قامت مجموعة من الباحثين الاسرائىليين والفلسطينيين مؤخرا باجراء استبيان هام حول معلومات ومواقف عينة كبيرة نسبيا من الفلسطينيين على جانبي الخط الاخضر (762 من الضفة الغربية, 438 من غزة, 500 من داخل الخط الاخضر) اضافة الى 500 مواطن يهودي من اسرائيل (هآرتس 4/1/2000). ويتفق المبادرون الى البحث في تقدير عدد اللاجئين الفلسطينيين بما يقارب 3.5 ملايين. وقد كانت أكثر الاجابات دقة حول عدد اللاجئين الفلسطينيين اجابات سكان قطاع غزة الذي يؤلف اللاجئون 70% من سكانه. وتلاهم من حيث الدقة سكان الضفة الغربية. اما اجوبة اليهود الاسرائيليين فكانت بعيدة جدا عن الحقيقة 37.7% منهم اجابوا انهم لا يعرفون العدد, ولكن 31.7% اجابوا ان العدد لا يتجاوز المليون 15.4% اجابوا ان العدد يتراوح بين مليون واحد ومليونين 6.60% اجابوا مليونين الى ثلاثة, وفقط 4.9% قدروا العدد بين 3 ـ 4 ملايين. ولكن الاجابة المفاجئة جدا كانت اجابة العرب في اسرائيل. هذه يجب ان تستفز لدينا اسئلة عديدة حول الثقافة السياسية لدى المواطنين العرب في اسرائىل. فقد اجاب 42.8% انهم لا يعرفون العدد. 19.9% منهم قدروا العدد بمليون لاجئ وفقط 10.6% قدروا عدد اللاجئين قريبا من الواقع 3 ـ 4 ملايين. معلومات اليهود الاسرائيليين غير مفاجئة, واسبابها تتراوح بين عدم المعرفة الفعلي الناجم عن عملية التجهيل الرسمية وبين المعرفة والانكار في الوقت ذاته النتائج عن الرغبة السياسية بتقليل حجم قضية اللاجئين الفلسطينيين. ولكن لا يوجد عذر يبرر للمواطنين العرب في اسرائىل لهذا الجهل المطبق في موضوع اللاجئين الفلسطينيين الذين تنحدر غالبيتهم من داخل الخط الاخضر, ومنهم اقاربهم وابناء عائلاتهم. نقول هذا خاصة على ضوء الموقف السياسي مفاجئ ايجابيا والذي يتبين عند الاجابة عن سؤال من هو المسئول عن نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين, وايضا عند الاجابة عن سؤال حل هذه القضية. 45.4% من الغزاويين و40.7% من الضفاويين الذين سئلوا اجابوا ان الطرفين العربي والاسرائيلي يتقاسمان المسئولية عن نشوء قضية اللاجئين 29.4% من الغزاويين و34.6% من الضفاويين حملوا المسئولية الاساسية لاسرائيل, ولكن 19.3% من الغزاويين و16.5 من الضفة حملوا المسئولية لاسرائيل وحدها. في حين ان 40.6 من العرب مواطني اسرائىل اجابوا ان اسرائىل وحدها تتحمل المسئولية 33% منهم اجابوا ان اسرائيل تتحمل المسئولية الاساسية, وفقط 9.6% ادعوا ان اسرائيل والعرب يتقاسمان المسئولية عن كارثة اللاجئين. ما هو المفاجئ هذه المرة؟ اولئك الذين سئلوا من بين المواطنين اليهود يقتربون باجاباتهم من فلسطينيي الضفة والقطاع ويبتعدون عن المواطنين العرب في اسرائىل 35% من اليهود اجابوا ان العرب واسرائيل يتقاسمان المسئولية, 24.4% منهم يدعون ان العرب يتحملون المسئولية الاساسية و21.1% اجابوا ان الطرف العربي يتحمل المسئولية وحده, 7% اجابوا ان اسرائيل تتحمل المسئولية الاساسية و4.9% ادعوا ان اسرائيل وحدها تتحمل المسئولية (3.7% من الفلسطينيين في الضفة والقطاع ادعوا ان العرب وحدهم يتحملون المسئولية). مواقف الاسرائيليين اليهود ومواقف فلسطينيي الضفة والقطاع تتوزع على نفس النسب