احدى القصص الشائعة في ادبيات التجسس ان رئيس جهاز المخابرات في دولة كبرى كان يشك في ان احد المسئولين السياسيين في بلاده على علاقة بجهاز مخابرات دولة كبرى في حالة عداء مع بلاده... تمت مراقبة الرجل بدقة... ولسنوات طويلة لم يتم اكتشاف اي مسلك يوحي بأن هذا المسئول جاسوس ... عندما اقترب اجله, جاءه رئيس جهاز المخابرات ليسأله على فراش الموت سؤالاً وحيداً ظل يؤرقه طيلة حياته... قال له: صارحني هل كنت تتجسس لحساب دولة اجنبية؟ رد بهدوء نعم. عاجله بسؤال اخر... ولكننا كنا نراقبك طيلة الوقت ولم نتمكم من ضبط اي شيء يدينك, فكيف كنت تتجسس؟ رد المسئول: ان جهاز مخابرات الدولة المعادية عندما جندني طلبوا مني شيئاً وحيداً وهو ان ابذل كل جهدي لوضع الرجال غير المناسبين في الاماكن والوظائف والاعمال التي لا تناسب مستوياتهم وعلومهم وتخصصاتهم! قال رئيس جهاز المخابرات: الان فهمت دورك التخريبي والخطير, ثم انصرف, ومات الجاسوس بعد ان ساهم في تخريب ما امكن تخريبه. هذه القصة تشبه الى حد كبير ما فعله يلتسين في روسيا منذ بداية التسعينيات وحتى استقالته نهاية ديسمبر الماضي مع فارق ان يلتسين لم يثبت عليه حتى الآن انه كان جاسوساً لدولة اجنبية رغم أن البرلمان الروسي (الدوما) حاول محاكمته وعزله بتهم عديدة من بينها الخيانة العظمى.. لكن المفارقة الصارخة هنا هي ان اعدى اعداء روسيا لو انفقوا مليارات الدولارات وجندوا ملايين الجواسيس والعملاء ما استطاعوا تحقيق ما فعل هذا الرجل بروسيا. تسلم بوريس يلتسين رئاسة روسيا رسمياً في 12 يونيو 1990 وقتها كان الاتحاد السوفييتي الذي شكلت روسيا 80% من مساحته و70% من انتاجه دولة عظمى تشارك الولايات المتحدة قيادة العالم عبر ترسانتها العسكرية النووية والتقليدية, ومساعداتها المتنوعة لبلدان الكتلة الشرقية, ودول متعددة في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية, ومساندتها لقضايا التحرر الوطني في غالبية بلدان العالم الثالث, ناهيك عن تراثها وانتاجها الثقافي والفني والادبي.. صحيح ان الاتحاد السوفييتي كان من زاوية ما عنواناً للشمولية السياسية والرؤية الواحدة الجامدة والانتهاك المنظم لحقوق الانسان ومعاداة الاديان والافكار المتحررة, الا ان هذا البلد في المحصلة النهائية مثل حائط صد في وجه الانفراد الامريكي بالعالم.. هذا الانفراد الذي اصبح الآن الهاجس الذي يؤرق غالبية العالم ليس في البلدان الفقيرة والنامية فحسب بل والمتقدمة احيانا.. ذلك كان حال الاتحاد السوفييتي وفي القلب منه روسيا.. تركها يلتسين منذ ايام اشبه بالخرابة التي ينعق فيها البوم.. دولة مترهلة على شفا الافلاس مالياً بمعدل تضخم يزيد عن 84%, وفقدان الروبل لاي قيمة شرائية مما جعل المواطنون يعودون لسياسة المقايضة, 28% من سكان روسيا 146.5 مليون نسمة, تحت خط الفقر, البطالة تزيد عن 11% طبقاً لاحصائيات رسمية و20% طبقاً لاحصائيات غير رسمية, عجز الموازنة يزيد عن 23 مليار دولار, فقدان القدرة على سداد الديون المتراكمة والنهم لقروض جديدة, معدل نمو اقل من 1%. وقد تكون الارقام رغم بيانها لا تدل على الحالة الحقيقية التي وصلت اليها