تطرح العلاقة التبادلية بين الديمقراطية كنظام دولي وبين العولمة العديد من الاشكاليات التي تتجمع في خطوط تماس بين المفهومين, فالديمقراطية تعني بالضرورة الاستجابة لنظام العولمة الذي افرزته التحولات الدولية الجديدة وصراع المعلومات وانفتاحيتها وتحطيمها لكل الحدود الدولية والقيود التي كانت موجودة من قبل, والعولمة تفرض على النظام الديمقراطي ان يكون صحيحا في آلياته وفعالياته وان يحمل من المرونة ما يؤهله للتماشي مع نظام العولمة, والاشكاليات تتمثل في وجود هياكل شكلية من الديمقراطية في بعض البلدان خاصة بلداننا العربية التي تفتقد الى الاسس الحقيقية من الممارسات الديمقراطية على كافة الاصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية,, مما يخلق صدمات ومصادمات مع نظام العولمة, ويفرز السلبيات اكثر من الايجابيات حال التجاوب وفتح الابواب للعولمة, وحول الديمقراطية والعولمة واستجابة العرب لهذا النظام العالمي الجديد وتداعياته في القرن الجديد والتوجه للانفتاحية والخصخصة وغيرها من التساؤلات. كان لـ (الملف) هذا الحوار مع (مارتين سالومي) المستشار الهولندي للشئون الاقتصادية لمنظمة التجارة العالمية والخبير الاقتصادي ببورصة امستردام. * كيف يمكن توصيف العلاقة بين الديمقراطية كنظام دولي وبين العولمة كنظام عالمي جديد؟ ـ العلاقة تبادلية وازدواجية في ذات الوقت, فهي في المجمل علاقة مركبة ومتداخلة لا يمكن فصل احداها عن الاخر, فاي ديمقراطي في العالم يسمح بنوع ـ وان كان متباينا وفقا لطبيعة هذا النظام الديمقراطي ـ من الانفتاح على العالم, ينطلق هذا الانفتاح من الاقليمية المتمثلة في دول الجوار الى العالمية, وتجبر ثورة العلوم والمعلومات جميع الدول على التجاوب مع العولمة وتذويب الحدود, والتفاعل مع المعطيات الجديدة, التأثير فيها والتأثر بها, والا بقيت هذه الدول في المؤخرة دائما, واصبحت بمعزل عن نظام دولي يفرض اعباء جديدة من النمو والتطور والتقدم لاحداث التوازن, والعولمة تفرض على الانظمة الديمقراطية الهيكلية او بمعنى ادق الانظمة التي تطبق هوامش الديمقراطية دون خبرة او دراية حقيقة بماهية الديمقراطية, او تفصل وتوصف الديمقراطية بما يتلاءم ورغبات القائمين على الانظمة الحاكمة. تفرض العولمة على هذه الانظمة نوعا من التطور السياسي, لان انفتاح الشعوب بهذه البلدان على شعوب البلدان الاخرى التي تتمتع بديمقراطية نوعية حقيقية انما يظهر الفارق بين الديمقراطيتين, ويؤدي هذا في الغالب اولا الى خلل في المنسق السياسي والاجتماعي بهذه الدول, والى افراز القلاقل والغضب الشعبي الذي قد يصل الى حد الثورة في معظم الاحيان, فلم تعد تتوافق مع نظام العولمة انظمة النصف ديمقراطية او الشبه ديمقراطية, واتوقع ان معطيات القرن الجديد سوف تفرض على هذه الانظمة التلاشي والتحول الى انظمة ديمقراطية حقيقية. * بصورة واقعية كيف تقيمون في اوروبا مدى الاستعداد العربي لنظام العولمة, وهل يمكن ان يحقق العرب مكاسب جدية في ظل هذا النظام؟ ـ للدول العربية وضعية خاصة, فهي في نظرنا تتعامل بوجهين, او كما يقال تحاول امساك العصا من النصف, فالعرب يريدون من جانب الاندماج في نظام العولمة وتحقيق مكاسب اقتصادية لهم بالدرجة الاولى, وفي نفس الوقت لا يتأثرون بافرازات العولمة التي تعكسها عليهم الدول المتقدمة او الغربية بمعنى ادق سواء افرازات سياسية او اجتماعية ويندرج تحتها الافرازات الثقافية, فعلى سبيل المثال العرب يؤكدون تحررهم من المفاهيم الثقافية واستجابتهم للتطور الثقافي الحضاري, لكنهم يصرخون ويتشاكون في ذات الوقت من حدوث غزو ثقافي غربي وتأثيره