يبدو ان الاستقالة التي تقدم بها الرئيس الروسي بوريس يلتسين من منصبه في اخر يوم من ايام القرن الماضي مازالت تستأثر باهتمام الكثير من المراقبين السياسيين, ومازال هناك الكثير من الكتابات والتحليلات التي تبحث في اسباب اقدام الرئيس السابق على هذه الخطوة وفي هذا التوقيت بالذات, فمنهم من يرى ان هذه هي عادة الرئيس يلتسين في ادمانه لاثارة الجدل من حوله لذلك كان اختياره لهذا الاسلوب الدرامي للخروج من السلطة بان اعلن استقالته من خلال خطاب كان يوجهه الى شعبه بمناسبة حلول عام جديد, وهناك من يرى ان الامر اكبر من موضوع اثارة الجدل ولكن الرئيس يلتسين اراد من وراء هذه الخطوة المجيئ الى السلطة بالشخص المناسب الذي يحقق مصالحه ومصالح افراد اسرته وهو رئيس وزرائه بوتين ومعروف انه موالي له ويتبع سياساته, وقد ظهر ذلك من اول قرار له عندما اعفى يلتسين من المساءلة القانونية عن اية جرائم ارتكبها من خلال مرسوم اصدره بهذا الشأن. (الملف) التقى الدكتورة نورهان الشيخ مدرسة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والمتخصصة في الشئون الروسية, والخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم في محاولة لالقاء الضوء على دواعي الاستقالة السريعة والمفاجئة للرئيس الروسي بوريس يلتسين والصراعات الداخلية في روسيا في ضوء تولي بوتين الرئاسة, والحرب الشيشانية وهي ورقة بوتين الاساسية في العبور الى كرسي السلطة وقضيته الرئيسية امام المجتمع الروسي, والكيفية التي تنظر بها المعارضة الروسية الى زعامة بوتين مقارنة بسلفة يلتسين والانتخابات الرئاسية المقبلة وهل تشكل نقطة تحول في روسيا والتحولات الديمقراطية ومخاطر العودة الى الشيوعية مرة أخرى. أسباب عديدة في البداية تقول الدكتورة نورهان الشيخ مدرسة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والمتخصصة في الشئون الروسية: ان اقدام يلتسين على الاستقالة جاء لاسباب عديدة اولها ادراكه انه لن يستطيع خوض الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة لاسباب دستورية حيث ان الدستور الروسي ينص على انه لايجوز انتخاب الرئيس الروسي لاكثر من فترتين رئاسيتين ويلتسين قد تحقق له ذلك ولن يستطيع الترشيح مرة اخرى رغم محاولاته لاثبات ان المرة الاولى التي تولى فيها الرئاسة كانت طبقا للدستور القديم الا ان المحكمة الدستورية سدت عليه الطريق وقضت بعدم دستورية هذا الطرح, وثاني هذه الاسباب تدهو حالته الصحية وبشكل واضح وبحيث اصبح لايستطيع القيام بمهامه الرئاسية لدرجة انه كان لايستطيع القيام بزيارات خارجية, وأحيانا كان يعتذر عن استقبال المسئولين الاجانب,, والسبب الثالث يعود الى تراجع شعبيته بشكل واضح بعد تفاقم الازمة الاقتصادية ووجود حالة من عدم الاستقرار السياسي في البلاد والتغييرات الوزارية المتلاحقة حتى انه قام بتغيير الحكومة الروسية اربع مرات متتالية خلال مدة زمنية لاتتجاوز العام والثلاثة اشهر .. هذا كله جعله يدرك ان رحيله امر مفروغ منه ولذلك اقدم على الاستقالة من منصبه. وتضيف الدكتورة نورهان الشيخ: ان المفاجأة فيما يتعلق باستقالة الرئيس الروسي يلتسين جاءت من تبكيره بها وعدم انتظاره الى موعد الانتخابات الرئاسية في يونيو المقبل. ويعتقد انه كان له اسبابه الوجيهة ايضا التي كانت وراء هذا التبكير فهو من ناحية يدرك ان رحيله عن السلطة امر مفروغ منه ولذلك فقد رأى ان يمهد الطريق وان يأتي بشخص يتولى السلطة يكون مواليا له, وبعد العديد من التغييرات الوزارية وجد ضالته في رئيس الحكومة بوتين, ولذا فعل