مرت روسيا منذ تولى بوريس يلتسين رئاستها بمراحل متعددة ومتذبذبة ما بين وجه القوى الوريثة من عهد الاتحاد السوفييتي بكل ما لها وما عليها وما بين الضعف الاقتصادي الذي افرزه النظام الشيوعي الصارم, ورغم القوة التي حاول يلتسين اظهارها في سنوات حكمه إلا انه بدا امام العالم سياسياً متضارباً ومتخاذلاً حينا في مواقف لا تستحق التخاذل, وتعنت في مواقف لا تتطلب هذا التعنت, وكانت المحصلة ان روسيا تواجه ازمة طاحنة بكل الابعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية, فمن الداخل انتشر الفساد والرشوة والمحسوبية واهدار اموال الدولة وتخبطت الديمقراطية في هياكل شكلية غير مؤثرة وتصارعت الاحزاب وتطاولت المعارضة واطل الحزب الشيوعي برأسه ليهدد بقوة, ومن الناحية العسكرية دخلت روسيا صراعات ليس لديها الأدوات الكافية لانهائها في صالحها بسرعة وحسم, ومن الناحية الاقتصادية عم الفقر وزادت الديون الخارجية وساد الغضب صفوف الشعب والجيش على حد سواء لعدم تمكن خزانة الدولة من صرف الأجور والرواتب, وتجمعت العوامل لتحدد وبقسوة مصير يلتسين السياسي, وتطالبه بالرحيل, ليخلف مقعده شخص آخر ودماء جديدة. فهل احسن يلتسين الاختيار, وما هو مستقبل روسيا في ظل هذه المتغيرات؟ هذه الأسئلة وغيرها توجه بها (الملف السياسي) الى الدكتور فان دير هيلست خبير الشئون الروسية في هولندا وفيما يلي نص الحوار: * ما هي المقدمات السياسية والنفسية التي دفعت يلتسين للاستقالة؟ ـ كما لو كانت كل المشاكل في الجمهوريات الروسية قد انتهت, نشر (بوريس يلتسين) مذكراته في بداية عام 1994 تحت عنوان (مذكرات من الكرملين) تعرض فيها للأحداث ما بين محاولة الاستيلاء على الحكم في روسيا في صيف 91, وصدامه مع البرلمان الروسي بعد ذلك بعامين, واظهر يلتسين نفسه بالرجل المتمكن الذي نجح في جمع كل الخيوط في يده ووضع نهاية للفوضى الروسية, وكان ما ذكره زائفا وبعيدا عن الحقيقة, فقد اتضح في عام 94 ان غليان الساحة السياسية في روسيا لم ينته بعد, ولم يكن هذا فقط لأن الفيدرالية الروسية يحكمها رجل ليست له الأهلية الكاملة والقدرة السياسية على اداء مهام منصبه بجداره, لكن لأن يلتسين اطلق عليه آخر قياصرة القرن العشرين, ولقد حاول يلتسين طمأنة شعبه عندما ذكر في الصفحة الأولى لمذكراته (الوضع بصفة عامة ليس تراجيديا ولا يحمل دراما اجتماعية, فعندما كنا نعيش تحت الحكم الشيوعي كانت هي الدراما الحقيقية, وعندما اطلق الرصاص على القيصر كانت التراجيديا, وعندما اشتدت الحرب مع هتلر كان الصراع من اجل الحياة او الموت للأمة بأكملها) وقد رسمت هذه الكلمات سياسة يلتسين لكنه عاد واعترف بعد ذلك عندما قال بنفسه في مجال آخر (ان الوضع في روسيا لا يسير في الطريق الصواب) , وعندما ترددت مقولته الاخيرة في الردهات السياسية داخل الكرملين, حاول من جديد طمأنة شعبه بأن الوضع في تحسن مستمر, وان الفضل يعود له في هذا التحسن, وهذا التخبط والكبرياء عكس ملامح التركيبة النفسية والسياسية التي انعكست في سياسته المتخبطة بعد ذلك من وعود بذلها لشعبه فشل في تحقيقها مما افقده المصداقية حتى باتت كل روسيا شعبا وساسة تتمنى رحيله وتنتظره بين لحظة واخرى. * هل يعتبر بوتين الشخص المؤهل لرئاسة روسيا؟ ـ في الانتخابات البرلمانية الروسية الاخيرة احرز حزب الوحدة الذي اسسه فلاديمير بوتين نصرا كبيرا ولكن هذا لا يعني انه سيكون الرئيس القادم في انتخابات مارس دون قيد او شرط كما ان تعينه من قبل يلتسين كرئيس بالانابة في تلك المرحلة الانتقالية لا يمكن ان يعني بالضرورة استمراره كرئيس وفلاديمير بوتين رئيس الاستخبارات السرية FSB ورئيس الوزراء الذي نصبه يلتسين رئيسا للدولة, واتصور في رأيي ووفقا للواقع السياسي الروسي وشخصية بوتين السياسية انه لو كانت الانتخابات قد اجريت قبل ساعة واحدة من استقالة يلتسين لما حصل بوتين على اكثر من 1% من الأصوات, في حين لو نقلنا المقارنة الى جانب اخر كاجراء انتخابات الدوما التي تمت في منتصف ديسمبر الماضي وتصور مرافقة هذه الانتخابات مع اجراء الانتخابات الرئاسية اي قبل استقالة يلتسين لحصل بوتين على اكثر من 50% من الاصوات ليصبح رئيسا, وهذا يعني ان بوتين كان هو الافضل في نظر الشعب قبل استقالة يلتسين ولكن الآن وقد جاء به يلتسين وفرضه على الشعب, فإن الامر يحتمل القولان في تراجع شعبيته واحتمالات عدم حصوله على اغلبية شعبية في الانتخابات الرئاسية اذا ما ظهر امامه شخص آخر اكثر قوة وتلازماً مع طموحات الشعب. * لكن هل يرى الشعب في بوتين الرجل المناسب فعلا لتلك المرحلة؟ ـ الشعب الروسي متعطش للاستقرار, وهذه المرحلة فرضت ان يرى كثير من الشعب الروسي في بوتين 47 عاما الرجل القوي الذي انتظروه طويلا, رجل تنفيذ القرار والعمل, فقد اثبت بوتين قدرته على القفز فوق موجات النقد التي وجهت اليه, ولم يعط الفرصة لأحد ان يملي ارادته عليه, فمعالم وجه بوتين تجمع بين التوازن والدهاء والقسوة ورجل الحسابات, وهو ليس كيلتسين في بداية عهده عندما كان يدق بقبضة يده على طاولة المباحثات السياسية او يعتلي الدبابة ليقود نصرا سياسيا في صورة عسكرية, ولكن بوتين هادىء الأعصاب يتصرف دون اثارة الضجيج من حوله فحينما حدثت محاولة التفجيرات في روسيا لم يهرول بوتين للبحث عن الفاعلين, لكنه القى بالذنب على الشيشانيين, ولم يطلق مرة واحدة على الحملات العسكرية التي قام بها بأنها حرب ضد الشيشان, وتمكن من السيطرة على وسائل الاعلام الروسية لاخفاء المعلومات الحقيقية حول خسائر روسيا وأراد بهذه الحملات ايضا تضميد جراح الشعب الروسي بسبب هزيمته في الحرب ضد الشيشان ما بين عامي 94 ـ 96, وتحدى الاعلام الغربي بصمت, ولم يركع او يخضع للضغوط الغربية واثارتهم لحمامات الدم التي اراقها, لأنه يعلم تماما ان الحرب الشيشانية هي جواز مروره لقلب الشعب الروسي والدعائم التي قد تثبت كرسي السلطة تحت اقدامه, لذلك ينظر الشعب الروسي لبوتين في الوقت الحالي على انه الرجل المناسب في المكان المناسب, وتقلصت بذلك فرصة الشيوعي (جينادي زيجانوف) الذي كان يحلم بالسلطة خلفا لبوريس يلتسين. * هل يقود بوتين تحولات جديدة في السياسة الروسية الداخلية ام يمكن اعتبار سياسته مجرد امتداد لسياسة سلفه؟ ـ لا يجب في هذا اغفال ان بوتين الذي يحظى الآن بشعبية ولعب دور المخرج السينمائي للاعلام في بلاده الذي ينشر الأخبار الايجابية للحرب في الشيشان هو نفسه لم يأخذ المبادرة حتى الآن للاعلان عن برنامج اقتصادي اجتماعي, واذا لم يعلن قبل موعد الانتخابات الرئاسية عن برنامجه للشعب في هذا الصدد فإن مؤشر شعبيته يمكن ان يتحرك سلبا 180 درجة. * ومن هم المنافسين او الطموحين في منصب الرئاسة على الساحة الروسية الآن؟ ـ يوجد حول بوتين الكثير من الأعداء الذين لا يرغبون في وجوده بالسلطة ويتنافسون معه عليه في مقدمتهم جينادي زيجانوف الزعيم الشيوعي الذي اعلن عقب استقالة يلتسين تحذيراته للشعب الروسي من تولي بوتين هذا المنصب وطالب برحيله ونادى بعدم انتخابه في مارس المقبل وجينادي لا يحظى بشعبية على المستوى الجماهيري لكنه يتمتع فقط بدعم كبير من طرف الحزب الشيوعي وانصار الشيوعية, لكن الغالبية في المجتمع الروسي تنظر له بوصفه الرجل الذي لا يناسب هذا العصر فأفكاره مهترئة لكنه يحمل في جعبته مفاجآت قد تمكنه من اللعب بعواطف المواطنين, خاصة الوتر الحساس الذي له رنين لدى المواطنين وهو ان الغرب حطم الشيوعية في بلاده ليتركه في العراء دون اية مساعدة, وهناك ألكسندر ليبيد الجنرال السابق الذي يتبوأ منصب الحاكم في كرانسيارسك فهو الآن بعيدا عن مراكز المنافسة والقوة في موسكو, وفقد استخدام خشبة القفز للاقتراب من لعبة القوى السياسية حيث انخرط في الارادة السياسية المحلية في منصبه, اما يوري لوجكوف عمدة موسكو فهو يحظى بشعبية لا بأس بها, لكن احلامه في ان يحكم روسيا مواطن من موسكو تصطدم بواقع الفيدرالية الروسية, وان اكبر موازين القوى التي ترجح كفة نجاح الرئيس القادم لا تأتي من العاصمة. * ما هي استراتيجية بوتين السياسية مع الغرب؟ ـ استقالة يلتسين هي نقطة تحول في السياسة الخارجية لروسيا ستتضح افرازاتها بعد الانتخابات الرئاسية, وهذا التحول ليس خاصاً لأن بوتين هو الذي في الصورة الآن بل التحول موجود حتى في ظل اي شخص آخر محل بوتين, فقد اكتشف الشعب الروسي ان نجاح يلتسين في انتخابات الرئاسة عام 96 اضر روسيا, وان المستشارين الأمريكيين قدموا المساعدات لبقاء يلتسين رئيسا, لكن تتسم شخصية بوتين بالشيفونية الروسية وان كان لا يظهر هذا بوضوح, ومن المتوقع ان تشهد علاقات روسيا خاصة بالاتحاد الاوروبي تغييرات وسوف لا يقوم بوتين بتقديم لائحة مطالب للغرب كما لن يقدم فروض الطاعة لكنه سيخرج العصا من وراء الباب ويعيد بناء الاستخبارات الروسية التي تدين لها بالولاء, كما سيسعى لايقاظ المشاعر القومية وسيعيد حساباته السياسية مع الغرب على اسس جديدة ولقد بدأ بوتين يلوح بالفعل بأن روسيا لا تزال قوة نووية, وسيعتمد على كل ما سبق ذكره في جذب الشباب صغار السن بأفكار جديدة وشروط جديدة للتعاون مع اوروبا الغربية, فالخط الفاصل الجديد في أوروبا على الحدود الشرقية في بولندا سيؤدي الى لجوء الرئيس الجديد لروسيا الى ابتلاع روسيا البيضاء, كما انه من المتوقع حدوث مشاكل يبن الغرب وروسيا لمعرفة الأخيرة بأن أوروبا تسعى لفرض نفوذها على منطقتي دول البلطيق والبلقان تحت مزاعم المساعدة من اجل الاستقرار, ايضا ستسعى روسيا مستقبلا لوضع اوكرانيا تحت نفوذها وتقديم اغراءات استراتيجية لها, ولو نجحت في ذلك فمن الممكن حدوث ازمة سياسية بين روسيا والغرب ربما تكون نواة حقيقية لحرب باردة جديدة.