استقالة الرئيس الروسي بوريس يلتسين المبكرة كانت مفاجأة للمراقبين ليس لانها غير منطقية, او معاكسة لسياق الاحداث, ولكن لانها من ذلك النوع من (المفاجآت) التي طال انتظارها, وتعددت المناسبات التي توجب وقوعها, فلما لم تقع ساد الاعتقاد باستبعاد حدوثها . فمعروف ان حالة يلتسين الصحية, منذ بدء ولايته الثانية عام 1996 لم تكن تسمح له بحكم دولة كبرى تواجه مشكلات شديدة التعقيد, مثلما هي الحال روسيا التي تمر بمنعطف تاريخي مصيري, لكن تشبث يلتسين بالسلطة كان مستميتا ومن ناحية اخرى فلم يكن بالامر السهل ايجاد بديل له قادر على تأمين مصالح الفئات الاجتماعية الجديدة التي افرزتها مرحلة الانتقال الى الرأسمالية واقتصاد السوق ومصالح الغرب في روسيا, ولم يكن مقبولا للغرب ولا لتلك الفئات الجديدة المخاطرة بأي حال من الاحوال, باحتمال ان تقع السلطة (في ايد غير أمينة) على تلك المصالح سواء كانت ايدي الشيوعيين او القوميين. وفضلا عن ذلك فقد كان من الضروري انتظار (او خلق) ظروف مناسبة لنقل السلطة دون حدوث اهتزازات تهدد استقرار النظام, او تمثل خطرا جديا عليه. الشيشان طريقا للشعبية ومن هذه الزاوية الاخيرة بالذات جاءت استقالة يلتسين المبكرة خطوة تكتيكية بارعة من حيث توقيعها المدروس بعناية بالغة, بما يحملنا على القول انه كان من الصعب اختيار توقيت افضل لنقل السلطة الى فلاديمير بوتين. فقد جاءت الاستقالة في لحظة تشهد تحسنا كبيرا لشعبية ادارة يلتسين وعدد من اهم اركانها, وفي مقدمتهم رئيس الوزراء فلاديمير بوتين, الذي اصبح رئيس الجمهورية بالوكالة مع احتفاظه برئاسة الحكومة, اذ تشير استطلاعات الرأي الى احتلاله المركز الاول كأكثر السياسيين الروس شعبية, متخطيا زعيم الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف, ورئيس الوزراء الاسبق يفجيني بريماكوف, وعمدة موسكو يوري لوجكوف, وغيرهم من السياسيين البارزين. وترجع هذه القفزة في شعبية بوتين الى (الانتصارات) الأولية التي حققتها القوات الروسية في حرب الشيشان الثانية, مما خلق نوعا من النشوة القومية لدى الجمهور الروسي المتعطش لاي (انتصار) في عصر من الهزائم التاريخية المتوالية. الخوف على الاستقرار ومعروف ان تجدد الحرب في الشيشان سبقته احداث اثارت مخاوف عميقة لدى الشعب الروسي تجاه وحدة بلاده واستقرارها, وخاصة عقب احداث داغستان من جانب بعض الجماعات المسلحة ثم وقوع عدد من التفجرات الارهابية في موسكو التي ادت الى مصرع مئات من المدنيين, والصقتها ادارة يلتسين بالشيشان دون دليل ملموس, ووسط حملة اعلامية ضارية حول ضرورة (القضاء على اوكار الارهاب) . وادى ذلك الى خلق نوع من (الاجماع الوطني) على ضرورة مواصلة الحرب حتى النهاية, وبغض النظر عن الجرائم الهمجية التي يتم ارتكابها ضد المدنيين الشيشان العزل, والمعاناة البشعة التي يتعرض لها. مئات الآلاف من اللاجئين. ويزيد من قوة (الاجماع الوطني) على ضرورة مواصلة الحرب ان خسائر القوات الروسية اقل مما كانت عليه اثناء الحرب الشيشانية الاولى, بعد ان استفادت تلك القوات من خبرات الحرب الاولى (1994 ـ 1996). هذه (الانتصارات) الأولية, التي سبقت قرار تعليق العمليات العسكرية في الشيشان, ادت الى نوع من رد الاعتبار لادارة يلتسين التي كانت شعبيتها قد وصلت الى الحضيض قبيل بدء الحرب. واصبح القادة العسكريون والسياسيون