مافعل حتى يأتي ببوتين الى السلطة وهو الشخص الموالي له والذي يأمن جانبه ولن يمثل له تهديدا بعد توليه الرئاسة, كما لن يمثل تهديدا على اسرته وبعض رجال الاعمال الموالين له .. اي ان يلتسين اراد باستقالته في هذا التوقيت بالذات ان يأتي بالشخص المناسب الذي يستمر على نفس نهجه السياسي والاقتصادي ولايمثل تهديدا على مصالحه ومصالح عائلته, ومما يؤكد صدق توقع يلتسين هو ما اقدم عليه بوتين عقب توليه منصب الرئاسة بصفة مؤقتة حيث اصدر مرسوما يقضي بعدم تعريض الرئيس السابق لاي اتهامات جنائية وعدم ادانته في اي من الجرائم, ومعنى ذلك ان يلتسين نجح في اختيار الرجل المناسب, هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى يلتسين اراد من تبكيره بتقديم الاستقالة دعم موقف بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة فهو ادرك انه لو انتظر حتى موعد الانتخابات الرئاسية فإن بوتين سوف يخوضها وهو على قدم المساواة مع المرشحين الآخرين مثل بريماكوف وزيجانوف وغيرهم من رموز المعارضة, ولذلك كان تفكيره بالتبكير بالاستقالة في هذا التوقيت حتى يتم تقديم موعد الانتخابات الرئاسية وهو ماحدث حيث تم تحديد مارس المقبل موعدا لبدء الانتخابات الرئاسية وفي نفس الوقت اعطى الفرصة لبوتين ان يخوض الانتخابات من موقع الرئيس المؤقت وهذا يعطيه فرصة ذهبية للاعلان والدعاية لنفسه كرئيس للجمهورية وخاصة خلال الوقت المتبقي حتى موعد الانتخابات, واخيرا فهناك نقطة اخرى لايمكن اغفالها تتعلق بخروج يلتسين من السلطة بهذه الكيفية وفي هذا الوقت المبكر وهي ان يلتسين اراد الخروج من السلطة كفارس كما دخلها كفارس على انقاض الاتحاد السوفييتي السابق عندما تمت الاطاحة بجورباتشوف, ولذلك فهو اراد ان يفاجأ الرأي العام الروسي والعالمي بأنه هو الذي قرر الرحيل عن السلطة, وهذا اعتبار نفسي في شخصية الرئىس السابق بوريس يلتسين. مهادنة القوى الشيوعية وفيما يتعلق بالكيفية التي يمكن بها للرئيس المؤقت بوتين التعامل مع الصراعات الداخلية في روسيا ترى الدكتورة نورهان الشيخ ان بوتين سيحاول في الفترة المقبلة بناء استراتيجية سياسية تقوم على مهادنة القوى الشيوعية في الداخل والتفهم لمواقفهم وهذه ستكون نقطة مهمة في صالحه حيث كان معروفا عن يلتسين تشدده وتسلطه وتمسكه بآرائه, وهذه الاستراتيجية التي تقوم على المهادنة مع المعارضة ووجود درجة أكبر من التسامح والتفهم لمواقفها سوف تدفع بالبلاد الى حالة الاستقرار السياسي افضل من تلك التي كانت موجودة في عهد يلتسين, اما فيما يخص الازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد فمن المؤكد ان بوتين لن يعدل عن التوجه الليبرالي الرأسمالي وسوف يستمر في انتهاج سياسات اقتصاديات السوق, ومن الواضح ان بوتين سوف يتجه ناحية الغرب في محاولة لجذب بعض الاستثمارات والحصول على المعونات التي يستطيع من خلالها التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية في روسيا. وتعتقد الدكتورة نورهان الشيخ أن حسم قضية الشيشان يعد عاملا اساسيا ونقطة ارتكاز في تدعيم فرص فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة, ولذلك فان بوتين يعطي اهتماما كبيرا لهذه القضية ويحرص على زيارة القوات الروسية في الشيشان وربما يحاول توقيع معاهدة سلام بالشروط الروسية حتى يزيد من شعبيته في الشارع الروسي. وعن رأيها في الكيفية التي تنظر بها المعارضة الى زعامة بوتين مقارنة بسلطة يلتسين تقول الدكتورة نورهان الشيخ: لقد تقبلت المعارضة الروسية ترشيح يلتسين لبوتين كرئيس للحكومة