم الاتحاد السوفييتي السابق منفردا في محاولة للاعتماد عليه وعلى صفاته في تطبيق السياسة الجورباتشوفية التي اشتهرت بالبريسترويكا وبعد ان تمكن يلتسين من الحصول على مقعد في البرلمان الروسي عن منطقة الاورال, اصبح في يونيو 1990 رئيسا للبرلمان, وفي يوليو من نفس العام وفي قفزة استعراضية صاخبة انسحب من عضوية الحزب الشيوعي اثناء مؤتمره الثامن والعشرين لتصنع له تلك القفزة في ذلك الوقت شعبية عالية حملته الى مقعد رئاسة روسيا الاتحادية بالاقتراع المباشر في 12 يونيو 1991. فهل تأتي القفزة الاستعراضية الجديدة من موقع رئاسة روسيا في نهاية عام 1999 بهدف استعادة شعبية تناثرت على مذبح الأزمات الاقتصادية والسياسية وتدهور مكانة روسيا في العالم؟! ام تأتي هذه القفزة هربا من سفينة كاد قبطانها ان يغرقها في بحر الظلمات؟! حماية المكاسب الشخصية والعائلية لم تكن قفزة يلتسين الاستعراضية من موقع سكرتير عام الحزب الشيوعي في موسكو عام 1990 بعيدة عن التخطيط المحكم, بل كانت قراءة دقيقة لواقع الازمة السياسية حينذاك, وقراءة دقيقة لعلاقات قوى جديدة اقتصادية وسياسية وميول نفسية وسيكولوجية كانت اهم نتائجها تدهور شعبية الحزب الشيوعي كحزب وحيد للسلطة, وبين المبادرة الاستعراضية والتخطيط لاستثمارها في ذلك الموضع قفز يلتسين الى قمة السلطة في روسيا, وساهم بقوة واقتدار في هدم وتفكيك الاتحاد السوفييتي السابق, وهدم النظام العالمي السابق القائم على التوازن بين القطبين, واقامة النظام العالمي الجديد مختل التوازن القائم على القطبية الأحادية الراهنة. كذلك لا يمكن ان تكون قفزة يلتسين الجديدة بالاستقالة من موقع رئاسة روسيا عام 1999 مجرد قفزة استعراضية دون تخطيط. ذلك ان البحث في امكانيات تحقيق مكاسب شخصية وعائلية وحكومية من هذه الاستقالة وارد بشدة, مهما كانت الاستقالة قد تمت برغبة خاصة من يلتسين او كنتيجة لضغوط مورست عليه من الحاشية. فالاستقالة الجديدة لا يمكنها ان تحول دون انتهاء فترة الرئاسة الثانية ليلتسين, تلك الفترة التي كانت ستنتهي بانتخابات رئاسية جديدة في يونيو عام 2000, تلك التي لا يسمح الدستور ليلتسين بخوضها مهما كانت الظروف وكان يلتسين قد فشل في محاولاته لتمديد فترات الرئاسة وهو لو كان يستطيع لفعلها لأسباب عديدة ليست على رأسها عشقه للسلطة فقط, فهل يمكن تفسير الاستقالة المبكرة بخمسة شهور وفقا للمثل العربي الشهير (بيدي لا بيد عمرو) بما ينفي امكانية وجود تدبير وتخطيط لاستقالة مفاجئة ذات مكاسب؟! لقد جاءت استقالة يلتسين المبكرة كمحاولة مدبرة للتغطية على واقع مرير تكون عبر التاريخ في ظل سلطته وكذلك لاستثمار واقع سياسي مؤقت تكون عبر الانتخابات البرلمانية الأخيرة في روسيا. رجل روسيا المريض فقد كان يلتسين قد تحول الى (بطة عرجاء) منذ انتخابه رئيسا لروسيا لفترة ثانية عام 1996 الامر الذي جعل ميخائيل جورباتشوف يعلق على الاستقالة المفاجئة لعام 1999 معربا عن اسفه لعدم اعلان يلتسين استقالته من قبل, وقال انه كان من الافضل لو قدم يلتسين استقالته قبل عام ونصف او عامين أي قبل ان يعاد انتخابه لولاية ثانية في عام 1996. وكان يلتسين قد اشتهر في السنوات الاخيرة باعتباره (رجل روسيا المريض) وكانت سنوات حكمه التي بدأت عام 1991 قد شهدت تدهوراً شديدا في الاوضاع الاقتصادية والمستوى المعيشي للشعب الروسي وعلى عكس ما شهدته الثمانينيات من قدرة شرائية وندرة للبضائع تتكدس في عام 1999 السلع في المحلات, لكن الروسي يعجز عن شرائها فالاجور اصبحت ضئيلة جدا في القطاع العام وفي الكثير من المؤسسات الخاصة, فالاجور في روسيا منخفضة الى درجة ان مثيلاتها في الولايات المتحدة تعادل 40 ضعفا حيث يعادل الحد الادنى للمعيشة في روسيا 41 دولارا, تلك التي يرى خبراء الحكومة انها لا تكفي لشراء ارخص انواع الاغذية وابسط السلع الضرورية, في حين ان متوسط الاجور لا يتجاوز 55 دولارا في موسكو, وبين 40 و45 دولارا في غالبية الاقاليم ووفقا لوكالة الاحصاء الروسية فإن 58% من العاملين يتقاضون اجورا دون الحد الادنى كما تشير الصحافة الروسية الى ان القدرة الشرائية للمواطنين قد انخفضت ثلاث مرات منذ اوائل عقد التسعينيات وبخاصة بعد الازمة المالية الكبرى في عام 1998 ولم تفلح سياسات السوق الحرة وقفزات الخصخصة والاعتماد على آليات السوق والديون في تحسين الاوضاع, فقد تفشت مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والاداري, وتزايدت