في كل حادثة مرضية او سياسية كان العالم ينتظر من الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين الدفاع المستميت عن كرسي السلطة وعرش الرئاسة, واذا كانت الخطوة الاخيرة التي اتخذها يلتسين بتخليه عن الحكم تعد مفاجأة من الوجهة النظرية إلا ان هذه الخطوة بحقيقتها العملية هي ليست كذلك, بل انها دفاع مستميت ولكنه من نوع مختلف هذه المرة, فهو دفاع عن السنوات الكاملة التي قاربت العقد من الزمن في كرملين السلطة منذ عام 1991, بل انها دفاع عن المستقبل اليلتسيني والعائلة الروسية الحاكمة التي عاشت في الفضائح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية منها متمثلة بغسيل الاموال والفساد الاداري والرشاوى وفساد القيادة العسكرية التي استطاع يلتسين تصفية نفوذ كبار ضباطها او من ما زالو يحلمون بالشيوعية حتى في نومهم ليضمن بذلك القوة الاولى وهي العسكر وتكون المدافع الاول والاخير عن عائلته. اللعبة الجديدة اعتاد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين تغيير حكومته كما يغير ربطة عنقه التي باتت تستورد من الغرب فخلال فترة حكمه غير ست وزارات وفي عام واحد قام بأربعة تغييرات آخرها سيرجي ستيباشين وبعد مئة يوم فقط من تعيينه حل فيها اخيرا فلاديمير بوتين, ولعل سبب هذه التغييرات باتت الآن واضحة فهو يطمح لرئيس مستقبلي يضمن استمرارا لسياسة يلتسين بعد مغادرته السلطة, فاهتدى اخيرا الى بوتين الذي اطمأن لولائه وقوته في محاربة من يود محاسبة الرئيس السابق, ولم يخيب بوتين الظن فكان اول مرسوم له بعد تسلمه السلطة بالوكالة هو مرسوم الحصانة الذي يمنع تعرض الرئيس المستقيل لاي تحقيق جنائي او اداري كما يقضي بعدم امكانية توقيفه او استدعائه للاستجواب: ولعل هذا المرسوم يحمل دلالة كبيرة عن الحياة المستقبلية التي سيحكم فيها بوتين البلاد. وتتجلى هذه السياسة بإبعاد الحياة السياسية النظيفة عن الرئاسة القادمة لروسيا اذا ما تزعمها بوتين كونه بدأ يتناسى ما حل بروسيا من خراب على ايدي عائلة الفساد المتمثلة بالرئيس المستقيل وابنته تاتيانا دياتشنكو مستشارة شئون الاتصالات التي ابعدها بوتين فور تسلمه السلطة ليقدم هدية للشعب الروسي ومن العائلة ايضا الراعي السابق لعملية الخصخصة اناتولي تشوبايس ورجل المال رمان ابرامو فيتش ورجل الاعمال الطامح بالرئاسة بوريس بيريزوفسكي إلى آخر القائمة التي بلغت حوالي اربعين شخصية مسيطرة على الاقتصاد الروسي والمراكز الحساسة فيه. وبطبيعة الحال فإن الرجل المريض استعاد لحظات الانعاش ليقدم لعبته الاخيرة التي تخدم مصالح العائلة, فما كان منه إلا ان تنحى عن السلطة لرئيس وزرائه وبتوقيت مدروس لمصلحة الاثنين, فالدستور الروسي يحدد ثلاثة اشهر فقط يتسلم خلالها رئيس الحكومة منصب الرئيس بالوكالة تمهيدا لاجراء انتخابات رئاسية, لذلك استغنى يلتسين عن الاشهر القليلة المتبقية في حوزته كرئيس لان موعد الانتخابات المقرر قبل استقالته كان في يونيو 2000 وضمن