على ثقافتهم, وحتى لا نخلط الاوراق فيجب ان نفصل اولا بين العولمة في جانبها الاقتصادي, اتصور انه لو اقام العرب مشروع اقتصادي موحد ومتكامل على غرار ما اقمناه نحن الاوربيين, لامكن لهم ان يستفيدوا من العولمة الاقتصادية, خاصة وان العولمة ستجعل افضلية السوق للمنتج الجيد والقوي والذي يثبت وجوده, والتنافس في هذا رهيب بين الدول المتقدمة خاصة الغربية وتجدر الاشارة هنا ان دول الاتحاد الاوروبي كقوة اقتصادية واحدة اصبح لها اخيرا مكان وتأثير داخل هذا النظام العالمي الجديد, وهو الامر الذي تستشعره الدول الاوروبية الآن في مواجهتها للهيمنة الامريكية بالمقارنة بالاعوام التي سبقت قيام الوحدة الاقتصادية, فقد كانت امريكا تفرض كل شروطها على اوروبا وتسعى لاقامة اتفاقيات ثنائية مع الدول الاوروبية قد تخل اتفاقية ما بمصلحة دولة اوروبية اخرى, اما مع الاقتصاد الاوروبي الموحد فقد تلاشت تقريبا المصلحة الفردية واصبحت هناك مصلحة عامة تصب في القلب الاوروبي لتعود بالنفع على الجميع, والمواقف الاوروبية الاخيرة تثبت هذا مع امريكا في مشكلة الموز مثلا داخل منظمة التجارة العالمية او مشكلة الدجاج واللحوم الامريكية المحقونة بالهرمونات, او المنتجات الزراعية المهندسة وراثيا وهكذا اصبح لاوروبا صوت مسموع, واذكر هذا المثال لاؤكد انه لو نجح العرب في تسيير مشروعاتهم لخلق سوق عربية مشتركة تكون نواة لوحدة اقتصادية عربية يتم فيه تكاملية اقتصادية بين الدول العربية بعضها البعض, لاعطاهم هذا قوة كبرى في مواجهة هيمنة وديكتاتورية القرارات من الدول الكبرى في ظل العولمة الاقتصادية, واوضح هنا ان مثل هذا المشروع لن يضر بالمصالح الاوروبية كما يعتقد البعض ولن يكون على حساب المنتجات او الاسواق التي تخترقها اوروبا مثلا, بل على العكس فمثل هذا المشروع العربي سيجعل هناك نوعا من الشفافية ووضوح الرؤيا في العلاقات الاوروبية العربية الاقتصادية, فالافضل لنا كاوروبيين ان نتعامل مع كيان واضح الملامح وتكون شروط المنفعة والمصلحة متبادلة بدلا من التعامل مع اطراف مفككة وضعيفة لا تستطيع الوفاء باشتراطات اية اتفاقيات تخل بها تحت اي ظرف لعدم الامكانيات او لسبب آخر. وما قيل عن الجانب الاقتصادي يمكن قوله على الجانب الاجتماعي او الثقافي بصفة خاصة. فوجود مشروع ثقافي عربي من شأنه ان يقي العرب هذا الصراخ من تعرضهم لغزو ثقافي غربي, ويجب ان يعترف العرب انه لم يعد بامكانهم غلق الابواب او سد المنافذ امام تغلغل الثقافات والمعلومات, في عصر اصبحت فيه شبكات الانترنت تدخل كل جانب وكل بيت, ويجب على العرب ان يقبلوا التعامل مع هذه الثقافات والا يديروا لها ظهورهم تحت دعوى الحفاظ على الهوية العربية, فوجود مشروع ثقافي عربي من شأنه ان يحمي الهوية الثقافية العربية, لكنه في ذات الوقت سيكون له القوة في التعامل مع المعطيات التي تفرضها العولمة. * وكيف ترون تأثير الخصخصة على النظم الاقتصادية العربية وتأثر ذلك بنظام العولمة؟ ـ نلاحظ ان بعض الدول العربية والنامية قد لجأت مؤخرا وبزاوية منفرجة الى الخصخصة وذلك املا في الخلاص من خسائر الشركات الحكومية التي منيت بها على مر السنوات الماضية, فان لهذه الخصخصة وجهين, الاول ايجابي وهو الاهم في عرف الدول النامية, والآخر سلبي وهو الامر الذي يجب ان تتنبه له هذه الدول, اما الاول فيتمثل في فتح الباب امام رؤوس الاموال الاجنبية لان تشارك في هذه الشركات المخصخصة, وبذلك يكون للمستثمر الاجنبي المصلحة في الوقوف بجانب وخلف هذه الشركات لدفعها في الاسواق العالمية لتحتل مكانا واضحا, وهو الامر الذي سيعود بالمصلحة على الدول النامية, كما