روسيا.. فحلم غالبية مواطنيها هو الهجرة بحثاً عن فرصة افضل للحياة وهكذا وجدت اسرائيل فرصتها الكبرى لاستيراد مستوطنين جاهزين ومؤهلين علمياً, ووجدت امريكا فرصتها ايضا في اقناع غالبية علماء الاتحاد السوفييتي السابق بالهجرة اليها مقدمة لهم افضل الاغراءات بعد ان عجزت دولتهم عن صرف مرتباتهم الضئيلة, وهكذا فقدت روسيا في سنوات يلتسين العشر عقلها المفكر المتمثل في علمائها وادبائها ومفكريها, جنودها الذين لا يصرفون مرتباتهم منذ شهور يجمعون الثمار الملقاة في الحقول او يعودون من الشيشان جثثاً في توابيت, بناتها او جزء كبير منهن تحولن الى الوقود الرئيسي في محارق الدعارة العالمية.. والنتيجة النهائية ان موسكو اصبحت عاصمة المافيا العالمية, وتحولت روسيا من دولة عظمى الى دولة تتسول المعونات والقروض من العواصم الكبرى ومؤسسات التمويل الدولية. التفاصيل عن الحالة التي وصلت اليها روسيا في عهد القيصر الجديد يلتسين هي التي دفعت الدوما مراراً لمحاولة عزله ومحاكمته بتهمة الخيانة العظمى وتوريط البلاد في حرب عبثية في الشيشان وارتكاب جرائم متنوعة حولت روسيا الى مستنقع للفساد والحكم القائم على اباطرة المال والمافيا (الاوليجارشيين) لكنه في كل مرة كان يخرج كالشعرة من العجين وينجو بفارق اصوات قليلة. لكن السؤال لماذا نتحدث عن يلتسين الان باعتباره من صناع الحدث رغم انه استقال رسمياً من رئاسة الاتحاد السوفييتي بنهاية الالفية الثانية طالباً الصفوح من الشعب ومعيناً فلاديمير بوتين رئيساً بالوكالة؟ الاجابة هي انه رغم خروجه من واجهة الضوء فان دوره عبر رجاله مازال مستمراً وطبقاً لراديو فرنسا الدولي فانه (رحل ليبقى) وتم تخصيص مكتب له في الكرملين بجهاز صحفي واخر امني وثالث للبرتوكول, وسيدير مؤسسة تمولها الرئاسة ليصبح لقبه الرئيس الاول لروسيا.. زيارته الاخيرة للقدس المحتلة لحضور الاحتفال بعيد الميلاد لدى الارثوذكس وتصريحاته عن الحرب في الشيشان تدل على انه لا يتعامل مع نفسه باعتباره رئيساً سابقاً, وربما كان الوصف الاقرب للحقيقة حتى اشعار آخر ان يلتسين سيدير روسيا من وراء الستار سواء بنفسه او عبر حاشيته, قد يضطر بوتين كي يحسن صورته لدى الجماهير قبيل الانتخابات الرئاسية في مارس المقبل لطرد بعض الرموز المتعفنة من حاشية معلمه الاول مثلما فعل مع ابنته تاتيانا.. لكن الاجماع الاكبر لدى المراقبين ان بوتين لا يستطيع السير في المشوار حتى اخر الشوط, والسبب ببساطة ان الذين اتوا به الى الكرملين اولاً ثم الحكومة ثانيا والرئاسة بالوكالة ثالثاً, والذين يستعدون للوقوف خلفه كي يصبح رئيساً منتخباً هم المتهمون الرئيسيون بالفساد او يمثلون حسب احد المعلقين في الغرب (لصوصية النخبة) . ولكن من هو ذلك الرجل الذي مرمغ كرامة روسيا بين كل الامم وفعل في حقبة واحدة ما عجز كل العالم ان يفعله ببلاده طوال مئات السنين خصوصاً اثناء الفترة الشيوعية التي استمرت من عام 1917 حتى عام 1990؟ بكل المقاييس فان شخصية يلتسين غير تقليدية.. وهو ليس ساذجاً كما وصف نفسه في خطاب الاستقالة طالباً الصفح من شعبه عندما قال انه تصور نقل روسيا إلى دولة متقدمة عبر قفزة واحدة.. الساذج لا يستطيع تحطيم امبراطورية بحجم روسيا, ولا التشبث بالسلطة مثلما فعل.. لو كان ساذجاً حقاً لاستقال من رئاسة البلاد بعد شهور عندما بدأت ملامح الانهيار القادم لاكبر دولة من حيث المساحة في العالم. ولد بوريس نيكويفتيش يلتسين في الاول من فبراير 1931 في قرية بوتكا الصناعية, تغير اسمها الان الى يكاتر ينبرج بمنطقة سفردولوفسك بالاورال الاوسط.. والداه كانا يعملان بالزراعة ويقيمان في كوخ.. والد يلتسين الذي قضى 3 سنوات بالسجن لتذمره من سياسات ستالين اثناء العمل كان دائم الضرب لابنه حسبما روى الاخير فيما بعد.. ترك قريته الى مدينة سفردولوفسك لدراسة الثانوية ثم تخرج مهندس انشاءات من معهد كيروف بالاورال.. وفي هذه الفترة تعرف على الفتاة تاينا التي صارت زوجته فيما بعد.. في شبابه ايضا كان رياضياً ويمارس الكرة الطائرة كثيراً, ويعشق القيام بالرحلات الطويلة سيراً على الاقدام مع رفاقه الى الغابات. ظل يلتسين يعمل في مجال البناء والهدم ـ ربما كان يتدرب لهدم الاتحاد السوفييتي فيما بعد ـ حتى احترف لعبة السياسة عام 1976 بعد ان كان عضواً في الحزب الشيوعي.. لكن في هذا العام اصبح مسئولاً للحزب في مدينة سفرولوفسك ثم عضواً في اللجنة المركزية للحزب عام 1981. وفي ديسمبر 1985 حدثت النقلة النوعية في حياته السياسية عندما استدعاه الرئيس ميخائيل جوربا تشوف ـ مهندس تفكيك الاتحاد السوفييتي ـ كي يصبح سكرتيراً اول للحزب الشيوعي في موسكو.. بعد ذلك بثلاثة شهور ترقى الى منصب العضو المناوب في المكتب السياسي للحزب وبالتالي دخل مجلس السوفييت الاعلى. الصدمة الاولى الكبرى في حياة يلتسين حدثت في نوفمبر 1987 عندما تم عزله من منصبه لانتقاده بطء البرنامج الاصلاحي لجوربا تشوف خلال اجتماع عام للحزب الشيوعي.. هذه الصدمة جعلته يعيش سنتين عجافاً ورغم انه يصف نفسه بالمتمرد والعنيد ودخوله في معارضة مفتوحة مع النظام فان حبه للسلطة فاق قدرته على العند وشهدت هذه الفترة اصابته بالازمة القلبية الاولى بعد ابتعاده عن الاضواء وهو الامر الذي سيتكرر بكثرة فيما بعد ولن ينسى يلتسين ابداً للحزب الشيوعي انه استدعاه من المستشفى وهو مصاب كي يحقق معه فيما بدر منه من انتقادات. في عام 89 عاد يلتسين للحياة السياسية بعد انتخابه نائباً واصبح يتزعم ما يسمى بالمعارضة الديمقراطية, بعد ذلك بعام انتخب نائباً في برلمان روسيا الاتحادية عن مدينته سفردولوفسك.. ولم يمض إلا شهر واحد على انتخابه رئيساً لبرلمان روسيا الاتحادية في 12 يونيو1990.. الا وكان يلتسين يترك عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي مثيراً ضجة كبرى خلال المؤتمر رقم 28 للحزب في 12 يوليو. بعد ذلك بعام كامل وفي 12 يونيو 1991 يتم انتخاب يلتسين رئيساً لروسيا الاتحادية ليصبح اول رئيس لروسيا ينتخب مباشرة من الشعب بعد مئات السنين من التي تعاقب فيها على روسيا حكم المغول والغزو الشامل من السويد وفرنسا والمانيا والقياصرة والفترة الشيوعية. نجومية يلتسين الحقيقة لم تبدأ الا يوم 20 اغسطس 1991 حينما صعد فوق دبابة متصدياً لبعض قادة الدولة من الحزب الشيوعي الذين حاولوا الانقلاب على جورباتشوف ووقف سياستي (اعادة البناء والمصارحة) اللتين اعتمدهما الاخير وأديا عملياً الى (الهدم والفساد) ... نجاح يلتسين في التصدي للجنرال يانايف ورفاقه الشيوعيين في الانقلاب الهزلي.. وبث صورة عبر وسائل الاعلام وهو فوق الدبابة دفعا به ليصبح نجماً شعبياً لدى قطاعات واسعة داخل روسيا كانت تحلم بالحرية مع رغيف الخبز.. لكنه اصبح (نجماً فوق العادة) لدى واشنطن والغرب باعتباره منع عودة البعبع والعدو اللدود مرة اخرى. هذه الخدمة التي لا تقدر بثمن حولها يلتسين الى قانون حينما حل المكتب السياسي للحزب الشيوعي وكذلك كل مقاره في روسيا في 6 نوفمبر 1991. وبعد ذلك بشهر واحد اعلن مع رئيسي اوكرانيا وروسيا البيضاء نهاية ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي بدون اي اعتبار لجورباتشوف الذي كان حتى هذه اللحظة نظرياً رئيس دولة عظمى! خرج جورباتشوف من الكرملين متسولاً الدولارات في العواصم الغربية نظير محاضرات في الجامعات والمعاهد عن قدرته الخارقة في تحطيم دولة عظمى في زمن قياسي.. ودخل يلتسين بديلاً ليبدأ نجمه في السطوع ويخفت نجم روسيا. .. جاء بايجور جيدار رئيساً للوزراء مدشناً سياسة علاج الاقتصاد بالصدمات التي عمقت الفقر مستجيباً لكل نصائح صندوق النقد الدولي وموافقاً في نفس الوقت على تخفيض الترسانة النووية بمقدار الثلث خلال القمة التي جمعته مع الرئيس الامريكي في ديسمبر 1992. زاد الغضب الشعبي من سياسات يلتسين, فلم يجد الاخير مفراً من التضحية بجيدار ليأتي بفيكتور نشيرنوميردين الذي كان مقبولاً من قوى اليسار, لكنه عملياً واصل سياسات سلفه ونجا يلتسين من المحاولة الاولى لعزله من قبل الدوما. انتهازية الغرب وضحت أشد الوضوح حينما صمت الجميع ضد قرار يلتسين في سبتمبر 93 بحل البرلمان المنتخب منذ عام 1989, وتحولت الانتهازية التي تواطؤ ضد الديمقراطية بصمت الغرب ايضا حينما امر يلتسين باقتحام البرلمان ومهاجمة النواب والمتحصنين ضده من المعارضة في عملية دموية اسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 150 شخصاً. بعد سحق انتفاضة النواب بدأت شعبية يلتسين تتراجع فلا طعاماً وفر للفقراء, ولا حرية وديمقراطية فعلية انجز للباحثين عنها... وبدأ الجميع يتأكد ان ايمان يلتسين بالديمقراطية يشبه ايمانه بالشيوعية خاصة بعد اقراره دستوراً جديداً يزيد من صلاحياته ويخول له حق حل مجلس الدوما.. لكنه لم يفرح كثيراً لان الحزب الشيوعي حقق الاغلبية داخل المجلس. ومع فشله المتكرر داخلياً لم يجد الرئيس الروسي ـ الذي شكل اتحاد دول الكومنولث المستقلة التي تكونت بعد تبعثر الاتحاد السوفييتي ـ سوى الهجوم على الشيشان التي كانت قد اعلنت استقلالها عام 1990. بدأ الهجوم في نهاية ديسمبر 1994 ليستمر 21 شهراً ويسفر عن مصرع 80 الف مدني شيشاني وتدمير العاصمة جروزني واحساس كل المؤسسة العسكرية الروسية بأن كرامتها قد اهينت بفعل تخبط يلتسين وبطانته. خلال هذه الحرب اصيب يلتسين بأزمة قلبية في يوليو 1995.. اجبرته على مغادرة الكرملين لمدة وصلت الى اربعة اشهر, كانت بطانته خلال هذه الفترة هي التي تدير البلاد موجهة السياسات طبقاً لمصالحها. عندما عاد الرئيس