المتشددون تجاه القضية الشيشانية (نجوما) محبوبين لدى الجمهور الروسي, وخاصة بوتين الذي يشرف بنفسه على الحملة العسكرية, ولا تتوقف تصريحاته ضد الشيشان, مما جعله يكتسب لقب (صقر الشيشان) . نتائج الانتخابات البرلمانية وانعكست اوضاع الحرب الشيشانية ـ خلال الانتخابات ـ على اداء احزاب اليمين الوسط الموالية ليلتسين ونظامه في الانتخابات البرلمانية الاخيرة ـ التي اجريت يوم 19 ديسمبر الماضي ـ وحققت فيها تلك الاحزاب, وخاصة (حزب الحكومة) نتائج افضل بكثير مما كان يتوقع اغلب المراقبين. واسبغت هذه النتائج على ادارة يلتسين شرعية كانت تفتقدها حتى شهور قليلة مضت, حينما كان البرلمان بمجلسيه (مجلس الدوما ومجلس الاتحاد) مناهضا بقوة لتلك الادارة. فقد احتل حزب (الوحدة ـ حزب الحكومة ـ بزعامة وزير الطوارئ سيرجي شويجو) المركز الثاني في انتخابات (الدوما) بنسبة من الاصوات تقترب من الربع (حوالي 23%) متخلفا بقليل عن الحزب الشيوعي (24%). كما نجحت كتلة (اتحاد القوى اليمينية) بزعامة رئيس الوزراء الاسبق سيرجي كيريينكو وغيره من اقطاب اليمين (تشوبايس, ونيمتسوف, وجايدار) في تخطي حاجز الـ 5% الضروري للتمثيل في البرلمان, وذلك خلافا لأغلب التوقعات. وتخطت كتلة (يابلوكو) اليمينية ايضا بزعامة الاقتصادي المعروف جريجوري يافلينسكي حاجز الـ 5%, وكذلك (الحزب الديمقراطي الليبرالي) بزعامة السياسي المتطرف الشهير فلاديمير جيرينوفسكي. بينما احتلت كتلة (الوطن ـ كل روسيا) بزعامة يفجيني بريماكوف وعمدة موسكو يوري لوجكوف المركز الثالث في الانتخابات متخلفة عن الشيوعيين وحزب الحكومة (الوحدة) بالاختلاف عن التوقعات التي كانت ترشح كتلة بريماكوف لوجكوف لمنافسة الشيوعيين او التفوق عليهم. التوقيت النموذجي ولا يتسع المقام هنا للدخول في تفاصيل حول نظام الانتخابات ونتائجها, لكن ما نريد ان نخلص اليه هو ان الاداء المعقول لأحزاب اليمين في انتخابات الدوما, والوضع الناشئ عن الانتخابات أضفى على نظام يلتسين نوعا من الشرعية التي كان يفتقدها قبل هذه الانتخابات. وفي ظل هذه الظروف كان توقيت انسحاب يلتسين المبكر من السلطة, ونقلها الى بوتين توقيتا نموذجيا بالفعل. فشعبية النظام في افضل اوضاعها منذ سنوات.. وشرعيته اكتسبت دفعة جيدة بعد الانتخابات, الأزمة في الشيشان مستمرة و(الاجماع الوطني) حولها قائم.. وبوتين هو نجمها الاول وزعيم التشدد في المضي بها الى نهايتها.. وفي مثل هذه الظروف يأتي انسحاب يلتسين ليقدم الى خليفته افضل فرصة ممكنة لخوض انتخابات الرئاسة المبكرة من موقع اقوى بكثير من مواقع اهم منافسيه: جينادي زيوجانوف زعيم الحزب الشيوعي, ويفجيني بريماكوف زعيم كتلة (الوطن ـ كل روسيا) . فبمقتضى الدستور لابد من اجراء الانتخابات خلال 90 يوما من استقالة يلتسين ومن المقرر اجراؤها فعلا في اواخر مارس, اي في ظل الظروف السياسية المواتية لبوتين , والتي شرحناها بالتفصيل. ومن مزايا اجراء الانتخابات الرئاسية في هذا التوقيت انها تضع المعارضة في موقف صعب وتسبب لها ارتباكا حقيقيا. فالمعارضة لم تكد تلتقط انفاسها من معركة الانتخابات البرلمانية الصعبة, التي واجهت خلالها حملات ضارية من جانب اجهزة الاعلام الموالية للنظام. وبينما كان المعارضون يستعدون لمعركة الانتخابات الرئاسية خلال ستة اشهر, اذا بالوقت المتاح لهم لتنظيم صفوفهم يتم تقليصه