ولم ترفضه ووافقت عليه من اول اقتراع, اي ان الامور لم تكن سيئة بين المعارضة وبوتين, فالمعارضة كانت على طول الخط كل ما يهمها هو رحيل الرئيس يلتسين ولذلك كان ترحيبها باستقالته وترحيبها في نفس الوقت بمجيئ بوتين الى السلطة فهم يعرفون ان بوتين سيكون لديه الاستعداد لسماع الأراء الاخرى, كما يدركون ان الانتخابات الرئاسية اصبحت على الابواب وهي التي ستضع النقاط على الحروف وتأتي بالشخص الذي سيتولى الامور في البلاد.. تحالف اليسار وتعتقد الدكتورة نورهان ان فرصة بوتين كبيرة في الفوز بهذه الانتخابات باعتبار انه يتولى بالفعل منصب الرئاسة في الوقت الحالي, كما ستدعمه كل القوى والتيارات التي كانت تدعم الرئيس السابق يلتسين وبصورة تلقائية طالما انه يلتزم بنفس سياسات الرئيس السابق, ايضا الحملة العسكرية على الشيشان سوف تدفع به الى مقعد الرئاسة في حالة تحقيق الأهداف الروسية من الحملة, ولكنها مع ذلك ترى أن بوتين كونه امتداد للرئيس السابق قد يضعف من موقفه على المستوى الشعبي نتيجة لمعاناة الشعب من فساد وأزمات إقتصادية خلال فترة حكم يلتسين, وهنا يمكن للمعارضة ان تحقق انتصارا في الانتخابات المقبلة لو استطاع بريماكوف ان يوجد تحالف مع القوى اليسارية الاخرى وخاصة زيجانوف وعمدة موسكو, لو أمكن لبريماكوف عمل هذا التحالف ووصل الى تفاهم معهما فمن المؤكد ان هذا الثلاثي سوف يفوز في الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة. ونفت الدكتورة نورهان امكانية عودة الشيوعية الى السلطة في روسيا مرة اخرى فحتى لو فاز التحالف الذي سبقت الاشارة اليه فهذا لايعني عودة الشيوعية الى روسيا, فمعروف ان بريماكوف ليس شيوعيا, وزيجانوف نفسه صرح بأنه من الصعب العودة الى النظام الاقتصادي المركزي الشيوعي, لكن سيكون هناك نوع من الاهتمام بالدور الاجتماعي للدولة مثل الاهتمام بالمعاشات والخدمات الصحية والبطالة وغيرها من الامور, واما العودة الى الشيوعية بالنظام الذي اقامة ستالين في اواخر العشرينات من التحول الى نظام المزارع الجماعية وتأميم كل وسائل الانتاج لصالح الدولة فهذا لن يحدث, وسيظل القطاع الخاص موجودا في روسيا ولكن مع اعطاء دور كبير للدولة في الحياة الاقتصادية والتخفيف من غلواء آليات السوق والآثار السلبية المترتبة عليها, والتركيز على الدور الاجتماعي للدولة والنهوض بمستويات معيشة المواطنين, وعلى الصعيد الخارجي فإن فوز هذا التحالف سيدفع الى التأكيد على دور روسيا كقوة كبرى ومحاولة استعادة مكانتها التي كانت موجودة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وحماية المصالح القومية الروسية والتأكيد على استقلاليتها في مواجهة الغرب.. اما اذا فاز بوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة فإن استمرار التوجه ناحية الغرب هو الحاسم للسياسة الخارجية الروسية, وسوف تسير وفق ذلك غالبية السياسات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة حاليا. الانهيار الروسي ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم أن استقالة يلتسين لاتعد أمرا مفاجئا فهو من ناحية كان يدرك انه لن يكون من بين المرشحين لرئاسة روسيا خلال الانتخابات المقبلة, كما انه اراد من وراء الاستقالة في هذا التوقيت ان يأتي بالرجل الذي يعطيه فرصة ان يكون له دور من وراء الستار في تحريك السياسة الخارجية الروسية, ولذلك جاء بفلاديمير بوتين الشخص الذي يثق فيه.. لقد ادرك يلتسين انه لم يستطع تحقيق امال شعبه في الاصلاح السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي خلال اكثر من ثماني سنوات تولى فيها الحكم, فقد أسهم في انهيار الاتحاد السوفييتي ولم يستطع ان يحافظ على مكانة روسيا الاتحادية كقوة عظمى وحولها إلى دولة تعتمد على الدعم الاقتصادي الغربي والتدفقات الرأسمالية الدولية والتحول المتدرج إلى اقتصاديات السوق والالتزام باتفاقيات التجارة الدولية ولم يستطع مواجهة التحالف الذي قام بين البيروقراطية الحكومية وجماعات الضغط اليهودية ورجال الأعمال الروس وبعض جماعات المافيا الدولية التي تآمرت على الاقتصاد الروسي, اضافة إلى ان يلتسين رجل يعاني من عدة أمراض ويعاني من حالة صحية متدهورة, وقد فقد عمليا اللياقة الذهنية التي تسمح له بالسيطرة على الترسانة النووية الروسية وعلى القرار السياسي في أوقات الأزمات الحرجة التي تواجهها روسيا منذ عام 96 بصفة خاصة, كما فشل يلتسين في سياساته الخارجية في مناطق عدة من العالم تزخر بالمصالح الأمنية الروسية مثل البلقان والخليج العربي وجنوب شرق اسيا والشرق الأقصى, وفي قمع شعب الشيشان وداغستان منذ عام 94 وحتى الآن, وقد بدت مأساة العسكرية الروسية واضحة في عجز 200 ألف جندي روسي عن اخضاع 115 ألفا من الثوار الشيشان, لهذه الأسباب جميعها لا تعد استقالة يلتسين مفاجئة لأحد. مستقبل بوتين والشيشان ويتوقع اللواء صلاح الدين سليم ان يحاول بوتين حسم قضية الشيشان من خلال التفاهم مع بعض مسئولي الحكومة الشيشانية الموالين لموسكو وبعض القيادات الدينية الخاضعة لنفوذ بوتين مثل مفتي جروزني نفسه لتحقيق ما يمكن ان يسمى تسوية سياسية للمسألة الشيشانية من خلال الحكم الذاتي في اطار روسيا الاتحادية, ولكن رغم ذلك فإن الثورة الشيشانية من المتوقع ألا تتوقف في جنوبي البلاد حيث الطبيعة الجبلية التي تسمح بحرب العصابات ليس فقط لمجرد شهور ولكن لعدة سنوات متتالية, وعموما فإذا كان بوتين قد استطاع ان يوهم الشعب الروسي بتحقيق نصر مرحلي في الشيشان قبل الانتخابات الرئاسية في نهاية مارس المقبل فإنه لن يجد الطريق سهلا لتوطيد حكمه خلال الشهور التالية للانتخابات حيث من المتوقع انتشار الثورة في جمهوريات القوقاز الاسلامية. وذلك ما لم يتمكن من ايجاد حل للازمة يقبله الشيشانيون. وحول رأيه في الاستراتيجية التي يمكن ان ينتهجها بوتين خلال الفترة المقبلة وهل تختلف عن استراتيجية الرئيس السابق يلتسين يقول اللواء صلاح الدين سليم ان بوتين رجل صنعه يلتسين ولا أتوقع اي تغيير في سياساته الداخلية أو الخارجية على الأقل خلال العام الحالي, وربما اضطرته المتغيرات الدولية والاقليمية إلى اتخاذ مواقف سياسية أكثر ايجابية بعد انتهاء العام الحالي وهو أمر يرتبط بموقف الدوما منه والعلاقات الأمريكية الروسية وعلاقات موسكو بالصين والهند والدول العربية والإسلامية. وفيما يتعلق بالكيفية التي تنظر بها المعارضة الروسية إلى بوتين يشير اللواء صلاح الدين سليم إلى ان الحزب الشيوعي بزعامة زيجانوف يعارض تماما بوتين ويعتبره امتدادا سيئا لا يختلف في طبيعته عن سلفه يلتسين الذي أضعف مكانة روسيا داخليا وخارجيا, لكن عناد الحزب الشيوعي يمنعه حتى الآن من التفاهم مع بريماكوف وحزبه الذي احتل المكانة الثالثة في البرلمان الروسي بعد الحزب الشيوعي وحزب الوحدة, أما إذا تمكن زيجانوف وبريماكوف من الاتفاق سويا على اسقاط بوتين, وزاد اضطراب الموقف في الشيشان, في ظل صمود الثوار هناك, فإن فرص بوتين في الفوز بالانتخابات قد تهتز ولكن التدخلات الأجنبية وأموال اليهود تحاول ان تشتري النجاح لبوتين حتى تصبح روسيا دولة تابعة في فلك السياسة الخارجية الأمريكية.