الاحتفالات ببداية الألفية الثالثة كانت مناسبة استثمارية عظيمة لكثير من الأفراد والشركات والمؤسسات, وقد استطاع الآلاف من صيادي الفرص تحقيق أرباح وفيرة لا حصر لها, وكذلك كانت الاحتفالات ساحة عرض للتباهي والتنافس بين الدول عبر محطات التلفزة المشفرة وغير المشفرة لابراز قدراتها التكنولوجية وتعزيز مكانتها الدولية . وحلو ان يستعرض الانسان من وحي الذاكرة بعض فرص الاستثمار المجزية, ومنها تلك المخاوف الكبيرة التي نشأت عن خلل الأنظمة الحاسوبية نتيجة لما سمي (بخطأ 2000) أو (Y2K), وصرنا نخشى من أمور أقرب إلى يوم القيامة خشية حرب نووية تحدث بالخطأ بسبب الخلل في أجهزة الانذار المبكر المتبادلة بين الولايات المتحدة وروسيا, إلى امكانية انهيار أنظمة الطيران, والحجوزات, والتوليد الكهربائي, والخطوط الهاتفية, وفق كل هذا وذاك, هو احتمالات الخلط في حسابات البنوك وضياع الودائع وإغلاق المصارف. وفي كثير من دول العالم تداعى الناس للحيطة والحذر فمنهم من خزن الأطعمة والشراب ومنهم من سحب مبالغ كبيرة من البنوك حتى ان البنوك المركزية في بعض الدول زودت المصارف التجارية بمبالغ نقدية ضخمة لمواجهة زيادة الطلب على السيولة, والبعض اشترى شموعا ووقودا. ولكن الذي فاجأ العالم بعد ذلك كله ان الطيران لم يتأثر, التيار الكهربائي لم ينقطع, والحرب النووية على غرار فيلم (ستانلي كوبرك) الشهير (دكتور ستيرتج لف) لم تتفجر, وان حسابات البنوك لم تتأثر, وان خطوط الطيران التي توقفت آلاف رحلاتها لم تنقطع, فهل كان ذلك كله زوبعة في فنجان, وهل كان الانفاق الذي قدر بين (300ـ 600) مليار دولار لمواجهة (واي تو كى) غير مبرر, بل حيلة كبيرة لاقتناص أموال الغافلين؟ لا أظن ذلك. وماذا عن أولئك الذين جهزوا أنفسهم لنهاية الكون, واقتراب الساعة, وهناك الآلاف المؤلفة من الناس الذين سيطرت عليهم فكرة انتهاء الحياة على الأرض فتزودوا لذلك بالتخزين, والاختباء في مخابئ دفينة تحت الأرض, وكأن شيئا سوف ينجيهم من زلزلة الساعة, وهناك كتاب وضعوا عشرات المؤلفات التي تتنبأ ان الكون سينتهي يوم 5/5/2000, ويعطون الاشارات والنذر لذلك. ثم هناك تجار الهدايا والتحف التذكارية والبطاقات والميداليات والساعات والنظارات التي زينت بتصاميم مبتكرة للاحتفال بالرقم 2000 وقس على ذلك آلاف الأمثلة. أما السياحة الألفية المنتظرة في الأردن وفلسطين فقد ضرت بالحديث عن احتمالات أعمال ارهابية ضد الأمريكان والأوروبيين, ومن قبل عناصر متطرفة من دول عربية وإسلامية يأتون عبر كندا, وقد دفعت المخاوف عمدة مدينة (سياتل) حيث مقر شركة (مايكروسوفت) و(بيل جيتس) إلى الغاء الاحتفالات خوفا من الارهاب, ولذلك لم تتحقق الأرباح المرجوة من السياحة الألفية في الأراضي المقدسة وغيرها. ولكن الأمر الذي فرج الكربة, وخفف من العبوس على وجوه الأردنيين هو المطر الذي أتى بعد طول انحباس بدءًا من ليلة السابع والعشرين من رمضان وحتى يوم الجمعة التالي. وأما السؤال الطريف الذي بقي: هل صحيح ان يوم 31 يناير 1999 هو آخر أيام القرن العشرين والألفية الثانية, وان أول يناير 2000, هو أول أيام القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة, ان الحساب يقول لنا ان الألف عام الأولى التي مرت منذ ولادة السيد المسيح عليه السلام يجب ان تنتهي عند نهاية عام 1000 وان مرور ألفي عام يجب ان ينتهي بنهاية عام 2000 فهل نحن مخطئون في الحساب؟ هل كانت كل تلك الاحتفالات والهيصة والزيطة والزمر والصياح والقبل والأنوار والألعاب النارية والمزامير والصفافير سابقة لأوانها, وهل من المعقول ان يكون الناس جاهلين في الحساب إلى هذا الحد؟ والسؤال الأدهى ماذا لو أفقنا ذات صباح على برنامج تلفزيوني مبثوث من احدى محطات التلفزة الفضائية ليقول لنا اننا احتفلنا باليوم بخطأ مبكر, وعلينا ان نعيد الكرة مرة ثانية, ونحتفل بالألفية الثالثة مرة ثانية. والواقع ان الخطأ لم يبدأ اليوم بل بدأ مع علماء الفلك الذين وضعوا التقويم والرزنامات, فهم قالوا لنا ان العام الأول لولادة المسيح عليه السلام ابتدأ يوم (1/1/1) وليس يوم (1/1/.) وعليه فقد جعلوا عمر المسيح يوم ولادته عاما وليس يوما, وهكذا احتفلنا في نهاية القرن والألفية عاما قبل الأوان. أليست هذه نكتة؟ وهي كذلك, ومن النوع الضاحك الباكي, ولكن الذين عاشوا ليحتفلوا أو ليرقبوا نهاية عام وقرن وألفية وزعوا اهتماماتهم بين قصر النظر في التطلع إلى عام واحد للأمام, وبين توسط النظر في مراقبة القرن المقبل, وطول النظر حيث استجلاء ألف عام مقبلة, ولكن هذا النظر طال أم قصر, ربما أصيب بالاستجماتزم والانحراف. المهم بعد كل هذا, وعند نشر هذه المقالة, سيكون رئيس الديوان الملكي عبدالكريم الكباريتي قد استبدل بالدكتور فايز الطراونة, وان التعديل على حكومة الروابدة قد حصل فكانت التكهنات حوله أكثر اثارة منه نفسه, كأي تعديل حكومي, وكل عام وأنتم بخير.