هذا الوضع سيصبح في نهاية مارس من العام الحالي وهذه اللعبة هدية حقيقية قدمها يلتسين لبوتين, وبذلك يصبح من الصعب على المرشحين في الكرملين جمع 500 الف توقيع للدخول في معركة الانتخابات الرئاسية التي كانت ستشتعل في يونيو 2000. معركة المستقبل الشيشان اليوم هي معركة روسيا كشعب ومعركة انتخابات للسلطة وما جرى هو انقلاب هادىء!! يصب في مصلحة عائلة الفساد. جاء بوتين متناسيا الدين الروسي العام الذي بلغ 150 مليار دولار والديون المترتبة على الدولة للموظفين والتي بلغت 10 مليارات دولار وهذا القادم هل يستطيع تحمل المافيا وتبييض الاموال والرشوة والفساد الاداري وغياب سيطرة القانون والسلطة الداخلية, وهل سيقف بوجه المافيا التي بلغت معاملاتها حوالي الف مليار دولار, اي انها تجاوزت حجم معاملات تجارة النفط في العالم؟! وهل يستطيع بوتين ان يوقف التحقيق الذي امتد ومن اجل الاموال الى واشنطن وبون والبنوك السويسرية وصندوق النقد الدولي؟! وامام كل ذلك كيف يفكر بوتين بالجيش والحرب والاقتصاد والسياسة داخليا وخارجيا؟ لعل الخطاب السياسي الذي يحمله بوتين يقرأ من خلال منظومة الاحكام التي يطلقها حاليا واطلقها سابقا وليس الحراب التي قدمها للجيش في الشيشان فور تسلمه السلطة إلا تعبيرا عن عودة جوزيف ستالين الذي اطاحت حرابه برؤوس الثورة البلشفية مما يعني في النهاية عودة الى الشوفينية المتطرفة بتجليات السلطوية السوفييتية القديمة مع ان تلك السلطة كانت لها نجاحاتها على المستوى العالمي الخارجي كحد ادنى, ولكن بوتين يعلن وفي زمن العولمة وتحديدا في ديسمبر الماضي ان الديمقراطية الغربية لا تلائم روسيا الآن فهل هذا الاعلان عودة لجهاز الاستخبارات السوفييتي (تشيكا) الذي اسسه لينين والذي قال عنه بوتين (الاجهزة الامنية كانت دوما حامية للمصالح القومية الروسية) . الواضح ان الرئيس الروسي بالوكالة يعي ذلك عن قناعة وهو رجل المخابرات السابق والمتمرس فيها ولكنه الآن يعيش حالة من الضياع العسكري وان كان قد وعد بزيادة الانفاق على الجيش بنسبة 57% وطبعا على حساب الشعب الروسي المعدم اقتصاديا وفكرته حول ذلك تتمثل بقوله (ان تطوير الاقتصاد الروسي يحتاج الى تعزيز الصناعة العسكرية) . وهي التي كانت السبب في الانهيار الروسي كما هو معروف. اذن الرئيس الحالي بالوكالة او اي رئيس اخر ينظر الى التحديات العسكرية على انها محور النهوض الروسي, والواقع ان ذلك صحيح ولكن يجب ان يرتبط بالنمو الاقتصادي الروسي وليس على حسابه, فالجيش الآن يعيش حالة من الفوضى وضياع القدرة وخاصة بعد تفكك الجيش السوفييتي واختلاف اشكال الخطر الذي تطور عن اشكاله التقليدية اثناء الحرب الباردة ليدخل اليوم في شكل جديد لا يكترث بما يحصل بموسكو من ضياع للانضباط العسكري وفساد في صفوفه بل لا يكترث لتقليدية الجيش الروسي الموروثة عن الاتحاد السوفييتي السابق وبمعنى آخر فإن البنية العسكرية القديمة اصبحت الآن المهدد الرئيسي لامن موسكو فلذلك يتحتم على الرئيس القادم مجموعة من النقاط اهمها: 1 ـ تغيير بنية القوات الروسية واعادة صياغتها من جديد لتكون الضمان الرئيسي للامن الروسي الخارجي والداخلي. 