هل المنطقة العربية على عتبة ترتيب جديد لكل اوضاعها باشراف مهندس امريكي بارع و (مقاول) (اسرائيلي محنك وقوي) ؟الرئيس الامريكي كلينتون قال بعد جولة المفاوضات الاخيرة في واشنطن, نحن الآن نستطيع بحق ان نسلط اعيننا على شرق اوسط جديد ومختلف . وقبل ذلك قال مستشار الرئيس الامريكي لشئون الامن القومي ساندي بيرجر ان الشرق الاوسط على مفترق طرق تاريخية وان قادة المنطقة وشعوبها وثقافتها هي في خضم تحول لم نر مثيلا له قط. وقبل ذلك ايضا, قال شمعون بيريز (وزير التعاون الاقليمي الآن في الحكومة الاسرائيلية والذي كان ولايزال: من ابرز دعاة الشرق اوسطية, والذي من المتوقع ان يشهد دورا كبيرا في المرحلة المقبلة), قال ان اهم عناصر تلك السوق الشرق اوسطية هي: النفط العربي, اليد العاملة المصرية, المياه التركية والتكنولوجيا الاسرائيلية. لاتجمع الآراء والتعليقات حتى الآن على حتمية توصل المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية الى نتائج عملية سريعة. ولكن ماهي مواصفات هذه المرحلة الجديدة وكيف سيتعامل العرب معها, ثم هل هنالك من مشروع عربي مشترك لمواجهة متطلبات المرحلة الجديدة وما فيها من مشاريع امريكية و (اسرائىلية) واقليمية مشتركة وقائم تنفيذها منذ سنوات لبناء شرق اوسطي جديد؟ *** لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا, شعار عرفته الساحة العربية عقب توقيع الرئيس المصري السابق انور السادات على معاهدة السلام مع اسرائيل, عام 1977, كما كانت ايضا تلك المرحلة بداية لمقولة, ان 99% من الاوراق هي بيد امريكا. وقد عانت المنطقة العربية, منذ اتفاقيات كامب ديفيد من تمزق عربي خطير وهدر وتدمير لامكانات عربية كثيرة واعادة فتح ابواب المنطقة للتدخل الاجنبي .. ما انعكس تراجعا على مستوى القضية الفلسطينية, هذا التراجع الذي كان حصيلة موضوعية لانحدارات ثلاثة في اوضاع الامة العربية. الانحدار الاول كان نتيجة اتفاق كامب ديفيد والذي عزل مصر عن الصراع واضعف الوضع العربي وسمح لاسرائيل, بالاستفراد في منطقة المشرق. الانحدار الثاني قاده صدام حسين, فدمر به العراق وعزله, وزاد في ضعف العرب وانقسامهم حكومات وشعوبا كما شرع ابواب المنطقة للتدخل الاجنبي السافر. الانحدار الثالث قاده ياسر عرفات من خلال توقيع اتفاق اوسلو حيث نقل القضية الفلسطينية من قضية عربية الى شأن خاص بقيادة منظمة التحرير, وليس حتى بالشعب الفلسطيني كله, فانعزلت القضية الفلسطينية عن محيطها العربي, وضعف وضع المقاومة المسلحة المشروعة ضد الاحتلال الاسرائيلي, واصبحت, منظمة التحرير, مسئولة عن المساهمة في تأمين أمن اسرائيل ! اضافة طبعا لتبرير العلاقات والتطبيع بين اسرائىل, وبين دول عربية ومجموعة من الدول الافريقية والآسيوية. غايات مشتركة (اسرائيلية ـ امريكية) رغم ما يظهر على السطح احيانا من تباين بين اسرائىل, وامريكا, ففي تقديري ان هناك غايات كثيرة مشتركة بين الطرفين وبغض النظر عمن هو الحاكم في اسرائىل, او في امريكا, وهذه المصالح والاهداف المشتركة هي: 1ـ منع اي تضامن عربي حتى في حده الادنى (تحفظات امريكا على القمم العربية وعلى التنسيق الثلاثي بين مصر وسوريا والسعودية, وعلى دور الجامعة العربية بشكل عام) وتشجيع الصراعات العربية ـ العربية التي هي مصدر قوة لاسرائىل, هي مبرر امريكي لطلب المساندة منها ولاستمرار دورها الفعال في المنطقة! 