تقريبا كأنهم صورة مرآة مقلوبة لبعضهم البعض. وبذلك تلتقي المواقف لدى جزء واسع نسبيا يحمل المسئولية التاريخية للطرفين. ويمثل هذا القطاع الواسع نسبيا رأى اوساط لدى الشعبين تؤيد التسوية الجارية بشكل عام وتميل الى اعادة قراءة التاريخ بموجبها. ولكن موقف المواطنين العرب في اسرائيل التاريخي يفقد اي علاقة بمعلوماتهم. فمن ناحية لا توجد معرفة اساسية بعدد اللاجئين ولكنهم يسرعون في استنتاج النتائج التاريخية واجراء تعميمات سهلة, تبدو لأول وهلة انها تقدير صحيح لأنها اقرب فعلا الى الحقيقة التاريخية (وهي ان اسرائيل تتحمل المسئولية الاساسية), ولكنه تقدير خارج السياقات السياسية لسبب بسيط: انهم خارجها, بالنسبة لحل القضية اجاب 91.1% من الضفة وغزة ان اساس الحل هو قرار 194 الداعي الى العودة والتعويض, كذلك اجاب 61.4% من العرب مواطني اسرائيل وفقط 4.5% من اليهود اجابوا انه يجب توطين اللاجئين في اماكن تواجدهم الحالية, 32.2% اجابوا انه يجوز توطينهم في الدولة الفلسطينية, واكثر من نصف الفلسطينيين على جانبي الخط الاخضر اجابوا انه يجب توطينهم في بيوتهم الأصلية, 29.7% من الضافاويين والغزاويين اجابوا ان عودتهم يجب ان تكون الى الضفة وغزة, 11.2% من العرب في اسرائيل رأوا ان الحل هو توطنيهم في الدولة الفلسطينية. تدل هذه الاجابات رغم كل شيء انه معنويا واخلاقيا على الاقل غالبية الفلسطينيين ما زالت ترى ان حق العودة ما زال حيا يرزق. ولكن هل يتجاوز هذا الحق تمسك الناس به في اجوبتهم على استبيان بحثي لتأكيد موقف؟ ليس المطلوب من الناس ان يتمسكوا بأكثر من الحق الأخلاقي والتاريخي, والمطلوب هو ان تترجم القيادات السياسية هذا الحق الاخلاقي والتاريخي الى موقف سياسي. لقد منح حق العودة للاجئين الفلسطينيين بعد النكبة مباشرة بعد القرار 194 ـ وذلك قبل ان يعترف بالشعب الفلسطيني كشعب, وقبل ان يعترف بحقه في تقرير مصيره, وقيل (م.ت.ف) وفصائل الكفاح المسلح كفصائل لاجئين يقاتلون من اجل العودة, وقبل ان تنشأ فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بوقت طويل. من الواضح انه لا يمكن تحقيق هذا الحق او تطبيقه في اطار مشروع الدولتين: دولة يهودية, ودولة عربية فلسطينية, كيف يعود ثلاثة ملايين لاجئ عربي الى الدولة اليهودية وتبقى يهودية في الوقت ذاته, وبالامكان اضافة عوامل سياسية اخرى تفصيلية واقل اهمية تضع حدودا وحواجز امام تطبيق هذا الحق. ولكن هل تعني فرص تطبيق هذا الحق المحدودة في اطار التسوية السياسية, هل تعني التنازل عنه؟ الاجابة هي لا. قد تختزل اجابة لا التمسك بهذا الحق الى بعده الاخلاقي والتاريخي, ولكن ماذا يعني التمسك به سياسيا؟ وظيفة القيادات العربية والفلسطينية ان تنتظر المناسبة التاريخية في هذه الفترة او بعدها لترجمة هذا الحق سياسيا, وحتى يحين ذلك يجب ان يعيش اللاجئون الفلسطينيون بشكل انساني ومقبول كعرب في دول عربية الى حين توفر الفرصة المناسبة لطرح حق العودة كحق سياسي الذي لابد ان يكون نقيضا لدولة اليهود وليس في اطارها. ولأن هذا الحق لا يمكن ان يطبق في اطار الدولتين فهو لا يمكن ان يكون في اطار التسوية القائمة الا موضوع مساومة على حق العودة وليس تطبيق حق العودة!