المريض وظن البعض انه سيسعى في طلب الراحة وعدم ترشيح نفسه, حسب آمال الجميع, ورغم شعبيته المتدهورة وزيادة النكات الجارحة التي يطلقها عليه مواطنوه فقد فاز بفارق ضئيل عن منافسة الشيوعي صينادى زيجانوف بفضل تسخير كل المعارضين للشيوعية واباطرة المال وقوى الفساد واجهزة الاعلام لاعادة تسويقه مرة اخرى رغم ان 35% من شعبه اصبح تحت خط الفقر .. فاز يلتسين بفترة جديدة وازمة قلبية رابعة مما اضطره لاجراء عملية قلب مفتوح استمرت 7 ساعات قال الاطباء بعدها انه ما كان ليعيش لايام لولا اجراء العملية! استقبل يلتسين عام 1997 باصابة جديدة في الرئتين وكان تشخيص المتحدث باسم الكرملين وقتها انه مجرد زكام حاد ورغم ذلك عاد بقوة للكرملين ليضم اناتولي تشوبايس وبوريس نيمتسون الى الحكومة معلناً بدء مرحلة جديدة من الخصخصة وبيع كل ما هو مملوك للدولة, معقباً ذلك بالاستسلام لمطالب حلف شمال الاطلسي بالتوسع شرقاً ليشمل دول حلف وارسو سابقاً مقابل ضم روسي لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى, وهو الامر الذي دعا بعض المتهكمين في الغرب للقول انها اصبحت (مجموعة السبعة ونصف) اتسع الفقر وزاد الفساد وجرى الحديث عن عمليات منظمة لنهب روسيا بواسطة المافيا المحسوبة على الرئيس.. فلم يجد مفراً من اقالة تشيرنوميردين في مارس 98 ويعين الشاب سيرجي كيريينكو رئيساً للوزراء بعد تهديده للدوما بالحل اذا رفض الترشيح للمرة الثالثة ولم تمض سوى 5 شهور الا واقال كيريينكو الذي فشل في مواجهة تبعات الازمة العاصفة التي ضربت البورصات العالمية الاثنين الاسود وادت الى انهيار الروبل, وحاول تعيين تشيرنوميردين مرة ثانية لكن الدوما تصدى له فاضطر للتراجع للمرة الاولى معيناً يفجيني بريماكوف الصحفي ورئيس جهاز المخابرات ووزير الخارجية السابق رئيساً للوزراء, وهو الترشيح الذي لاقى ترحيباً شعبياً وسخطاً غربياً امريكياً وجزعاً من قبل المفسدين الذين توعدهم بريماكوف بتوسيع السجون كي تستوعبهم خاصة امثال المليونير حامل الجنسية الاسرائيلية بيريزوفسكي. خلال هذه الفترة وبعد انهيار القوى الصحية للرئيس بدأت قواه العقلية تضعف ايضا وتبدو اجاباته مع الصحفيين مشتتة مما دفع كلينتون ذات مرة للضحك علناً على احد ردوده.. زادت معاقرته للخمور, واصبح شارد الذهن, بل واثناء زيارة لالمانيا رفض النزول من الطائرة لانه كان ثملاً وتحول الامر الى فضيحة عالمية وفي زيارة اخرى واثناء حفلة عامة قام بخطف عصا المايسترو ملوحاً بها في الهواء او التحرش ببعض النساء في المناسبات العامة, وسلوكيات غريبة يصعب وصفها لكنها جاءت مسجلة في كتاب وضعه حارسه الخاص كشف فيه عن الجانب المظلم من حياة الرئيس قائلاً انه فكر ذات مرة في الانتحار. حاول بريماكوف تصحيح الوضع عبر فرملة الانهيار.. لكن قدرته كانت تصطدم بحيتان الفساد واباطرة الكرملين, وعشية بدء مناقشة الدوما قراراً بعزل يلتسين فاجأ الاخير الجميع بعزل بريماكوف وتعين سيرجي ستباشين رئيس المخابرات الاسبق رئيساً للوزراء في مايو 99, ومرة اخرى يفلت يلتسين من عزله في الدوما.. وذات صباح وبينما كان ستباشين ذاهباً لمقابلة يلتسين لكي يخبره عن تطورات