الى النصف فقط. وهي فترة غير كافية بالتأكيد فضلا عن ان من المشكوك فيه ان تشهد تغييرا غير موات لمرشح النظام, اللهم الا في حالة حدوث انتكاسات كبيرة للقوات الروسية في الشيشان, وهو ما حدث فعلا في الأيام الاخيرة التي سبقت تعليق العمليات العسكرية, ولكن التغطية الاعلامية لم تبرز الحجم الحقيقي لهذه الخسائر حتى الآن. والامر الاسوأ بالنسبة للمعارضة هو استمرار الحرب في الشيشان و(الاجماع الوطني) حولها, يضعف كثيرا من فاعلية اهم ورقة انتخابية تستند اليها شعبية المعارضة اليسارية بصفة خاصة.. نعني ورقة الازمة الاقتصادية.. ثم الورقة التي تليها في الاهمية.. نعني قضية الفساد وتغلغل الجريمة المنظمة في المجتمع واجهزة الحكم. ولسنا بحاجة الى الحديث عن امكانيات جهاز الدولة التي تصبح في خدمة بوتين بدرجة اكبر بحكم موقعه كرئيس للجمهورية والحكومة معا في دولة لاتزال حديثة العهد بالتقاليد الديمقراطية.. وهو امر كان يمكن ان يختلف نسبيا اذا لم يكن بوتين قابضا على زمام السلطتين الرئاسية والحكومية, في حالة اجراء الانتخابات في موعدها الاصلي. اما دعم رجال المال, واجهزة الاعلام التابعة لهم, لخليفة يلتسين فهو امر يمكن الاطمئنان اليه في حالة اجراء الانتخابات في موعدها او مبكرة عنه. الرئيس واسرته فوق القانون توقيت استقالة يلتسين المبكرة جاء مناسبا ومدروسا بعناية ايضا من زاوية بالغة الاهمية بالنسبة له ولنظامه على السواء نعني حصوله على ضمانات رسمية له ولأسرته بالحصانة ضد امكانية الملاحقة القانونية بكافة اشكالها. وقد كان أول مرسوم أصدره هو منح بوتين يلتسين وافراد اسرته حصانة ضد المحاكمة. كما يمنع استدعاء الرئيس السابق للتحقيق او تفتيش مقرات اقامته او وسائل مواصلاته, او حتى مراقبة مراسلاته ووسائل الاتصال الخاصة به. ولم يكن ممكنا ان تمر مثل هذه الخطوة دون ردود افعال واسعة النطاق, لولا انها جاءت في الظروف السياسية التي اشرنا اليها, وهذه الظروف خلقت مناخا سياسيا عاما ميالا للتسامح ازاء (الذين هم منا) حسب التعبير الروسي الشهير, باعتبار ان اتخاذ اجراءات قاسية ضد احد اهم الرموز السياسية للبلاد في مثل هذا التوقيت يمكن ان يكون اساءة لصورة (الوطن) بشكل او بآخر!! خاصة وان الحرب في الشيشان تلتها ادانة واسعة في الغرب ـ وان تكن لفظية فحسب ـ الامر الذي يثير حساسية الروس القومية, ويخلق لديهم نوعا من الوحدة في مواجهة (الاخرين) لا تنسجم معه اجراءات ضد الرئيس السابق.. وجدير بالذكر ان مثل هذه الاعتبارات تتصل بجوانب اصيلة في تكوين الشخصية القومية الروسية التي تتسم بنوع من العاطفية, فضلا عن حساسيتها الوطنية تجاه الغرب, والتي تزايدت كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتدهور مكانة روسيا. ولاشك ان مبادرة يلتسين بالاستقالة المبكرة, والتماسه الصفح عن اخطائه في خطابه الوداعي, وشيخوخته, ومرضه, كلها عناصر (ابتزاز) مؤثرة للمشاعر الشعبية, خاصة في الظروف التي شرحناها. ومعروف ان صلة يلتسين وأفراد عائلته وحاشيته بالفساد والجريمة المنظمة, كانت من اكبر اسباب تدهور شعبيته, فضلاً عن دوره في هدم الاتحاد السوفييتي, واضعاف مكانة روسيا, وتدمير اقتصادها عبر عملية الخصخصة العشوائية والانتقال الجامح الى نوع من (الرأسمالية المتوحشة) .. الى آخر ما هو معروف, وما كان اساساً لأكثر من محاولة من جانب (الدوما) لمحاكمة الرئيس حظيت بأغلبية الاصوات, لكنها لم تحقق نسبة ثلثي عدد النواب التي يشترطها الدستور الروسي لسحب الثقة من الرئيس واحالته الى المحاكمة. وغني عن البيان ان محاكمة كهذه كان من شأنها ان تتحول الى محاكمة لنظام يلتسين كله, برموزه وسياساته وفساده, وهدمه لاقتصاد البلاد ومكانتها, وبديهي ان هناك قوى كثيرة ليس في مصلحتها حدوث مثل هذه المحاكمة سواء في روسيا أو في الغرب, لذلك كانت مسألة تقديم ضمانات ليلتسين ضد الملاحقة القانونية من القضايا المطروحة دائماً عند مناقشة امكانية تخليه عن السلطة مبكراً, او تقاعده في الموعد المقرر. وفي هذا الصدد ايضاً يبدو التوقيت نموذجياً, فلم يكن ممكناً ان يفلت يلتسين بجلده من المحاكمة (ومن ورائه النظام بأسره) لو قدم استقالة مبكرة في لحظة سياسية غير مواتية, او لو اجريت الانتخابات في موعدها المقرر وخسرها ممثل النظام لصالح الشيوعيين, او حتى لصالح سياسي مثل بريماكوف.. ففي الحالتين كان يلتسين سيواجه محاكمة عسيرة.. وكانت رؤوس كثيرة ستطير. خلاصة القول ان الوضع السياسي الناشىء بسبب الأزمة الشيشانية, وفي أعقاب الانتخابات البرلمانية, قدم فرصة ليس من السهل تكرارها (او استمرارها طويلاً) لنقل السلطة بصورة آمنة وسلسة الى بوتين, مع تعزيز كبير لامكانيات فوزه في الانتخابات الرئاسية المبكرة, وكذلك لحماية يلتسين (ومن ورائه النظام بأسره) من محاكمة عسيرة وانتهز يلتسين وفريقه الفرصة السانحة فكانت الاستقالة المبكرة. وقد تضاربت الشائعات والتكهنات حول كيفية التوصل الى قرار الاستقالة وهل كان بمبادرة من يلتسين ذاته (حسب رواية بوتين) او نتيجة (لانقلاب قصر) دبرته الحاشية ومن يمكن تسميتهم (بأصحاب المصالح الحقيقية) ؟ وفي ظل الظروف التي افضنا في شرحها تبدو لنا هذه المسألة في الدرجة الثانية من الأهمية ومع ذلك نميل الى ترجيح انه في ظل كل هذه الظروف, مضافاً اليها التدهور الشديد في حالة يلتسين الصحية, كان واضحاً لكل من الرئيس وحاشيته انه لا يجوز اهدار الفرصة السانحة لنقل السلطة بصورة مشرفة وآمنة له وللنظام, وليس مستبعداً ان يكون (الاصدقاء) الامريكيون قد شاركوا بالنصيحة في هذا الموقف ومن الصعب, بالطبع, تصديق روايات السياسيين عن مثل هذه الامور التي (تطبخ) في الكواليس.. وقد تتكفل الأيام باظهار الحقائق الا ان الامر الأكثر اهمية يظل ان هذا القرار هو من اكثر القرارات ـ التي اتخذت في عهد يلتسين صواباً, وانه جاء في آخر فرصة متاحة, بعد ان تأخر طويلاً. بوتين رئيساً ذكرنا من قبل انه اذا لم تحدث مفاجآت أخرى غير سارة على صعيد الأزمة الشيشانية, فإن فرصة بوتين في الفوز بانتخابات الرئاسة المقبلة في 26 مارس تظل أكبر بكثير من فرصة منافسيه, وخاصة على ضوء الدعم القوي المتوقع من جانب اللوبي الصهيوني ـ الامريكي المسيطر على الثروة والاعلام, وكذلك من جانب الغرب. ويمكن القول بدرجة كبيرة من الاطمئنان انه في حالة فوز بوتين فإن عهده لن يشهد, في مراحله المبكرة على الأقل, تغييراً ذا بال لسياسة روسيا الداخلية والخارجية على السواء ويشير المراقبون الى ان بوتين لم تكن لديه توجهات سياسية او اقتصادية مستقلة طوال مرحلة عمله بالقرب من دائرة صنع القرار, او في قلبها. ولكن هل يتغير الامر حينما يصبح في موقع المسئولية الأولى؟ لا يبدو ذلك مرجحاً في ظل ظروف روسيا المحددة فبوتين اولا وقبل كل شيء صنيعة اللوبي الصهيوني ـ الغربي وأقطابه من المليارديرات المستفيدين من الخصخصة وبعد ان كان ضابط مخابرات مغمورا برتبة مقدم, انتقل الى وظيفة تجسسية بسيطة كمسئول عن الطلاب الأجانب في جامعة لينينجراد وحينما بدأ طريقه الى الترقي عام 1990 من خلال عمله كمستشار لعمدة المدينة فإن ذلك كان في موقع يسيطر عليه (الاقتصاديون اللينينجراديون الشبان) بزعامة تشوبايس وجايدار القطبين المعروفين للوبي الصهيوني, وفي رعاية هذه المجموعة بدأ يرتقي فيصبح مسئولاً عن العلاقات الخارجية لمجلس المدينة, ثم نائباً فنائباً اول لعمدتها. الا ان رحلة صعود بوتين (47 عاماً) الحقيقية بدأت حينما تولى اناتولي تشوبايس رئاسة ديوان رئيس الجمهورية, فاستدعاه الى موسكو عام ,1996 ليعمل نائباً لمدير احدى اداراته, ثم نائباً لرئيس الديوان الرئاسي عام ,1997 فنائباً أول لرئيس الديوان عام ,1998 ليقفز خلال شهور قليلة الى منصب مدير المخابرات الروسية (1998) ثم يجمع خلال شهور اخرى بين هذا المنصب, وآخر لا يقل خطورة هو منصب سكرتير عام مجلس الامن القومي (مارس 1999) ثم ليصبح رئيساً للوزراء بدءاً من أغسطس ,1999 ومرشحاً مفضلاً من جانب يلتسين للخلافة, حتى اصبح قائماً بأعمال الرئيس فعلاً في 31 ديسمبر الماضي. ويتضح من ذلك ان بوتين مدين بصعوده الصاروخي في الاعوام القليلة الماضية, الى ولائه ليلتسين وأعضاء (مطبخه) المقربين من زعماء اللوبي الصهيوني ـ الامريكي, وليس لديه قاعدة سياسية او اجتماعية يستند اليها غير هذا اللوبي لذلك فإن من الصعوبة بمكان كبير ان يخرج على سياسة يلتسين, التي كان يصنعها بالدرجة الاولى هذا اللوبي نفسه وبالتالي فإن سياسة (الاصلاح الاقتصادي) وضمانات وامتيازات رؤوس الاموال المحلية والاجنبية مرشحة للاستمرار وكذلك الفساد وتغلغل الجريمة المنظمة في المجتمع واجهزة الدولة. اما على صعيد السياسة الخارجية فالمتوقع ايضاً ألا تتغير سياسة بوتين عن سياسة سلفه. وكان قد خرج عن عادته في تركيز اهتمامه على الشئون الداخلية قبيل استقالة يلتسين بقليل, حينما دعا البرلمان القديم الى التصديق على معاهدة (ستارت ـ 2) قبل انفضاضه. وعموماً فسوف يكون على بوتين ان يركز اهتمامه في الفترة الاولى من رئاسته على ترتيب الاوضاع الداخلية, وسوف يحتاج الى بعض الوقت لدراسة عديد من القضايا المعقدة المتصلة بالسياسة الخارجية لروسيا لكن احتياجه المستمر لدعم الغرب ودعم اللوبي الصهيوني ـ الامريكي الموالي له, فضلاً عن اوضاع روسيا المتدهورة واحتياجها للدعم الاقتصادي الغربي.. كلها امور تجعل من الصعب تصور خروج بوتين عن سياسة يلتسين الخارجية, طالما انه يستند الى القاعدة الاجتماعية نفسها في الداخل, وينتمي الى نفس الزمرة السياسية باتجاهاتها المعروفة. وقد يحتمل الامر بعض التغييرات التفصيلية فيما يتصل بفريق الحكم, وتغيير بعض الوزراء او بعض وجوه الحاشية, ممن انقضى دورهم, او حتى بعض المواقف الجزئية, دون المساس بالاطار العام للأوضاع الحالية, على الأقل حتى يتبين بوتين موضع أقدامه جيداً, ويستطيع (الجلوس بثقة) على مقعده الجديد, فيسعى بجدية اكبر لرسم صورة مستقلة لنفسه.. لكن الامر المؤكد ان رجل المخابرات الرمادي هذا محروم من (الكاريزما) , وانه لا ينتمي الى (قماشة) الزعماء.. والأرجح انه سيكون رئيساً رمادياً في عصر رمادي تمر به روسيا.