انشطة المافيا في عديد من القطاعات. ويتصل الواقع المرير من باب الفساد السياسي والمالي واستغلال النفوذ بالرئيس يلتسين وعائلته ولذلك تأتي الاستقالة المبكرة كقفزة مدربة للنجاة من امكانيات الملاحقة القضائية, ومن اجل ذلك وقع فلاديمير بوتين رئيس الحكومة الروسية القائم بمهمة رئيس الدولة على مرسوم يمنح بمقتضاه ضمانات للرئيس المستقيل يلتسين وعائلته, تحول دون تعرض يلتسين للتحقيق القضائي او الاداري, وتضمن حصانته, فبموجب مرسوم بوتين الرئاسي الجديد لا يمكن استدعاء الرئيس المستقيل للاستجواب او توقيفه ولا يمكن تفتيش املاكه او منازله او وسائل نقله او اخضاع وسائل اتصالاته او مراسلاته او اوراقه او امتعته لاي مراقبة. ووفقا لهذا المرسوم الرئاسي واستنادا لعناصر الواقع الروسي المرير يرى بعض المحللين السياسيين الروس ان قرار يلتسين التنازل لبوتين لم يتخذ من اجل مصلحة البلاد بل من اجل مصلحة العائلة, حيث تتمحور مصلحة العائلة حول السيطرة الاحتكارية على قطاعات من الاقتصاد الروسي تؤمن الثراء والسلطة, مثل النفط والكهرباء ووسائل الاعلام ويؤكد الخبراء ان دائرة نفوذ العائلة تنبع من هيمنة حوالي 40 شخصا على الاكثر على اهم الشركات, ويعتبر الثري اليهودي بوريس بيرنووفسكي والراعي السابق لعملية الخصخصة اناتولي تشوبايس والابنة البكر للرئيس يلتسين تاتيانا دياتشنكو اضافة الى رجل المال رومان ايراموفيتش من الشخصيات البارزة في العائلة, ويجسدون النظام الاقتصادي والسياسي الجديد في روسيا ويمسكون بزمام الامور, ولعبوا دوراً هاما في بروز نجم بوتين الذي يعتبره المقربون من الكرملين قادرا على تأمين الحماية لعائلة يلتسين خاصة بعد استقالته. قفزة لارباك المعارضة لكن القفز على الواقع المرير وتأمين الحماية لعائلة يلتسين لا يمكن ان تصنعه المراسيم الرئاسية الراهنة, بل يصنعه الاستمرار في حكم روسيا عن طريق سلطة موالية ليلتسين والعائلة, اي استمرار (نظام يلتسين بدون يلتسين) . من هنا كانت قفزة يلتسين الاستعراضية من فوق المنصة مدبرة لارباك المعارضة الروسية, خاصة معارضة اليسار ويسار الوسط بقيادة كل من زيجانوف وبريماكوف ولوجكوف, والعمل باتجاه اجراء انتخابات مبكرة في مارس 2000 بدلا من يونيو 2000 وقبل ذلك ان امكن. وبينما رحبت قيادات المعارضة باستقالة يلتسين محاولة التعبير عن فرحتها والاستفادة منها إلا ان شعور المعارضة برغبة بوتين في استثمار استقالة يلتسين واضحة وتهدف الى حرمان المنافسين المحتملين من فرص التهيؤ والاستعداد للمعركة الانتخابية باقامة التحالفات الضرورية لخوض انتخابات الرئاسة, وفي نفس الوقت استثمار لحظة خاصة روسية تتمثل في بلوغ بوتين لاوج شعبيته وان الفترة المقبلة قد تسجل انحسارا ملحوظا قد ينال من هذه الشعبية قبيل موعد الانتخابات الرئاسية في يونيو 1999. وتستند الدبلوماسية الحكومية والعائلية التي دبرت وخططت لاستقالة يلتسين الى ضرورة استثمار أمرين باجراء انتخابات مبكرة: 1 ـ نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية. 2 ـ تصاعد شعبية فلاديمير بوتين. وبينما تستند شعبية بوتين على النجاح النسبي الذي تحقق حتى الآن على حملته العسكرية على الشيشان وهو مؤقت لا يمكن ان يكون اساسا لشعبية دائمة فإن نتائج الانتخابات البرلمانية الاخيرة كانت قد سجلت بنسبة تقترب من 24% من اصوات الناخبين الامر الذي كان مؤشرا لامكانية ممارسة الضغوط الحكومية على المحافظين ورؤساء الاقاليم لامكانية ممارسة الضغوط الحكومية على المحافظين ورؤساء الاقاليم والمقاطعات لاحراز مكاسب برلمانية واقتسام الشارع الانتخابي مع الكتل والتحالفات الانتخابية الاخرى. وعلى الرغم من ان الانتخابات قد اسفرت عن اغلبية للتحالفات المعارضة وعلى رأسها التحالفات اليسارية والقومية, إلا ان الرهان على ارباكها والحيلولة دون تحالفها خلف مرشح واحد للرئاسة كفيل بتفتيت الاصوات بين اكثر من مرشح للمعارضة مقابل مرشح واحد لنظام يلتسين يؤدي الى فوز الاخير. * ولكن تبقى في الافق اسئلة معلقة مثل: هل تنجح قفزة يلتسين الاستعراضية في ارباك المعارضة ام تدفعها للتحالف والتنسيق الانتخابي وهل يتحالف زيجانوف وبريماكوف خلف مرشح واحد منهما او غيرهما للمعارضة من اجل مصير جديد لروسيا؟ ان سلوك المعارضة الروسية في الأيام المقبلة هو الذي سوف يحدد مصيرها ومصير روسيا ومصير يلتسين ونظامه. * كاتب مصري