من الممكن وصف روسيا خلال التسع سنوات الماضية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأنها دولة كبيرة يحكمها فرد ويغيب فيها دور المؤسسات, وهذا الوصف في حد ذاته يعكس حالة الفوضى والاضطراب التي عاشتها روسيا طيلة هذه الفترة, فلم يعد حكم الفرد يصلح في زمننا هذا لادارة اية دولة حتى لو كانت صغيرة, فما بالنا بدولة مثل روسيا تعد اكبر دولة في العالم وتشغل سدس مساحة اليابسة, وترث اكثر من ثمانين بالمئة من ميراث الدولة السوفييتية العظمى وتملك من الثروات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها بادارة سليمة لان تعيد امجادها وتستعيد مكانتها على الساحة الدولية, هل يمكن لمثل هذه الدولة ان يحكمها شخص واحد بمفرده يملك في يده وبموجب الدستور والقانون كل السلطات التي تسمح له بأن يظل في الحكم كيفما يشاء ويتركه وقتما يشاء؟ وهل يمكن لمثل هذه الدولة الكبيرة التي يعيش على أراضيها وداخل حدودها عشرات من القوميات المختلفة تتحدث بلغات مختلفة, هل يمكن لها ان تبقى بدون مؤسسات تديرها حتى لو كانت هذه المؤسسات كلها تخضع لايديولوجية واحدة وفكر ونهج واحد مثلما كانت عليه روسيا في ظل النظام الشيوعي الشمولي؟ لقد كان بالفعل هذا هو حال روسيا منذ تولى بوريس يلتسين رئاستها عام 1991 وحتى استقالته من الرئاسة في 31 ديسمبر الماضي. حكم الفرد لا يصلح في روسيا التي يقولون عنها في الغرب ان بها اكبر نسبة من المثقفين والسياسيين والمتعلمين في العالم تعاني من حكم الفرد, فعندنا دخل يلتسين الى الكرملين عام 1991 بخبرته السياسية المتواضعة وثقافته الضعيفة واسلوبه العشوائي والمتطرف احيانا, وميوله العدوانية, ومزاجه الهوائي والمتردد دائماً, وافتقاره للرؤية المستقبلية وبعد النظر, ورغباته الشخصية غير السوية مثل افراطه في شرب الخمر, وولعه الشديد بالسلطة والنفوذ وغيرها من الصفات التي لعبت دوراً كبيراً في نشر الفوضى والاضطراب في هذه الدولة الكبيرة المترامية الاطراف في الشرق والغرب, عمل يلتسين على ترسيخ حكم الفرد وجعل روسيا اشبه بأيام حكم القياصرة. حل البرلمان لقد الغى يلتسين الدستور الشيوعي فور وصوله السلطة ووضع دستوراً جديداً يسمح بتعدد الاحزاب في روسيا, وظن البعض ان هذا الامر سوف يفتح لروسيا ابواب الديمقراطية والمستقبل المشرق, ولكن على العكس ادى هذا الى توطيد دعائم حكم الفرد وبموجب الدستور الجديد ايضاً والذي سمح للرئيس في اي وقت بأن يحل البرلمان (الدوما) المنتخب من الشعب والذي يضم ممثلي الاحزاب والتنظيمات السياسية التي وجدت على الساحة الداخلية بعد انهيار النظام الشيوعي. وكانت البداية عام 1993 والتي لم تقتصر فقط على حل البرلمان بل وقصفه بالمدافع واقتحامه بالدبابات وسقوط الالاف من الضحايا, هذا هو حكم الفرد في عهد يلتسين والذي لم تر روسيا في تاريخها الشيوعي والقيصري اسوأ منه. ولم تعد هنالك في روسيا اية مؤسسة سياسية تشارك الكرملين في السلطة, وظل البرلمان بما يضم من مختلف الاحزاب اليمينية واليسارية مهدداً بقرار من يلتسين, واستمرت الاحوال على هذا الوضع تسع سنوات ترأس فيها الحكومة الروسية ثمانية رؤساء, كان يغيرهم يلتسين بين عشية وضحاها كما لو