تبدو الساحة السياسية في السودان مضطربة معقدة وقابلة لاحتمالات شتى من الهدوء والوفاق الى الاضطراب والاحتراب. فمن جانب سلطة الانقاذ بعد ان حاول مجلس شورى الحزب الحاكم احتواء حريق الازمة التي اندلعت بين الرئيس البشير والشيخ الترابي بسبب قرارات الرابع من رمضان التي حل فيها الرئيس البرلمان واعلن حالة الطوارىء وعطل بعض مواد الدستور وذلك بتبنيه بالاجماع (لمشروع المعالجة الشاملة) الذي تقدمت به لجنة (الاصلاح ورأب الصدع) التي يترأسها الدكتور عبدالرحيم علي رئيس مجلس الشورى. وقبل ان تهدأ الخواطر اقدم الرئيس على خطوة اخرى وهي حل الحكومة بان طلب من الولاة والوزراء الاتحاديين والمسئولين في الشركات والمؤسسات الحكومية تقديم استقالاتهم بحجة ان مشروع المعالجة المجاز يقول باعادة تشكيل الجهاز التنفيذي, وقال الطرف الآخر ان كيفية الاستقالات وتوقيتها كان ينبغي ان يكون محل تشاور بين قيادة الدولة والحزب وان الطريقة التي تم بها خرق للدستور ولمشروع المعالجة ولنظام الحزب الاساسي تعتبر خروجا على الالتزام بالشورى والمؤسسية وان من شأنها تصعيد الخلافات القائمة. ويعتبر جناح البشير ان الهيئة القيادية القائمة غير شرعية بدليل ان مجلس الشورى قرر اعادة تشكيلها لذلك يتغيب البشير ونوابه, وبعض الوزراء عن اجتماعات الهيئة التي يدعو لها الدكتور الترابي ـ أمين عام الحزب ويعتبرون انفسهم غير ملزمين بالتشاور معها مكتفين بالتعامل مع رئيس مجلس الشورى ورئيس لجنة الاصلاح وبعضٍ من اعضائها, ثم جاءت بعد ذلك مبادرة دولة قطر التي طلبها الدكتور الترابي وكان مضمونها ان يصبح الترابي رئيسا رمزيا للمؤتمر الوطني بدلا من الرئيس البشير ويخلي منصب الامين العام لشخصية جديدة لا تناكف الحكومة ولكن القصر ـ وربما بتأييد من مصر ـ اراد ان يؤول منصب الامين العام الى الرئيس البشير نفسه حتى يجمع بذلك قيادة الدولة وقيادة الحزب, ويتعارض ذلك مع النظام الاساسي للحزب ومع قرارات مجلس الشورى بأن يبقى كل من الرئيس والامين العام في موقعه بالحزب. استطاع الترابي ان يلهب مشاعر اعضاء مؤتمر ولاية الخرطوم حين خاطبهم بقوله: ان حلقات التآمر قد اكتملت فصولها على السودان وان هناك نية مبيتة لعزله من منصبه وتعيين بديل له وان القصر ضالع في ذلك مع بعض دول الجوار. وضج الحشد الضخم بالتهليل والتكبير تأييدا للشيخ الترابي, ورفضت هيئة القيادة فيما بعد الحل الذي عرضه وزير خارجية قطر وقد تسبب ذلك في تجديد التراشق بين القصر والمؤتمر الوطني وعلى ذات الوتيرة سوف لا يقبل الرئيس استشارة هيئة القيادة في تعيين الولاة والوزراء الجدد إلا إذا أعيد تشكيلها بما يضمن له تمرير مقترحاته باختيار الحكومة الجديدة. تعني هذه التطورات ان مشروع المعالجة الشاملة قد لا يصمد طويلا أمام مجريات الأحداث, وتغيرات المواقع في الأسابيع الماضية فأصبح القصر ـ بعد ان ذاق طعم الانتصار على الشيخ هو الذي يأخذ بزمام المبادرة وينفرد باتخاذ القرارات دون كبير اكتراث بأجهزة الحزب, ويتطلع القصر للسيطرة على اجهزة الحزب كما استطاع ان يسيطر على جهاز الدولة ولن يستطيع الرئيس البشير ان يحقق ذلك دون تنازل طوعي من الدكتور الترابي, فما زالت قواعد الحزب توالي الشيخ رغم الشكوى من اسلوبه في القيادة والتعامل مع الآخرين, ان الأزمة بين أطراف سلطة الانقاذ ما زالت مستحكمة وقابلة للتصعيد حسب مجريات الاحداث, وقد لا تستطيع لجنة الاصلاح ان تحتوي تفاقم المشكلة او ان تبقي على كل من الرئيس والأمين العام في موقعيهما في الحزب, وبالرغم من ان القصر كسب الجولة الاولى ضد