2 ـ عدم الاستسلام الى تنامي القوة العسكرية على حساب القوة الاقتصادية كما حصل في الاتحاد السوفييتي وهذا يتطلب اولا اعادة البناء الاقتصادي السليم رغم صعوبة ذلك الآن. 3 ـ تحديث الجيش تقنيا ليتماشى مع متطلبات العصر وصنع اصناف جديدة تتجاوب مع تقنيات عصر العولمة. 4 ـ اختيار كوادر الجيش وافراده وتحسين اوضاعهم الاقتصادية وبالمقابل اعطاء الاولوية للانضباط العسكري. 5 ـ صحيح ان روسيا تهدف الى ازالة السلاح النووي من العالم لكنها يجب ان تتطلع الى هذا الامر من زاوية تعزيز الكفاية العسكرية. 6 ـ وصحيح ان روسيا قد قدمت صواريخ (توبول. م) الباليستية العابرة للقارات وادخلتها الخدمة لعامين قادمين وجربت نوعا جديدا منها سمي بسلاح القرن 21 إلا ان ذلك لا يمكن إلا ان يكون مؤشرا بسيطا لا يؤخذ بعين الاعتبار أمام ما كانت تملكه من قدرات عسكرية ارهبت اوروبا والولايات المتحدة قبل انحلال الاتحاد السوفييتي. وقد يقول البعض ان روسيا ليست بحاجة الى تطوير ترسانتها العسكرية ولكن المعطيات تدل على ان روسيا تواجه اشكالا مختلفة من الاخطار الحربية ظهرت مقدمتها بعد انهيار حلف وارسو وتنامي سيطرة الناتو الذي ضرب عرض الحائط بكل القرارات الدولية وتدخل بشكل مباشر دون الارادة الدولية في يوغسلافيا. اضافة الى ذلك فإن احتمالات التوتر الداخلية والحدودية ما زالت قائمة في الشيشان كما يجري الآن وداغستان وأوستينا الشمالية وانجوشيا واذربيجان وجمهورية الشركس, وهذه التوترات يمكن في اي لحظة ان تشتعل وترهق روسيا التي ارهقتها حرب الشيشان الاولى والثانية. الحسابات الانتخابية على الرغم من ان الرئيس السابق بوريس يلتسين والرئيس الحالي بالوكالة قد وضعا مخططاتهم بدقة مرسومة إلا ان ذلك لا يمنع من تحديات ذات طابعين الاول استراتيجي والثاني فردي فالتحدي الاول يتمثل في الحرب الشيشانية الدائرة بكل ابعادها والتوترات المستقبلية التي يمكن ان تنشأ في القوقاز فروسيا تريد اعادة هيبتها في القوقاز ليس فقط من اجل الهيبة, بل من اجل النفط الذي تراه يهدر امام اعينها ولغيرها, ولعل الشيشان كانت الضحية التأديبية لكل خارج عن طاعة الحكومة الروسية. وليس من المستبعد ان ينهي الجيش الروسي الحرب قبل موعد الانتخابات بوقت قليل ليزيد من شعبية بوتين, وليس من المستبعد ايضا ان يعاد احياء خط النفط المنغلق من اذربيجان وصولا بداغستان وملتفا على الشيشان وهو الذي اوقف نتيجة الفساد ولكن يمكن له الآن ان يعاد احياؤه من جديد ليدخل الشيشان مختصرا مسافات شاسعة رغم حظر هذا الدخول في الشيشان, وفي النهاية لابد ان يصل الى البحر الاسود ويصب امواله في الخزينة الروسية التي اكلها الغبار. هذا الحلم ما زال واقعا رغم كل شيء بل لعل بوتين سيحاول احياء القناعة الشعبية الروسية بهذا المشروع وخاصة امام التوقعات