لم تكن استقالة يلتسين مفاجأة للمطلعين على اسرار اللعبة السياسية في روسيا, وان ارادها ان تبدو كذلك! فعندما يأتي رجل كان يشغل منصب مدير اجهزة الاستخبارات الروسية الى منصب رئيس الحكومة, الذي يتيح له ان يخلف الرئيس يلتسين قبل اقل من عام على نهاية ولايته, فهذا يعني ان هناك سيناريو محكم يجري تنفيذه بحرفية عالية , ولم تكن استقالة, او بالاحرى تنحية يلتسين سوى الفصل الثاني من هذا السيناريو. اما الفصل الاول فكان تسويق فلاديمير بوتين امام الناخب الروسي من خلال تقديمه الى الشعب بصورة الرجل القوي والمتواضع معا والقادر على تخليص روسيا من أزماتها! وكانت حرب الشيشان افضل مجال لتسويق بوتين الذي ظهر قويا شديد البأس, عرف كيف يتقن اعادة الاعتبار للجيش الروسي, الذي تعرض في السنوات الماضية الى جراح كثيرة في كرامته من خلال اهماله وتقليص دوره الى اقصى الحدود! الاستعداد للرئاسة ولا ننسى ان بوتين لم يكن راضيا عن الاتفاق الروسي ـ الشيشاني الذي انهى دوامة العنف بين البلدين عام ,1998 وبالتالي فان مجيئه كان لادارة الحرب الناشبة في القوقاز وليس معالجتها سياسيا واقتصاديا! وكان رهان بوتين تحقيق انتصار في هذه الحرب لينهي بذلك الفصل الاول في سيناريو تنصيبه رئيسا لروسيا خلفا ليلتسين. وبما ان بوتين كسب الرهان ولاقى تأييدا واجماعا من الشعب ومجلس الدوما, فقد كان المطلوب استثمار كل ذلك انتخابيا, وكانت استقالة او تنحية يلتسين هي ثمن هذا الانتصار العسكري ليمكن استثماره انتخابيا لصالح بوتين! وقد يسأل البعض: لماذا؟! ونجيب انه لم يكن من الوارد التجديد ليلتسين المريض على مدى الاعوام الماضية, وباعتبار ان ولايته تنتهي بعد ستة اشهر. فان لا احد يعرف ما ستفرزه حرب الشيشان من اثار ومفاجآت قد تنهي شعبية بوتين التي احرزها خلال فترة قياسية! وبالتالي فقد كان المطلوب تقريب فترة الانتخابات الرئاسية وبخاصة بعد ان حصل حزب الكرملين على نجاح كبير في الانتخابات البرلمانية الاخيرة, ولم يكن ذلك ممكنا الا باستقالة يلتسين واصدار مرسوم يبكر بالانتخابات الرئاسية وهكذا كان! نتائج جيدة لصالح بوتين وكان آخر استطلاع للرأي اظهر انه في حال اجراء انتخابات رئاسية الآن, فسوف يصوت لصالح بوتين حوالي 45% من الناخبين مقابل 13% لزيجانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي و 9% لرئيس الوزراء السابق يفجيني بريماكوف و 5% لجريفوري يافلينسكي زعيم كتلة (يابلوكو) . وكانت نتائج هذا الاستطلاع من افرازات نجاح بوتين في ادارة حرب الشيشان , وتحديه للمجتمع الدولي المندد بالحرب معتبرا ذلك تدخلا في الشئون الداخلية لروسيا. ويبدو ان اعلان يلتسين استقالته لم يفاجىء واشنطن كثيرا, بل انها اعتبرت هذه الاستقالة آخر انجازات الرئيس الراحل!! ويبدو ان قرار يلتسين بالاستقالة اتخذ بعد نتائج حرب الشيشان والاستطلاع لصالح بوتين, الا ان الرئيس اختار بداية الالفية الثالثة لاعلان تنحية نفسه كي يقال ان الرجل لم يترك نهاية القرن العشرين دون مفاجأة تدهش الجميع في الداخل والخارج, باستثناء من هم على دراية بالسيناريو, وواشنطن واحدة من هؤلاء!! صحيح ان الولايات المتحدة ترى في بوتين رجلا غير ديمقراطي ولا يملك مؤهلات رجل الدولة مثل التي كانت متوفرة لدى يلتسين, لكنه يبقى رجلا غير شيوعي, وبديل ممتاز اذا كانت الخيارات الاخرى سترسو على زيجانوف او بريماكوف!! سباق مع الزمن لقد بدأ بوتين يتقن ادارة الجزء الثاني من سيناريو الوصول الى السلطة, وهو اشد حساسية من جزء حرب