كان يغير ملابسه, ووصل الامر الى تغيير اربعة منهم في اقل من عام ونصف, وكلما أتى رئيس جديد للحكومة قال عنه يلتسين انه (المصلح المنتظر) وانه الشخص الذي يأتمنه على السلطة والحكم, ولا يلبث ان يذهب الشخص ويأتي غيره, والشعب الروسي المسكين الذي يئن تحت ويلات الفقر والازمات يتوهم ان رئيسه القابع في الكرملين يبحث بجدية عن المنقذ المنتظر الذي سوف ينتشل روسيا من الحضيض. مجموعة غامضة لكن الحقيقة لم تكن تخفى على الكثيرين, وكانت رائحتها تفوح من بعيد ممزوجة برائحة الفساد والسرقة وتهريب الاموال للخارج التي كانت تنبعث من الكرملين الذي كان يديره من الداخل مجموعة غامضة تحيط بالرئيس وعائلته, ولا تنتمي هذه المجموعة لاي قاعدة شعبية ولا مؤسسة شرعية ولا يجسد وجودها اي شكل قانوني او جهاز حكومي, بل كل ما هنالك انها الحاشية المقربة من الرئيس وعائلته والامينة على مصالحه وصحته وأمنه الشخصي هو وعائلته. هذه المجموعة الغامضة والرهيبة يديرها اشخاص معدودون على اصابع اليد وعلى رأسهم الملياردير اليهودي رجل الاعمال (بوريس ابراهاموفتش بيرزوفسكي) هذا الشخص الغامض الذي لا يعرف احد حتى الان كيف وصل الى اروقة السلطة وكيف دخل الكرملين وكيف اصبح على حد وصف مجلة (فوربس) الامريكية له (الاب الروحي للكرملين) بعد ان اصبح يتحكم تماماً في صنع القرار السياسي في روسيا, والحديث عن بيرزوفسكي يطول ويكفينا ان نقول هنا انه كان على وشك ان يدخل السجن في اثناء رئاسة بريماكوف للحكومة بعد ان اصدر النائب العام الروسي امراً بالقبض عليه متهماً باختلاسات وتهريب اموال كثيرة للخارج, ولم ينقذه الا عزل بريماكوف. وبجوار بيرزوفسكي في المجموعة الغامضة يوجد مهندس الخصخصة في روسيا (اناتولي تشوبايس) والذي اطلق عليه اسم (راسبوتين الاحمر) لا لانه شيوعي بالطبع ولكن لان شعره احمر, وقد اجمعت كل القوى السياسية في روسيا على مسئولية تشوبايس عن الانهيار الاقتصادي في روسيا في الاعوام الماضية بعد برامج الخصخصة التي طبقها هناك والتي بلغت جملة خسائرها ثلاثة تريليونات دولار. واشخاص اخرين داخل هذه المجموعة الغامضة امثال رئيس الحكومة الاسبق (إيجورجايدار) ورجال اعمال يهود مثل (الكسندر سمولينسكي) وفلاديمير جوسنيسكي) وغيرهم. البحث عن البديل هذه المجموعة التي التفت حول الرئيس يلتسين منذ البداية ودفعت به لخوض انتخابات الرئاسة عام 1996 رغم اعتلال صحته وعدم مقدرته على العمل, وظلت تحافظ عليه بقدر الامكان طيلة هذه السنوات حتى تتمكن من جمع زمام الامور في يديها وتعثر على البديل المناسب ليلتسين الذي يضمن لها استمرار تحكمها في صناعة القرار في روسيا وسيطرتها الكاملة على الكرملين. وقد ساعد هذه المجموعة على النجاحات التي حققتها عوامل كثيرة منها ضعف الرئيس واعتلال صحته, ومنها احتدام الصراع بين الاحزاب والتنظيمات السياسية في روسيا على السلطة, وضعف السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان الذي يملك الرئيس حله في اية لحظة, وكثير من العوامل الاخرى. ولكن من اهم العوامل التي مكنت هذه المجموعة من القرار في الكرملين غياب المؤسسات الدستورية في روسيا, هذا العامل الذي وطد دعائم حكم الفرد هناك