التي تشير الى انتصاره النفسي في الشيشان, واذا ما تمكن بعد حسم الامر لصالح روسيا وهو امر ليس مستبعدا فإنه سيضرب اربعة عصافير بحجر واحد, الأول تحقيق الانتصار في الشيشان والثاني ضرب الوجود الامريكي في اذربيجان وهو وجود هجومي في بحر قزوين مدعوم من الشركات الامريكية التي خصصت حوالي 30 مليار دولار للاستثمارات النفطية ساعية لمد انابيب بترولية عبر اذربيجان وجورجيا الى ميناء جيهان التركي ويضرب بذلك التفكير الايراني بموضوع نفط القوقاز, والثالث اعادة فكرة الاتحاد الروسي والتقارب الاوكراني الذي تخشاه بشدة الولايات المتحدة, اما الرابع وهو الاهم لشخص بوتين فهو فوزه بكرسي الرئاسة من خلال مشروعه الانتخابي المبني على تلك الاسس والذي يضرب بالمقابل المنافسين المتوقعين له, واهمهم رئيس الوزراء السابق يفجيني بريماكوف الذي اعلن في الانتخابات البرلمانية السابقة انه سيتفرغ لمعركة الرئاسة القادمة, وزعيم الحزب الشيوعي جينادي زيجانوف الذي استطاع في الانتخابات البرلمانية ان يعمل بهدوء وخاصة في المناطق المتضررة من الاصلاح الاقتصادي الفاشل وهو الذي حقق نسبة جيدة من المقاعد مع الاحزاب القريبة منه. ولا ننسى الكسندر ليبيد الذي انهى الحرب الشيشانية الاولى باتفاق اغسطس 1996 وكان ثالثا في انتخابات الرئاسة 1996 ثم ايد يلتسين في جولة الاعادة اضافة الى كونه يحمل شعارات مكافحة الفساد وملاحقة المافيا, واذا كان يوري لوجكوف عمدة موسكو قد اتهمته وسائل الاعلام الروسية الرسمية اثناء الانتخابات البرلمانية السابقة بالاف الجرائم محاولة اسقاط كتلة الوطن كل روسيا إلا ان حظه اذا ما دخل الانتخابات الرئاسية سيكون وافرا او كحد ادنى يستطيع ان يؤثر على الاصوات التي ستنتخب بوتين, ومن الممكن ان يكون رجل الاعمال بوريس بيريزوفكسي احد المرشحين المؤثرين رغم الولاء المتبادل مع بوتين وبطبيعة الحال نبقى امام احتمالات يمكن ان تكون واقعية اذا ما كانت انتخابات الرئاسة القادمة واقعية وديمقراطية وهذا مستبعد كون المؤشرات الاخيرة لا تشير الى ذلك نهائيا وخاصة انها توضحت في الانتخابات البرلمانية الماضية والتي سخر الكرملين لاجلها الموارد الاقتصادية واستفز الاعلام لمصلحة المرشحين الموالين للسلطة واعاد احياء شوكة اليمين بعد ان انكسرت وشكلت من جديد كتلة الوحدة اليمينية بزعامة سيرجي تسويجو وزير الطوارئ وكل ذلك كان يجري على حساب الشعب والتلاعب بعواطفه الذي لا يزال قائما والذي رفع شعبية بوتين التي لم تتجاوز 1% عند تسلمه منصب رئيس الوزراء. فهل اللعبة الانتخابية الرئاسية القادمة ستكون مكشوفة كسابقاتها ام ان موسكو ستزينها الديمقراطية التي يراها بوتين انها لا تناسب الشعب الروسي الذي كافح طويلا وناضل في ظل الاتحاد السوفييتي السابق ومع البيروسترويكا التي ارهقته الى حد الاجهاض محاصرة الاحلام في قمقم الانفتاح الفاشل الذي دمر حتى الفكر الروسي بكل اشكاله؟! * كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق