هتفنا.. الوحدة باكر باكر مع الأسمر عبدالناصر، كان الجميع غارقين في فرحة لم تعرفها دمشق الغارقة في حمى الانقلابات والعسكر منذ المملوك الاول بيبرس، حلمنا بالوحدة التي ستعيد الخلافة الاموية العباسية وتطرد الصهاينة من فلسطين . كان يوماً فخماً, يوماً حافلاً, يوماً كانوا قد شحنونا من أجله لشهور طويلة قضيناها بالمظاهرات وبتجمعات الطلاب والتلاميذ في الشوارع لا نملك الا ان نردد صارخين وبعنف شبه مقدس: (بدنا الوحدة بكره بكره مع مصر الشقيقة الكبرى) , ثم يهتف آخر فتتبعه الجموع (بدنا الوحدة باكر باكر مع هالاسمر عبدالناصر) . مظاهرات اوقفت الحياة الدراسية ولكن ليس بالشكل المألوف الذي اعتدنا عليه حين كنا نتسلل من المدرسة لحضور فيلم سينمائي جديد, او للهرب الى حديقة السبكي ندخن السجائر ونتحدث عن الأفلام التي لم نستطع حضورها, فكنا نكتفي بسماع حكايتها ممن حضرها, لا... هذه المرة توقفت الحياة الدراسية وبمبرر كبير, مبرر وافق عليه الكبار, الاساتذة والاباء, فقد كنا نخرج يوميا الى الشوارع نحاصر وزارة المعارف والسفارة المصرية ونهتف طالبين (الوحدة باكر باكر مع هالأسمر عبدالناصر) . وفجأة جاء اليوم الكبير, اليوم الذي بشرتنا فيه الصحف والاذاعة بأن الوحدة قد وافقوا عليها وان الاسمر عبدالناصر الذي هزم الغرب في عام 1956 والذي امم القناة, قادم الى الشام, الى دمشق, وها هو طريق الوحدة الكبرى, الوحدة التي ستستعيد الخلافة الاموية والعباسية, الوحدة التي ستطرد شراذم الصهاينة من فلسطين, الوحدة التي ستمتد من الماء الى الماء كما كانت قبل قدوم الاستعمار الشرير. كانوا في البيت قد استعدوا كما الاستعداد للاعياد بتنظيف البيت وشطفه, وكانت مهمة جبارة, فالبيت كبير بباحته الواسعة وأشجاره متساقطة الأوراق الكثيرة وبجرته التي يجب تنظيفها وكشط الاشنات والطحالب عن جدرانها وقاعها, كانوا قد استعدوا لهذا اليوم بتنظيف السجاد وفرشه في الباحة وتعليق الصغير والثمين منه في الحارة على الجدران, وكان اهل الحارة قد استعدوا لهذا اليوم بجلب اغصان كبيرة من اشجار الكينا والسرو وتشكيل اقواس منها عند مداخل الحارات كما يفعلون عادة عند عودة الحجيج من الحجاز. كان الجميع غارقين في فرحة لم تعرفها هذه المدينة الغارقة في حمى الانقلابات والعسكر منذ المملوك الاول بيبرس, مستمتعين بسعادة استعادة الحلم الاموي القديم والامبراطورية العربية الاسلامية الممتدة من الافق الى الافق. كان المعلمون وهم الدعاة الاول لهذا اليوم المنتظر يتحركون بين صفوف الطلاب المتظاهرين, يتحركون في هياج متخلين عن وقارهم, يهتفون والزبد يتناثر من افواههم: انه يوم الامل, وكنا نردد من ورائهم: انه يوم الامل, ويتابعون: انه اليوم المنتظر, فنردد: انه اليوم المنتظر. كانت المظاهرة طويلة تمتد من شارع خالد بن الوليد, متطاولة حتى ساحة الحجاز, ثم الى سينما الاهرام, فالبرلمان, وكان العارفون بخبايا اليوم قد تسللوا من البرلمان الى قصر الضيافة, ذلك القصر الذي طالما ندد الناس به في جلساتهم الخاصة, فلقد أنفق اديب الشيشكلي الحاكم الانقلابي السابق عليه الكثير من اموال الشعب, وقصر الضيافة في الواقع فيلا متواضعة سنرى أفضل منها بكثير فيما بعد في المزارع وفي القرى لمحدثي ثراء الايام المقبلة, ولكن الشعب الذي لم يعرف القصور منذ قصر اسعد باشا العظم سمى هذه الفيلا قصر الضيافة, وندد بالاموال التي انفقت عليها, ولكنهم حين عرفوا ان الزعيم الامل سينزل في قصر الضيافة صمتوا فخورين, فلديهم هذه المرة ما يليق بالزعيم الحلم الذي سيعيد للفقراء جنة شبعهم وللسياسيين جنة وحدتهم, وللبائسين جنة الاجداد المفقودة. كانت امي قد البستني منذ الصباح الباكر القميص الابيض الجديد ولما احتججت معلناً بأنه سيتسح, وستزعل, وستعاقبني, قالت: لا بأس, لا بأس. وسخه, وسخه, فليس كل يوم مثل هذا اليوم. البستني حذائي الجديد, حذاء العيد والذي كانت شديدة الحرص على الا ألبسه الا في المناسبات الخاصة, العيد, وصلاة الجمعة