واخضع هذه الدولة الكبيرة لحكم شخص مريض تتحكم فيه حاشية تخدم مصالحها الخاصة وربما مصالح جهات اخرى. تغيير الحكومة هذه المجموعة الغامضة هي التي نجحت من قبل في عزل (تشيرنوميردين) من رئاسة الحكومة رغم تمسك البرلمان به بعد ان وقف ضد مصالحها وخاصة عندما رفض طرح مؤسسة (غازبروم) العملاقة للخصخصة, وهي المؤسسة التي تملك حق انتاج وتسويق 25% من الانتاج العالمي للغاز الطبيعي والذي يمثل 95% من الانتاج الروسي. وهي المجموعة التي اتت بالشاب الصغير (سيرجي كيريينكو) لرئاسة الحكومة, وكادت ان تحقق معه او به باقي احلامها لولا وقوع الازمة المالية في روسيا في اغسطس 1998 والتي كادت ان تكشف هذه المجموعة الغامضة وتقذف بها خارج الكرملين لولا دهاء قيادات هذه المجموعة الذين اقنعوا يلتسين بتعيين عدوهم اللدود (يفجيني بريماكوف) في رئاسة الحكومة لا حباً فيه, ولكن بهدف امتصاص الغضب الشعبي والقاء عبء الازمة على اكتافه, وبعد نجاح بريماكوف في تحقيق الاستقرار وتهدئة الاوضاع انتهى دوره عند هذه المجموعة, فقرر يلتسين عزله وبدون اسباب مفهومة, وبإيحاء من المجموعة تقرر تعيين رجل الامن المعتدل (سيرجي ستيباشين) خليفة لبريماكوف, ورغم اعتدال (ستيباشين) وتعامله الطيب وتفاهمه مع هذه المجموعة الغامضة والذي انعكس في الغائه لقرارات القبض على (بيرزوفسكي) وتقريبه هو وانصاره من الحكومة, الا انه على ما يبدو ان شخصية ستيباشين لم تكن هي الملائمة لمصالح هذه المجموعة في المرحلة المستقبلية وخاصة مع التردي الواضح لصحة الرئيس يلتسين والذي اصبح يحتم ضرورة اختيار الخليفة المناسب وبسرعة, وانعكس تناقض توجهات ستيباشين مع هذه المجموعة بشكل واضح في اعتراضه على سياسة الكرملين تجاه الاحداث في داغستان في اغسطس الماضي والتي مهدت لاندلاع الحرب في الشيشان. العثور على الخليفة وقد كانت المجموعة قد عثرت بالفعل على الخليفة المناسب بعد طول بحث, ولم تتردد في عزل ستيباشين الذي لم تمض على تعيينه شهور قليلة ليعلن يلتسين عن اختياره لخليفته في حكم روسيا (فلاديمير بوتين) رئيس جهاز الامن الفيدرالي الذي تستر على كل جرائم الفساد والسرقة الكبرى التي ارتكبت في روسيا في السنوات القليلة الماضية. وامام هذا التغير فقد رأت هذه القوى انه قد حان الوقت لكي يرتاح الرئيس المريض من عناء الحكم والسلطة بعد ان عثر هو وحاشيته على الخليفة المناسب والمضمون, والذي لا يملك من الرصيد السياسي سوى قيادته للحملة الشرسة ضد شعب الشيشان الاعزل الذي يواجه بمفرده الان واحدة من اكبر ترسانتين عسكريتين في العالم, بينما يفتخر الخليفة (بوتين) بالدمار والخراب ونزيف الدم في الشيشان مدعياً بأنه يسعى لانقاذ روسيا من الارهاب. ويبقى السؤال هل يستطيع بوتين اصلاح ما افسده يلتسين؟ ام تظل المجموعة الغامضة القابعة في الكرملين تتحكم في صنع القرار وتدير الامور وفق مصالحها الخاصة؟ سؤال تصعب الاجابة عنه قبل انتخابات الرئاسة في مارس المقبل والتي تشير بعض التوقعات الى فوز بوتين بها, كما تصعب الاجابة عنه اكثر في حالة فوز بوتين بالرئاسة لتوقف هذا الامر على ما سوف تفرزه الساحة الداخلية في روسيا من ردود فعل مبكرة لا يستطيع احد توقعها من الان.