جامعة القاهرة: لم يشأ القرن العشرون ان يغادرنا قبل ان يبرهن على انه قد شهد اولى المحاولات الباكرة لمناهضة العولمة مثلما احتضن مولد هذه الظاهرة وتناميها. وفي هذا الاطار ستبقى احداث (سياتل) احدى العلامات البارزة والبالغة الدلالة في المسار التاريخي للعولمة . ومن نوافل القول ان نذكر انفسنا بأن تيار العولمة قد سرى من الغرب الاورو ـ امريكي منذ مطلع الثمانينيات من هذا القرن نتيجة لنجاح الليبراليين الجدد في انتخابات تاتشر, في انجلترا ثم (ريجان) في الولايات المتحدة, وبعدها كرت البكرة سريعا في الدول الاوروبية. لقد فرضت مدرسة النيوكلاسيك, تصوراتها الاقتصادية ومقولاتها العتيقة المجددة في دول الغرب منطلقة من الازمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تعصف بهذه الدول نتيجة لتبني الاجراءات الكنزية الرامية لتحقيق (دولة الرفاه) عن طريق تدخل الدولة لمعالجة الاختلالات الدورية في انظمة اقتصاد السوق. ومن ثم دعت الليبرالية الجديدة الى اخراج الدولة من كل دور اقتصادي واطلاق الحرية كاملة لآليات السوق والامتناع عن تدخلها في الاسعار او توسعها في مناشط العمل الاجتماعي (مثل اعانات البطالة والتعليم والعلاج المجاني) فضلا عن الدعوة الدائمة لخفض الضرائب على المشروعات الخاصة لتوفير الحوافز الملائمة لزيادة نشاطها. وقبل ذلك وبعده فقد روجت الليبرالية الجديدة لشعارين رئيسيين هما في حقيقة الامر عماد العولمة, الا وهما حرية التجارة وانتقال السلع, ثم رفع كل قيد يعوق حركة رأس المال عبر الحدود مثل القيود على التحويلات او التدخل في تحديد اسعار صرف العملات او حتى رقابة البنوك المركزية على تنقل رؤوس الاموال. وباختصار غير مخل فقد كانت هذه الرؤية المدججة بالمقولات التقليدية الرأسمالية ترى في تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي (الشركلة) وان الخير كله في اطلاق آليات السوق دون قيد او شرط. وكا من المنطقي ان تعمد الدول الكبرى الى فرض هذه الرؤى على الدول الصغيرة, حيث صار على الاخيرة ان تفتح اسواقها امام المنتجات الاجنبية وان تسقط اسوار الحماية الجمركية على منتجاتها الوطنية وان تخفض من اسعار صرف عملاتها المحلية من خلال اتباع سياسة التعويم النقدي فضلا عن ترحيبها الطوعي بدخول رؤوس الاموال الاجنبية لاسواقها. ولما كانت الدول الصناعية الكبرى تمتلك الحصص الاكبر في كل من صندوق النقد والبنك الدوليين, وبالتالي تسيطر على قرارات هاتين المؤسستين طبقا لنظام التصويت (بالحصة) فقد راحت تصيغ برامج الاقراض وتسويات ديون الدول النامية وفق مفاهيم الليبرالية الجديدة. واصبح لزاما على الدول المدينة ان تقبل برامج التثبيت الاقتصادي (صندوق النقد) وتطبق بكل صرامة برامج التكيف الهيكلي (البنك الدولي) اذا ما كانت راغبة في تلقي القروض الجديدة واعادة جدولة القديمة. وهكذا انتقلت مفاهيم الليبرالية الجديدة الى الدول الفقيرة في صورة تخلي الدولة عن فكرة التوظيف الكامل وخفض الانفاق العام ورفع القيود المفروضة على عمليات الاستيراد او حركة رؤوس الاموال وبيع مشروعات الدولة (الخصخصة). واجمالا فقد صارت المفاهيم الليبرالية مقبولة, طوعا او كرها, في اغلب اجزاء المعمورة. وفي نظر الكثيرين فقد اعتبر ذلك التحول بمثابة الركن الركين في عملية عولمة العالم اذ انفتح المجال امام الشركات العملاقة العابرة للجنسيات لكي تخطط انتاجها وفق مقاييس كونية, فالبسيطة هي بتمامها مجال عملها. ولا تعدو اتفاقيات تحرير التجارة العالمية (الجات) ان تكون واحدة من آليات المساندة للعولمة بوصف الاخيرة سلسلة متساندة من العمليات الرامية لتنميط العالم وفق مفاهيم وطبقا لمصالح قوى الليبرالية الجديدة. وبالمثل فان سعي الاعلام الدولي بوسائطه الجبارة لفرض ثقافة الغرب الرأسمالي وقيمه ومعاييره السلوكية والاخلاقية على حساب الثقافات والحضارات المحلية المغايرة ليس سوى آلية مساندة توفر البيئة المناسبة لفرض انماط الانتاج والاستهلاك المتوافقة مع عمل الكيانات الرأسمالية العملاقة. وبقدر ما ادت هذه المنظومة المتكاملة من آليات ووسائط العولمة الى احكام قبضة الاحتكارات والشركات العابرة للقوميات على الاقتصاد الدولي بقدر ما زادت من حدة المنافسة الاقتصادية على مستوى العالم فيما بينها. وفي