الشيشان, فأي خطأ محسوب وقد يحول دون فوزه بالانتخابات لذا نرى بوتين يسابق الزمن ولكن يبدو من الساعات الاولى لممارسته لمهام الرئيس بالوكالة الى جانب مهامه المستمرة كرئيس للحكومة, ان الرجل يعرف تماما الخطوات التي يخطوها وكأنها مرسومة امامه على لوح كبير!! يعرف بوتين ان الزمن قصير, وبالتالي لابد من اتخاذ خطوات سريعة وحاسمة وبما ان الغرب يندد بالحرب الروسية على جروزني لانها تحصد المدنيين, اتخذ بوتين قرارا بوقف القصف على المدينة والاتجاه نحو الجبال المحيطة بها حيث تنتشر المقاومة الشيشانية ضد الجيش الروسي, وهذا القرار يخفف الضغط الغربي على بوتين, ويظهره كرجل دولة يتعامل بالسياسة والدبلوماسية , مثلما يتعامل بقسوة في الحرب دون ان يتخلى بالطبع عن الحل العسكري, الا انه من المؤكد ان الحرب الدائرة في الشيشان مستمرة حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية على الاقل! ولاشك ان توقيت استقالة يلتسين كانت بارعة, لأن تقريب الانتخابات اعطى فرصة مميزة لبوتين للفوز بالرئاسة, وقطع على المرشحين الاخيرين فرصة الاستعداد وترتيب الاوراق وبخاصة ان شعبية بوتين في تصاعد. مؤامرة في أروقة السلطة!! ويرى محللون ما حصل في مطلع العام الجديد هو عملية انتقال هادىء ودستوري للسلطة من يلتسين الى بوتين, وهذا ينفي طابع المفاجأة في الاستقالة!! ويقول الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف: (ان رجل الاعمال بيريزوفسكي المدعوم من ابنة يلتسين ناتيانا ورئيس ادارة الكرملين الكسندر فولو شين كانا من الشخصيات الرئيسية التي لعبت دورا في اقناع يلتسين بالاستقالة من منصبه) . والسؤال: لماذا ارادت حاشية الرئيس يلتسين المتهمة بالفساد, وبادارة السلطة من وراء الستار تنحية يلتسين؟ يتحدث محللون عن مؤامرة في اروقة السلطة كي تبقى المبادرة في ايدي اصحاب المصالح والنفوذ الذين احاطوا بالرئيس السابق يلتسين, وساهموا في بروز الرئيس الحالي بالوكالة بوتين, وهم يعملون منذ فترة ولا يزالون على تعزيز موقعه ليفوز بالانتخابات الرئاسية ليحافظ على مصالحهم وهم في الظل!! والسؤال: ما مدى صحة الحديث عن مؤامرة تجري او جرت داخل أروقة السلطة؟ لا ننسى ان من الاسماء البارزة في عالم الفساد في روسيا ناتيانا دياتشنكو الابنة البكر ليلتسين, وتشوبايس رائد عمليات الاصلاح, والملياردير اليهودي السابق بيريزوفسكي, ورجل المال ابرامو فيتش, وغيرهم من الاسماء البارزة في عائلة يلتسين المتهمة بالفساد. هؤلاء ساهموا مع غيرهم القيام بانقلاب هادىء في الكرملين, مما دفع بالمحللين الى القول, ان استقالة يلتسين لم تكن طوعية, وان عزاها الكثيرون الى وضعه الصحي!! ولا ننسى ايضا ان تشوبابس لعب دورا رئيسيا في بروز نجم بوتين بهذه القوة وهذه السرعة, فهو عينه في البداية بمنصب مهم في الادارة الرئاسية ليصعد بسرعة سلم الرتب ويعين رئيسا للوزراء في اغسطس الماضي!! اجراءات انتخابية سريعة ولم يضيع بوتين لحظة واحدة في اتخاذ الاجراءات السريعة لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة, والمحافظة على شعبيته التي تكفي اذا بقيت على مستواها حتى السادس والعشرين من مارس القادم ان يفوز في الجولة الاولى. وقد بدأ بترتيب اوضاعه داخل الكرملين, فانهى بمرسوم مهام ابنة الرئيس المستقيل التي كانت تشغل منصب مستشارة يلتسين لشئون الاتصالات, وتعد هذه الخطوة بمثابة رسالة ذكية الى الشعب الروسي ووسائل الاعلام الروسية, وتشير الى ان الرجل يعرف كيف يتعامل بذكاء