الوضع في داغستان والقوقاز شكره يلتسين ثم اخبره بقرار اقالته بعد تعيينه بثلاثة اشهر معيناً فلاديمير بوتين رئيساً للوزراء ومرشحاً رسمياً للرئاسة.. ثم يأمر يلتسين بغزو الشيشان مرة اخرى على خلفية التفجيرات التي هزت موسكو والمدن الروسية واتهم الامن الروسي الثوار المسلمين بتنفيذها, ويعتقد البعض الاخر ان الامر برمته لا يعدو سوى مغامرة من قبل اباطرة الكرملين لاشغال الرأي العام بحرب خارجية تحقق هدف الفوز في الانتخابات التشريعية للمقربين من القصر وهو ما حدث فعلاً الشهر الماضي ثم تدفع بالجاسوس السابق بوتين الى سدة الرئاسة وهو الامر الذي يبدو ايضا انه في طريقه للتحقق ولا يهم اذا كان الثمن هو قتل الاف الابرياء في الشيشان وتدمير جروزني مرة اخرى. وبموافقة الغرب وواشنطن ايضاً! وحسب تعبير المعلق السياسي الروسي فان على بوتين كي ينتخب رئيساً ان يحسم الامر في الشيشان دون حمام دم !! وهو المستحيل بعينه فالحرب التي بدأت في سبتمبر الماضي ولم تنته حتى هذه اللحظة لن تكون مجرد نزهة للروس.. وقد يتم تسويتها قبيل الانتخابات الرئاسية بنصر تلفزيوني لمصلحة بوتين وبعدها يجري الحل السياسي. الخلاصة ان يلتسين صاحب القرارات المفاجئة حيناً والمجنونة احياناً والمشهور باحضانه للزعماء نجح في الزج بالاتحاد السوفييتي الى قاع النسيان وتحويل روسيا الى دولة من الدرجة الثالثة.. استقال اخيراً في مفاجأة يعتقد البعض انها قد لا تكون اخر مفاجآته, وهو الرجل الذي تعود ان يظهر فجأة في مكتبه صباح كل اثنين ليقيل رئيس حكومته ثم يعود للمستشفى او حيث تتواجد الفودكا. يقول عن نفسه انه متمرد لكن احد المقربين منه يقول انه متعطش للسلطة وحسب سيرجي بارخومنيكو رئيس تحرير مجلة (ايتوجي) فانه تصديه للانقلابين عام 91 شكل نصره الشخصي ومأساته ايضا لانه فاز في 18 شهراً بمعركة ضد نظام كان يفترض ان تدوم عمراً طويلاً. بعدها لم يعرف ماذا عساه ان يفعل بالسلطة! وقال عنه سكرتيره الصحفي السابق فياتشيف كوستيكوف ان القوة هي فكره وصديقه ومحظيته وعشيقته. وقبيل رحيله مباشرة كانت شعبيته داخل روسيا تصل احيانا الى دون الـ 5%.. خرج يلتسين من المشهد العام بكراهية شعبية غير مسبوقة جعلت الكثيرين يترحمون على ايام ستالين باعتبارها كانت توفر لهم رغيف الخبز. اضر العالم الثالث خاصة العربي بافساحه المجال امام هجرة اليهود السوفييت للكيان الاسرائيلي وسمح للولايات المتحدة عبر سياساته وسياسات جورباتشوف بالانفراد بكل العالم. اما الغرب فيراه بطلاً ولعل افضل وصف لذلك ما ذكرته (وكالة رويترز) وهي تبث تقريراً عن حياته يوم استقالته.. قالت الوكالة الاكثر تمثيلاً في عكس الرؤى الغربية: (ان يلتسين سيدخل التاريخ باعتباره احد العمالقة الذي انهى الف عام من البيروقراطية وهدم الشيوعية واول من تخلى عن السلطة طوعاً, اما الغريب في تقرير رويترز فهو مطالبته لحكم التاريخ ان يتأخر قليلاً بشأن يلتسين حتى تتضح نتيجة الهدف الذي اعلنه وهو (تحويل ديكتاتورية شمولية الى ديمقراطية) اختفى الرجل ضخم الجثة قوي البنية ذو الصوت الجهوري من الكرملين.. لكن اثاره في روسيا والعالم سوف تستمر طويلا حتى يتم اصلاحها.