التي بدأ ابي في اصطحابي اليها, وكانت توصيني دائما: اياك ان تترك الحذاء عند باب الجامع قد يسرقونه, احمله معك واجعله قريبا من عينيك, وكنت التزم بوصاياها, ولكنها اليوم البستني الحذاء الجديد, ولم توصني بالحفاظ عليه, فقد كان اليوم الكبير الذي لا بأس معه من توسيخ القميص الابيض والحذاء الاسود الجديد. كانت الساحة واسعة بعين الطفل الذي كنته وحينما تقاطر الناس من الشوارع الجانبية, ومن شارع أبورمانة, كانوا ينحدرون كسيول الشتاء تبدأ هادئة وربما رقراقة, ولكنها ما ان تصادف السد او الحاجز حتى تشتد وتعنف ثم تندفق سيلا حقيقياً يجرف معه التراب والحصى, ثم الحجارة, وربما الاشجار لو اعترضته. وهكذا تقاطر الناس, تجمعوا سالوا ثم اصطدموا بقصر الضيافة, كانت الهتافات, الشعارات, الاماني, الاحلام المكبوتة لشعب حرم الحلم منذ ازمان كانت كلها تتجمع لتصبح زئيرا, وكانت العيون معلقة على الشرفة في تلك الفيلا المتواضعة التي قالوا ان الرئيس الحلم سيقف عليها ليخطب فينا مبشرا بأن ايام التشتت والفرقة والهوان قد زالت الى الابد. كنا أبناء جيل حشرنا في وطن اصغر من حلمنا اسمه سوريا, ومن الغريب ان كل الاحزاب السياسية التي تشكلت في سوريا لم تعرف حزبا سياسيا واحدا يعلن انه قد قبل بسوريا وطنا ابديا له, بل كانت الاحزاب كلها تسعى للحكم وتعلن بأن (عينها لبره) فالعروبيون يريدون الوحدة العربية الكبرى والقوميون السوريون يريدون سوريا الكبرى, والشيوعيون يريدون الأممية الكبرى والاسلاميون يريدون الاممية الاسلامية, وهكذا حين جاء عبدالناصر ليتوج الاحلام بالتحقق وجدت ان كل من كان يرفض الوطن الصغير قد تعلق بهذا الحلم, وكان هذا العرس الاكبر, وللحقيقة اعلن الان وقد تجاوزت الخمسين اني لم اشهد فرحة بمثل تلك الفرحة من بعد, فللمرة الاولى تحولت الجموع الى صوت واحد وعين واحدة تتعلق بتلك الشرفة التي ستغدق السمن والعسل على العطاش اليهما. تمدد الوقت وبحت الحناجر وتدفق الناس, ولم تعد تستطيع التمييز بين رجل وفتى, بين بدوي ومدني, بين فلاح وآغا, الكل تحول الى تلك الكتلة, الهلامية المتعطشة الى فرج يحمله اليها رجل اسمر جاء من هناك من البعيد, من مصر. خطب الزعيم, ولم اسمع. قال الحلم, ولم أسمع, أعلن الوحدة ولم أسمع, فالزئير والهتاف كانا اكبر من اذن واحدة تسمع, ولكنا كنا نفهم بطريقة غامضة ما يقال. اخذت الشمس تميل للغياب, وانصرف الرجل بعد ان أعلن الرئيس السوري شكري القوتلي تنازله عن الرئاسة للوحدة, وبقيت من كلماته جملة شهيرة: هذا يوم له ما بعده. تلفت من حولي انظر الى الوجوه المتعبة السعيدة وبي خيبة صغيرة: اهذا كل شيء. هل تحقق كل شيء الان اذن؟ تفككت الكتلة, وابتعدت الاذرع والصدور عن الاذرع والصدور وفجأة احسست بواحدة من قدمي باردة, انحنيت اتفحصها كانت قدمي اليمنى حافية فلقد انتزعت الحشود الحذاء الاسود الجديد من قدمي, امعنت في الانحناء ابحث عن فردة الحذاء, ولكن دفعة جاءتني من الخلف, فأوقعتني على الارض. دافعتهم خائفاً, فقد كنت مصمما على العثور على فردة الحذاء, دفعوني ثانية حاولت القيام, فلم استطع, تشبثت بأحدهم, فشدني من قميصي رحمة فسمعت صوت...؟! نظرت الى القميص كان قد تمزق بقوة انتصبت. كانت الجموع تدافعني, وادافعها, لم اعد أنظر الى الشرفة بل الى الارض ابحث عن فردة الحذاء الاسود المفقودة, ولكن الجموع دافعتني ومازالت حتى وجدت نفسي عند سينما العباسية, عندئذ ادركت اني قد أضعت فردة حذائي الاسود الجديد الذي طالما حذرتني امي من تركه امام الجامع حتى لا يسرق. تأملت القميص الابيض الممزق آسفاً. وصلت البيت وكانت غصون الاشجار والسجاد ماتزال معلقة على الجدران. اتجهت الى امي مباشرة اشكو اليها ضياع الحذاء وتمزق القميص, فلم تحزن كثيرا بل قالت: لا بأس. كله سيتعوض, اليست الوحدة قادمة كله سيتعوض!, ولكني لم استطع الا ان احزن على ضياع فردة الحذاء وتمزق القميص, فأنا أعرف انه ليس من السهل على عائلة فقيرة ان تعوضهما بسهولة. * روائي سوري