خلال عام من الزمن ستدخل اقتصاديات مجلس التعاون الخليجي الفية ثالثة تكون ايذانا بانقضاء سبعة عقود منذ غير النفط وجه هذه المنطقة من الوطن العربي ودورها في العلاقات الدولية.فالمتتبع لواقع منطقة الخليج ودول مجلس التعاون على وجه التحديد يلاحظ انها قد قفزت الى الامام على كافة الاصعدة وفي وقت زمني قياسي مقارنة بمناطق اخرى عربية وغير عربية مما لم يتوفر لها عوائد نفطية كالتي توفرت لمنطقة الخليج. ويمكن لاغراض المقارنة الموضوعية الاشارة الى الظروف التي كانت سائدة قبيل اكتشاف النفط او بعد ذلك بقليل وذلك من اجل تكوين صورة لما كانت عليه المنطقة وما آلت اليه من تقدم ينبغي الحرص عليه وتطويره. ففي عام 1932 على سبيل المثال كانت بعض دول الخليج الغنية الآن, دولا تعتمد على المساعدات والاعانات وربما القروض من الدول الكبرى, ففي ذلك العام قام وزير خارجية دولة خليجية, بجولة على الدول الاوروبية من اجل جمع المعونات لاغراض التنمية وكانت احدى محطات تلك الجولة العاصمة الروسية موسكو, حيث قدم السوفييت انذاك, هدية عبارة عن شحنة من النفط او غاز المواقد بقيمة 30.000 جنيه استرليني, كما تعهدوا بتقديم قرض مقداره مليون جنيه استرليني, هذه الدولة الخليجية عادت عام 1995 وقدمت قرضا او هي وعدت بتقديم قرض بمبلغ مليار دولار لموسكو. هذا مؤشر دقيق عن التغيير الذي احدثه النفط في حياة الخليج. من جانب اخر كانت البصرة في مطلع القرن وحتى اكتشاف النفط هي حاضرة الخليج وعاصمته التجارية ومحط انظار التجار والاثرياء, فكان القول المأثور (من لم ير البصرة يموت حسرة) اما الآن فمن يراها يموت حسرة, ليس بسبب الحصار الامريكي البريطاني الظالم على العراق وانما لان مدنا خليجية اخرى تقدمت عليها كثيرا خلال نصف قرن مضى. فهناك الان دبي العاصمة التجارية للخليج والمنامة العاصمة المالية وجدة العاصمة الاستثمارية, الخ. ويمكن في هذا الصدد الاشارة الى مؤشر اخر لا يقل أهمية, الا وهو الشريك التجاري الاول للمنطقة برمتها, فقد كانت الهند بأبرز مدنها انذاك هي الشريك التجاري الاول. فكان تجار منطقة الخليج يجلبون جميع الاحتياجات الرئيسية منها, واليها يذهب تجار اللؤلؤ والمقتدرون من السكان سواء للتجارة او السياحة او للعلاج, ولقد غير النفط هذا الوضع وحيث ارتفع مستوى المعيشة ونمط الحياة فقد تغير الشركاء التجاريون واصبحت دول الغرب واليابان هي الشريك التجاري الاول, وهذا بحد ذاته مؤشر على نوعية الواردات. هذه جميعها مؤشرات عامة على الاتجاه الذي تغيرت نحوه حياة منطقة الخليج والدور الذي لعبه النفط في انتقال المنطقة برمتها الى موقع الصدارة في مستوى المعيشة بالمقارنة بمناطق اخرى, ولا يأتي سوق هذه المؤشرات اعتباطا وانما بغرض التأكيد على هاجس استمرار التنمية والنمو الاقتصادي الذي تحتاجه المنطقة لكي لا تعود الى الوراء فيما يتعلق بمستوى المعيشة والرفاه العام. النقلة النوعية فطوال عقود الاربعينيات وحتى الستينيات كانت العائدات النفطية متواضعة, وكان الوضع الاقتصادي يتحسن نسبيا جراء ضعف الانفاق الحكومي, وكمثال على ذلك فان دخل المملكة العربية السعودية من عائدات النفط عام 1938 كان مقداره نصف مليون دولار امريكي فقط, لكن ذلك الدخل قفز الى 4.3 ملايين دولار امريكي في عام 1973. لقد ادى تغير سعر البرميل الذي قفز من 1.95 دولار امريكي الى 19.08 دولار امريكي دفعة واحدة بسبب حرب اكتوبر المجيدة, الى تحقيق قفزة نوعية في مستويات الدخل الوطني ومستويات الانفاق الحكومي وكذلك مستويات المعيشة في دول الخليج, وتجدر الاشارة هنا الى ان البحرين وهي اقل دول الخليج انتاجا للنفط قد حققت قفزات واسعة في مستويات الدخل الفردي, فعلى حين كان متوسط دخل الفرد بالدينار البحريني ما مقداره 88 دينارا سنويا عام ,1960 قفز الى 150 دينارا بحرينيا عام 1970 وحقق قفزة اوسع في عام 1980 عندما وصل الى 3325 دينارا بحرينيا للفرد. ووفقا لدراسة اجراها