اطار هذه المنافسة العاتية شهدت الشركات الكبرى محاولات لخفض تكلفة الانتاج وللصمود في حلبة الصراع. فكانت ظاهرة اندماج الشركات واعادة الهيكلة ونقل المصانع وتقسيم العملية الانتاجية بين اكثر من بلد للافادة من المزايا النسبية كانخفاض اسعار المواد الخام او تكلفة العمالة. وفي هذا كله كان العمال والفنيون هم الضحايا, ذلك أن ضغط تكاليف الانتاج انما كان يتم دوما على حساب عنصر العمل. وهكذا اخذت معدلات البطالة في الارتفاع وحتى في الدول التي خفضت من هذه المعدلات, مثل الولايات المتحدة, فان ذلك كان على حساب الاجور التي تدنت الى قريب من نصف الاجر الحقيقي. اما في الدول النامية فقد ارتفعت معدلات البطالة بسبب خفض الانفاق العام وتعثر المشروعات الوطنية امام السلع المستوردة فضلا عن ان نقل الشركات العملاقة لبعض مصانعها التي تحتاج لعمالة كثيفة ورخيصة من اوروبا الى بعض دول العالم الثالث لم يؤد الى تحسن ملموس في معدلات البطالة في هذه الدول. ويزيد الطين بلة الاتجاه المتنامي نحو الاعتماد على الميكنة والكمبيوتر في العديد من الانشطة الاقتصادية وهو ما اضاف ابعادا مأساوية لمشكلة البطالة سواء بين العمالة الماهرة او غيرها. وفي كل الاحوال خلقت عولمة الاقتصاد قدرا كبيرا من تشابك المصالح عبر الحدود مثلما اوجدت صلات قوية ومرئية بين جهاز الدولة واصحاب المشروعات الخاصة (غالبا ما تكون غير قانونية) وهو ما جعل الدول اكثر تفهما لما تفرضه العولمة من اجراءات تحد من السيادة التقليدية للدول واتجاهات انكماشية في اسواق الانتاج والعمل. وكانت المحصلة النهائية سواء على مستوى الدول او الافراد داخل كل دولة هي اعادة تقسيم عوائد الانتاج بصورة مجافية للعدل حيث حازت الاقلية الاكثر غنى, من الدول والافراد, على النصيب الاكبر من هذه العوائد. والحقيقة ان هذا الاتجاه نحو اللامساواة يمثل نقطة الضعف الاكبر في آليات العولمة, ويكمن الخطر في امكانية حدوث انفجارات اجتماعية او تمردات قومية اقليمية من الدول التي ترى في الاندماج بآليات العولمة مخاطر ماحقة قد توازي ما يمكن ان تتعرض له من عقوبات اقتصادية حال تمردها على الجات واخواتها من وصفات الصندوق والبنك الدوليين. وفي الوقت الذي كان يظن فيه ان احتمالات الانفجار واردة بصورة اكبر في الدول الاكثر فقرا وتضررا من عولمة العالم فوجئ العالم بأن الاحتجاج بوجه العولمة انما جاء من قلب اكثر الدول افادة منها, وبالتحديد من الولايات المتحدة حيث كانت تدور آخر جولات مفاوضات منظمة التجارة العالمية (الجات) في سياتل. ولامراء في ان درجة النضج النقابي والسياسي التي عرفتها الدول المتقدمة كان لها اكبر الاثر في ان تسبق قواها الاجتماعية الاكثر تضررا من اجراءات الليبرالية الجديدة المعولمة مثيلاتها في الدول النامية. ان احتجاجات سياتل وما صاحبها من احداث عنف ينبغي النظر اليها في اطار اورو ـ امريكي وحسب. فهي في حقيقة امرها محض احتجاج على الليبرالية الجديدة في طبعتها المعولمة والتي اتاحت لها مضاربة عمالة بلادها بالعمالة الرخيصة في دول العالم الثالث وما استتبع ذلك من اضعاف مواقفها التفاوضية وتراخي قبضة النقابات وانخفاض الاجور ثم تقلص الضرائب على الدخول الكبير وما اتبعه من تقهقر مدفوعات الضمان الاجتماعي واعانات البطالة. واضافة الى هؤلاء المحتجين من أصحاب الوظائف والمهن, كانت هناك ايضا قوى المزارعين التي تضررت من آليات السوق وما تفرضه من الغاء الدعم عن اسعار الحاصلات الزراعية طبقا لبنود اتفاقات الجات. ان الطبقات المتوسطة التي تضررت اكثر من غيرها بسبب سياسات الليبرالية الجديدة ونموها الانفجاري على اصعدة العولمة, اخذة في تشكيل نواة مقاومة جذور العولمة في المجتمعات الرأسمالية وهي في ذلك تنتقل وسائط هذه العولمة وبخاصة شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) والتي امكن لقوى الاحتجاج في سياتل ان تنظم عملها بطريقة فعالة ومنتجة. ومن اسف ان كتلة الدول النامية التي تتلظى بسعير العولمة ما برحت بعيدة عن الوصول الى موقف ايجابي مبادر من آلياتها, ناهيك عن قواها الداخلية المنهكة بالفقر تارة وبالصراعات الاثنية تارات اخرى وبالقمع الحكومي وتدهور شروط العمل السياسي في كل الاحوال. ولكن ذلك كله الى حين, اذ من المحال دوام الاحوال.