2ـ تعطيل اي تنسيق اسلامي ـ عربي مشترك .. وفي مقابل ذلك تعزيز الحلف التركي ـ الاسرائيلي بدعم امريكي طبعا. 3ـ محاولة عزل مصر وتقييد تأثيرها خارج حدودها (الاجراءات الامريكية ضد ليبيا والسودان تؤثر سلبا علي مصر في المجال الافريقي العربي, كذلك الاعتراضات الامريكية على رعاية مصر لخطوات المصالحة الوطنية في السودان, كما كان الامر ايضا حول اتفاق دمشق الذي ابرمته مصر وسوريا مع دول الخليج العربي, وينفع التذكير هنا بما قاله موشي دايان عقب حرب 67 عن الاستعداد لاعادة كل ارض سيناء لعبد الناصر شرط بقاء دور مصر داخل حدودها)!! 4ـ ابقاء التفوق العسكري الاسرائىلي على الدول العربية مجتمعة, والضغط على الدول الكبرى لمنع تسليح بعض الدول العربية. 5ـ تشجيع العلاقة والتطبيع مع اسرائيل, بغض النظر عن مستوى نجاح عملية السلام (لجان التطبيع والمؤتمرات الاقتصادية مع اسرائىل, بضغط امريكي منذ مؤتمر مدريد). 6ـ السعي لمنع اي مقاومة مسلحة للاحتلال الاسرائيلي (في فلسطين ولبنان). سيناريو المشروع الامريكي في المنطقة العربية افترض ان سيناريو المشروع الامريكي في اطار الرؤية الامريكية الشاملة للمنطقة, هو كما يلي: 1ـ المماطلة الاسرائيلية في تنفيذ الاتفاقات مع الفلسطينيين وتأجيل القضايا الكبرى (القدس وقضية اللاجئين والمستوطنات) ليصبح اي مشروع امريكي مطلبا عربيا وانتصارا فلسطينيا اذا تحقق! 2ـ السعي لاتفاق اسرائيلي مع سوريا ثم مع لبنان او على الجبهتين معا زمنيا . اعتقد ان هذه الاتفاقات ستتزامن مع اتفاق امريكي ـ اسرائيلي ـ فلسطيني باعلان الدولة الفلسطينية, في شهر فبراير, واحتمال ان يعرض باراك كل هذه الاتفاقيات في سلة واحدة, على استفتاء في اسرائىل, بحيث يكون التصويت الاسرائيلي على تسوية شاملة تربط الانسحاب من لبنان بالاتفاق مع سوريا, ويتم تأجيل القضايا الكبرى مع الفلسطينيين الى مفاوضات طويلة لاحقة! 3ـ ثم بعد الاتفاقات مع سوريا ولبنان وتوقيعهما على معاهدات سلام مماثلة لما هو حاليا مع مصر والاردن والسلطة الفلسطينية يسقط مبرر التحفظ القائم عند بعض الدول العربية عن اقامة العلاقات مع اسرائيل او التطبيع معها. 4ـ احياء مشاريع الشرق اوسطية كلها (اقتصاديا وتجاريا وماليا) بين اسرائيل والعرب, وعقد مؤتمر اللجان المتعددة للتطبيع المؤجل حتى الآن. 5ـ احراج الموقف الايراني بعد الاتفاقات مع سوريا ولبنان ( ماسيكون موقف ايران في حال الاتفاقات بين سوريا ولبنان واسرائيل ثم خطوات التطبيع مع دول الخليج العربي؟) 6ـ التمهيد لاخراج التسوية النهائية للوضع الفلسطيني بعد اعلان دولة فلسطينية تتحد فورا مع الاردن في اطار المملكة الفيدرالية وفي ظل الالتزام الكامل بالمعاهدات مع اسرائىل والتي نصت اصلا على تنسيق خاص بين اسرائيل والاردن والسلطة الفلسطينية. 7ـ تحريك الوضع العسكري الداخلي في العراق (خاصة في الشمال) وبدء مرحلة من الصراع الداخلي المسلح ليكون الحل لمستقبل العراق هو كيان فيدرالي تحت مظلة, الاتحاد الكونفدرالي, مع الاردن والسلطة الفلسطينية (مشروع اعادة المملكة الهاشمية على اراضي العراق والاردن) وطبعا على اساس الاتفاقات القائمة مع اسرائيل مما سيؤدي الى حل المشكلة العراقية على طريقة الصيغة الامريكية, ومع هذه الخطوة يمكن ايضا حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال توطينهم داخل العراق والاردن باعتبارهما ارضا مشتركة مع السلطة الفلسطينية في اطار الاتحاد الكونفدرالي. لم هذا السيناريو الامريكي؟ ادركت امريكا مؤخرا انه رغم السلبيات القائمة في الوضع العربي الراهن, ورغم استمرار وجود فزاعة صدام حسين, وفزاعة ايران, من قبل, ورغم التفوق الاسرائيلي ورغم المعاهدات القائمة مع اسرائيل واختراقات اسرائيل لدول عربية غير حدودية معها .. ورغم وجود القوة العسكرية الامريكية والمعاهدات الثنائية مع عدة دول عربية من المحيط الى الخليج فان مواقف عربية حصلت ضد الارادة الامريكية, مقاطعة القمة الاقتصادية في الدوحة المشاركة العربية في القمة الاسلامية بطهران, رفض عدة دول خليجية عربية التطبيع مع اسرائىل نتيجة عدم حل القضية الفلسطينية ولعدم شمولية التسوية بعد لسوريا ولبنان, مما دفع بالادارة الامريكية الى الاستعجال في ترتيب بناء واقع جديد, لا يغير كثيرا من طبيعة الحدود والكيانات, لكن يقوم على اتفاقات ومعاهدات بين اسرائىل والدول العربية, بحيث تكون التكتلات الاقليمية وصيغ العمل المشترك, مسموحا فيها بمقدار ماتساهم فيها اسرائيل, وبما يحقق ويضمن المصالح الامريكية. وما يعزز الاسراع في هذا المشروع الامريكي هو حرص امريكا على استباق التنافس معها على المنطقة العربية من قبل روسيا والصين واوروبا حيث ظهرت مؤخرا بوادر هذا التنافس في اكثر من مجال. وستكون من نتائج هذا الواقع العربي المنشود امريكيا, اقامة محور اسرائيلي مع الاردن والسلطة الفلسطينية (والعراق الجديد, مستقبلا), اضافة للمحور الاسرائيلي / التركي القائم حاليا, مما سيفرز مشاريع اقتصادية مشتركة كمد انابيب للنفط من العراق لاسرائيل عبر الاردن, وكاقامة قناة مائية من البحر الاحمر للبحر المتوسط ثم من البحر الاحمر الى خليج العقبة (مما يضعف الحاجة لدور قناة السويس), وفي الوقت نفسه الذي تنشغل فيه مصر بما يحدث حولها من تطورات داخلية في السودان ومع جيرانه. *** ان المنطقة العربية تعيش الآن مرحلة انتقالية مهمة, وهي تدخل القرن المقبل في اطار مشروع امريكي مصحوب بدور اسرائيلي بارز, وليس من خلال رؤية عربية واحدة للمستقبل, وتغادر المنطقة العربية القرن العشرين الذي قال عنه الرئيس الامريكية كلينتون انه كان قرنا امريكيا .. وهو القرن الذي شهد نشوء المنظمة الصهيونية ثم ولادة اسرائيل ثم تكريس الاعتراف العربي والدول بوجودها وهو القرن الذي بدأ عربيا بدعوة للاستقلال من السيطرة الاجنبية, وبالسعي لبناء الدولة العربية الواحدة. ان العرب يدخلون القرن المقبل ايضا وهم في حال من الفوضى والعبث على مستوى الشارع السياسي والثقافي عموما .. وليس فقط على مستوى الحكومات. وللأسف فان غالبية الحكومات العربية مشغولة الآن بنفسها وبضمانات استمرار انظمتها للقرن المقبل!! حتى الثقافة العربية نفسها في خطر لانها تقوم على ارض مجزأة متصارعة فيما بينها في معظم الاوقات فاما ان تتحول الى ثقافات خصوصية واقليمية وشرق اوسطية او انها ستضيع في سياسة طروحات العولمة والحضارة العالمية الواحدة! ومع هذا السيناريو الامريكي, المحتمل بشأن العراق , تسير على ارض الواقع زفة خطوات التسوية السلمية وليس السلام الدائم والعادل طبعا وتتهيأ المنطقة العربية كلها لعرس حافل, بثوب شرق اوسطي, زاهر, للاقتران مع اسرائيل, وبحضور العراب الاكبر امريكا .. لكن الطلاق سيكون مستقبلا ابغض الحلال عند العرب!! * مدير مركز الحوار العربي/ واشنطن