الشيخ الترابي الا ان هذا لا يعني ان الحكومة ازدادت قوة بل ربما كان العكس هو الصحيح فإن اهتزاز القاعدة الشعبية المنظمة التي تعتمد عليها الحكومة وحاجتها الى سند خارجي ادى الى اضعاف الحكومة امام الضغوط الخارجية, وأصبح الشأن السوداني مفتوحاً للتدخلات الخارجية ليس فقط في مشكلة الجنوب او في تحقيق الوفاق الوطني بل حتى في توزيع المناصب داخل الحزب الحاكم! ويعاني التجمع الوطني الديمقراطي المعارض تمزقاً وحيرة لا تقل عما تعاني منه حكومة الانقاذ, فقد انتهت اجتماعات كمبالا بوحدة ظاهرية واختلاف حقيقي في معالجة ملف الحل السلمي مع الحكومة, فما زالت قيادات حزب الأمة تنعت التجمع بالعجز والتردد وعدم الفاعلية سواء في معارضة نظام الانقاذ أو في الاتفاق معه, ويبدو ان هناك مشاورات منتظمة تدور بين الحزبين الكبيرين (الأمة والاتحادي الديمقراطي) في كيفية التعامل مع سلطة الانقاذ على أساس التقارب الفكري والسياسي بين الحزبين اللذين كونا معاً معظم حكومات الفترات الديمقراطية في السودان, وهما اكثر فصائل التجمع حماسة للمبادرة المصرية الليبية التي يرجوان ان تعيد النظام الديمقراطي التعددي ومن ثم تعيد اليهما نفوذهما السياسي مرة أخرى. أما الحركة الشعبية والقوة اليسارية فإن اجندتيهما لا تتحققان عن طريق حل سلمي مع النظام, لذلك لا يتحمسان إلى عقد مؤتمر جامع مع الحكومة عبر المبادرة المصرية ـ الليبية, فهما يرغبان في اقتلاع النظام بأهدافه وهياكله ورموزه عن طريق عمل عسكري أو انتفاضة شعبية, ونجد ان حزب الأمة هو أكثر فصائل المعارضة حرصا على الحل السلمي واتضح ذلك في الاتفاقية الثنائية التي عقدها الصادق المهدي مع الرئيس البشير في جيبوتي تحت اسم (نداء الوطن) , ويتوقع ان يعود إلى البلاد قريبا عدد من قادة حزب الأمة من الخارج, وقد أتاحت الحكومة قدرا من الحرية لنشاط الأحزاب المعارضة دون ان تلزمها بالتسجيل وفقا لقانون التوالي بل حرصت الحكومة انها بصدد تغيير قانون التوالي وانها ستأخذ في الاعتبار مقترحات أحزاب المعارضة. ويبدو ان ما يربط حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي بأحزاب التجمع الأخرى هو عدم اطمئنان هذين الحزبين لجدية الحكومة في تأسيس نظام ديمقراطي تعددي يسمح بتداول السلطة عن طريق انتخابات عادلة نزيهة, وتشكل التطورات السياسية داخل الحزب الحاكم مصدر حيرة أخرى بالنسبة للمعارضة, هل ستصب هذه التطورات في مصلحة الوفاق الوطني كما يعبر عن ذلك خطاب الرئيس في عيد الاستقلال أم أنها ستكون خصما على الديمقراطية والحرية لأن من ينقلب على حزبه يمكن ان ينقلب على الآخرين ومن يخرق الدستور مرة يمكنه ان يعيد الكرة خاصة وان القاعدة الرئيسية للرئيس البشير هي قاعدة عسكرية وليست سياسية؟! وقد يظن بعضهم ان ما دفع الرئيس البشير إلى رفع شعار الوفاق الوطني وتوسيع دائرة الحريات هو (المزاودة) مع الدكتور الترابي وليس عن قناعة أصيلة ومن ثم يمكنه الرجوع عن ذلك إذا ما حسم قضية منافسته مع الشيخ الترابي وأصبح هو الرجل الأول في الدولة والحزب. وتتعرض أحزاب التجمع لضغوط من مصر وليبيا واريتريا للوصول إلى اتفاق مع حكومة الرئيس البشير حتى يقوي ذلك من موقفه في الصراع الدائر بينه وبين الدكتور الترابي, وقد صمدت أحزاب التجمع دون الانحياز إلى فريق ضد الآخر وربما أعجبتهم هزيمة الترابي لأنه تنكر للعهد الديمقراطي ولأنه رمز لحزب ينافسهم على السلطة, ولكن قد لا تصمد أحزاب التجمع طويلا مع بعضها البعض بسبب اختلاف الأهداف والمصالح والرؤى السياسية والليالي حبالى مثقلات يلدن كل عجيب!