سيتيح هذه الفرصة لتحسين مستوى الانتاج والقدرة على المنافسة العالمية, وهو ما تحتاج اليه الدول النامية بشدة لاحداث نوع من التوازن امام غزو الدول المتقدمة بمنتجاتها للاسواق, اما الوجه السلبي فهو تفريط الدول النامية في المشروعات ذات صفة السيادة الوطنية وجعلها عرضة لهيمنة رؤوس الاموال الاجنبية, لذلك المطلوب هو احداث نوع من التوازن في عمليات الخصخصة, وان يكون للدولة الصفة الاشرافية على الشركات خاصة على الشركات وثيقة الصلة بالسيادة, ثانيا ان يتم التركيز على رؤوس الاموال الوطنية لتكون لها النسبة الارجح في الشركات التي يتم خصخصتها, وذلك ليبقى في النهاية القرار في الخطوط التي تخدم للدولة النامية ولا تخرج عن اطارها, اما ان تتم الخصخصة بدون ضابط او رابط تحت شعار الديمقراطية والعولمة, فهو خطر داهم يجب تدارك خطوط توازنه قبل فوات الأوان. * هل يمكن ان تحقق منظمة التجارة العالمية نجاحا في حماية مصالح الدول النامية مع القرن الجديد؟ ـ دعني اعترف لك كاوروبي ان احادية القطب والهيمنة الاقتصادية الامريكية افرزت خللا خطيرا في معيار التوازن داخل منظمة التجارة العالمية لترجح الكفة في صالح امريكا ضد الدول النامية وحتى ضد اوروبا كقوة اقتصادية ايضا, وساهم في هذا تزايد الشركات الدولية والتي لامريكا نصيب الاسد بها لتسيطر على الاقتصاد العالمي, واوروبا تدرك ذلك وتحاول الدخول في اللعبة بالتالي ليكون لها دور والا فقدت قوة تأثيرها داخل المنظمة, وتحاول امريكا في الغالب توليف بنود اتفاقيات التجارة العالمية لتخدم مصالحها وتفتح من خلالها اسواقا لمنتجاتها على حساب منتجات الدول الاخرى وفي مقدمتها بالطبع الدول النامية واغلاق الاسواق امامها بتحجيم صادرتها, وقد اتضح ذلك جليا عندما حاولت امريكا اثارة ضجة حول نقاط ضعف لدى الدول النامية مثل تشغيل الاطفال دون السن القانوني واسقطت امريكا من حساباتها ان الدول النامية التي تحاول محاصرتها بالانتقادات هي في بداية الطريق الصحيح للوقوف على قدميه وانها بحاجة للدول المتقدمة, فملايين الاطفال التي اثارت امريكا تشغليهم في ظروف قاسية وتعرض صحتهم وحياتهم للمخاطر انما يشكل هؤلاء نسبة من تشغيل عجلات الانتاج في دولهم باجور تتلاءم مع المستوى الاقتصادي لهذه الدول, ومن ناحية اخرى يمثل هؤلاء الاطفال المصدر الرئيسي للدخل في اسرهم المعدمة, ولذلك لا يمكن بصورة نهائية او بتغيير يشبه الطفرة الغاء عمالة الاطفال بقرار واحد للوفاء بالشروط التي تفرضها امريكا, بل يجب ان يتم ذلك تدريجيا وايجاد البدائل عن طريق المشروعات الاقتصادية والدعم وتشجيع الاستثمارات في الدول النامية, لكن الواقع يؤكد ان اكثر من 65% من الاستثمارات في العالم تجتذبها الدول الغنية والمتقدمة, ونحن في اوروبا ندرك ذلك ورغم رفضنا التام لتشغيل الاطفال, الا اننا نحاول ان نساعد الدول النامية بمشروعات تساعدهم وتشغل ايدي عاملة وتعود بالجدوى الاقتصادية على هذه الدول, وهي بالمقارنة بالمشروعات التي تدخل بها الشركات الامريكية مختلفة, فمعظم المشروعات للاتجاهات الترفيهية مثل المشروعات السياحية, لذلك فاستمرار هذه الوضعية واختلال الميزان الاقتصادي الذي تمسك امريكا بطرفه داخل منظمة التجارة العالمية لن يفرز الا مزيدا من السلبيات ضد الدول الفقيرة وتكون النتيجة لحساب الدول الغنية في ظل نظام عولمة لا تقوى دول على دول اخرى في الدخول في منافسة مع تباين مستوى الانتاج بسبب عدم تعادل اليات الانتاج من حيث التقدم والتقنية, ومن هنا تحاول اوروبا فرض نوع من التوازن داخل المنظمة, ونأمل ان يكون هذا التوازن في القرن الجديد لمصلحة الدول النامية.