شديد بما يزيد شعبيته, ولا يلحق بها الاذى, فالصحافة كانت تعتبر ابنة الرئيس رمزا لهيمنة العائلة على الحياة السياسية في روسيا, وقد تحولت الى شخصية مثيرة للجدل, وكان يعتقد انها تمارس تأثيرا كبيرا على قرارات والدها المستقيل. وقد اراد بوتين بابعاد ابنة يلتسين ورجال آخرين من حاشية الرئيس السابق ان ينأى بنفسه عن تهمة الفساد, ويوحي للشعب وللاعلام ولمجلس الدوما انه شخصية مستقلة, وليس امتدادا ليلتسين وعائلته او حاشيته. ولاحظ المراقبون ان بوتين لم يبدأ نشاطه كرئيس بالوكالة من أروقة الكرملين او في مجلس الدوما, بل توجه الى العسكريين الروس في الشيشان واعلن عن دعمه لهم وافتخاره ببطولتهم, وبدا واضحا ان زيارة بوتين للعسكريين في الشيشان بهدف الحصول على دعم المؤسسة العسكرية في معركته الانتخابية للرئاسة, وهذا يعني ان موضوع الشيشان سيظل في سلم اولويات برنامجه الانتخابي ولا غرابة في هذا الامر فبوتين هو مهندس الهجوم الروسي في الشيشان. اعادة العظمة لروسيا كما لاحظ المراقبون ان بوتين حرص على ان يجمع في عيد رأس الالفية الثالثة بمنزله, البطريرك والمفتي والحاخام, وكبار المسئولين في روسيا. وكان النخب الذي شربه امام هؤلاء هو الروح العصرية الجديدة للسلطة الروسية التي تعمل على اعادة العظمة لروسيا. وكما ترون فإن شعار بوتين الانتخابي يدغدغ احلام الشعب الروسي والسلطة الروسية الجديدة, تتمتع بروح عصرية تناسب العصر الجديد القادم مع الالفية الجديدة, انها روح ستعمل على اعادة امجاد وعظمة روسيا! وكما ترى فإن الشاب بوتين نشيط ومتواضع له قدرة فائقة على التعامل مع العقلية الروسية التي تحب السلطة والوضوح سواء في الحديث او التصرف. ولاشك ان بوتين عرف كيف يستثمر الحرب الشيشانية ليضم تحت لوائه كل الشخصيات والقوى والاحزاب الروسية, وعرف كيف يظهر بصورة البطل المنقذ المحافظ على كرامة الشعب الروسي وكبرياء قواته المسلحة, فهو لم يبخل على الجيش المقاتل في الشيشان بالمال والعتاد, فظهر لأول مرة الجندي الروسي بمظهر لائق والعتاد بمظهر فعال, مما اتاح لبوتين ضمان تأييد الجيش وغالبية الشعب واتقى انتقادات المعارضين, ويبدو ان الدفة تسير حتى الآن لصالح بوتين الخليفة الموثوق لتسلم رئاسة روسيا في الاشهر الاولى من بداية الألفية الثالثة الا ان مصداقية بوتين وقدرته على اتخاذ القرارات المستقلة والخروج من عباءة عائلة يلتسين وتركته الثقيلة ستبقى تحت المجهر طيلة الايام المقبلة قبل اجراء الانتخابات الرئاسية, وتتمثل هذه التركة بالفساد العام الذي اخترق السلطة وادارة يلتسين, كما تتمثل هذه التركة بمعاناة الشعب من تسلط المافيا, وانتشار المخدرات التي اصبحت تسيطر على ثلث طلاب المدارس والجامعات بالاضافة الى ما اسفرت عنه الخصخصة من مصائب بسبب سياسة السلب والنهب التي شاركت بها البنوك وشركات توظيف الاموال. ولا شك ان بوتين سيكون حذراً جداً في التعامل مع رموز الفساد والرشوة لان اقتراب بريماكوف من قضايا الفساد في الكرملين التي يقف وراءها الملياردير اليهودي بيريزوفسكي كانت سبباً في اقالته من رئاسة الحكومة وتكليف ستبابيشن بالحكومة واحالته بعد ثلاثة اشهر الى التقاعد, ليتسلم مقاليد الحكومة بوتين الذي كان رئيس المخابرات وسكرتير الأمل, وقد صعد نجم بوتين بسرعة فتسلم منصب الرئيس بالوكالة استعداداً للفوز في مارس المقبل بلقب رئيس روسيا العظمى الا اذا حدثت مفاجأة غير متوقعة ولا يوجد حتى الآن ما يشير الى امكانية حدوث مثل هذه المفاجأة. * كاتب وصحفي سوري