الدكتور احمد اليوشع, من مركز البحرين للدراسات والبحوث, فان متوسط دخل الفرد في البحرين قد تضاعف 20 مرة بين اعوام 1960 ـ 1974 وحوالي 35 مرة بين اعوام 1960 ـ 1997. ولم ينعكس تحسين اسعار النفط على مستوى دخل الفرد فحسب بل تجاوزه الى تحسن مستويات التنمية وزيادة وتيرتها وازدياد موجودات الاقتصادات الخليجية وتطور بنيتها الاساسية مما حول المنطقة برمتها الى ورشة عمل كبيرة استقطبت العمالة العربية وغير العربية والوسطاء التجاريين والشركات الانشائية الكبرى. كذلك فان الاهمية النسبية لمنطقة الخليج ضمن العلاقات الدولية شهدت ازديادا تناسب طرديا مع اهمية احتياطياتها من النفط وحجم العائدات النفطية المتراكمة لديها. لكن النفط الذي ازدادت اسعاره مرة اخرى بسبب الحرب العراقية الايرانية التي اندلعت في مطلع الثمانينيات, ولم يحافظ على نفس المستويات بين الاسعار خلال عقد التسعينيات, فالحرب التي رفعت الاسعار في مطلع عقد الثمانينيات ادخلت اهم منظمة نفطية عرفها العالم في دوامة الحرب ذاتها, فغدت اوبيك مسرحا لصراع سياسي بين اطراف النزاع مما اودى بقوتها واضعف هيمنتها على السوق العالمية للنفط, فازداد عرض النفط وخضع السعر لقوانين السوق وتحكم الطلب, فالعائدات النفطية التي ازدادت في مطلع الثمانينات وتحولت الى فوائض نقدية لصالح الدول الخليجية تحولت بفعل انخفاض اسعار النفط في اعوام التسعينيات الى عجوزات في موازنات جميع دول مجلس التعاون باستثناء الامارات العربية المتحدة, وكان من جراء ذلك ان شهدت اقتصاديات دول مجلس التعاون انكماشا بسبب انخفاض معدلات الانفاق الحكومي الذي شكل طوال السبعينيات والثمانينيات المولد الرئيسي للنمو الاقتصادي المحلي. مستقبل اقتصاديات التعاون: التصنيع تشير مجمل المؤشرات الاقتصادية الى ان اقتصاديات دول مجلس التعاون لاتزال تعتمد على النفط كمولد للنمو الاقتصادي, والى الاعتماد الرئيسي عليه كمصدر للانفاق العام, كما تشير هذه المؤشرات الى ضعف مبادرة وتأثير القطاع الخاص في خلق عوامل النمو الاقتصادي, وعدم تأثير هذا القطاع على معدل النمو السنوي, كما ان من الواضح ان هناك غياب فعلي لاثر الصناعة في اجمالي الناتج العام للمنطقة, اذا ما تم استثناء الصناعات المرتبطة بالنفط كالبيتروكيماويات. والحديث عن مستقبل اقتصاديات مجلس التعاون بطرح اسئلة استراتيجية كبرى, تشكل هاجسا لابناء هذه المنطقة لارتباطها الوثيق بمستوى معيشتهم في العقود المقبلة وتأمين مستقبل ابناءهم الذين مازالوا على مقاعد الدراسة او ابناء هؤلاء, ولعل ابرز سؤال في هذا الصدد هو: ماذا بعد النفط؟ وبتحديد ادق اي قطاع انتاجي سيتولى تعويض مكانة النفط ودوره في تعزيز النمو الاقتصادي في هذه المنطقة التي تفتقر الى القطاع الزراعي والقطاع الصناعي المستقر. ان دول التعاون ومجتمعاتها باتت معنية اليوم بمعالجة مستقبل اقتصادياتها بمعزل عن النفط, اي ضرورة تحديد استراتيجيات التنمية التي يمكن للنفط وعائداته الحالية ان تسهم في تنفيذها بحيث يتم المحافظة على مستويات معيشية عالية للاجيال الراهنة والاجيال المقبلة, وللحيلولة دون عودة المنطقة الى ظروف ما قبل النفط التي تمت الاشارة اليها في مقدمة هذا المقال, او ظروف ربما تكون اسوأ بالمقارنة الزمنية. ولعل اهم استراتيجية يمكن لهذه المنطقة بكاملها ان تتفق عليها هي الاتجاه للصناعة وبالاخص تلك الموجهة لتعزيز الصادرات, فمن المعلوم ان هناك استراتيجيات للتصنيع احداهما موجهة لابدال الواردات والثانية لتشجيع الصادرات, والفروق بين الاثنتين كبيرة, فالاولى تلبي الطلب المحلي على السلع وتقلل من اختلال الميزان التجاري لكنها لا تضيف قيمة مضافة للاقتصاد كما انها لا تعزز النمو الاقتصادي, على حين ان الثانية تزيد من القيمة المضافة للاقتصاد وتعزز معدل النمو الاقتصادي وتحسن الدخل الوطني والفردي والميزان التجاري وميزان المدفوعات, والامثلة على ذلك عديدة, فقد اختارت مصر وتركيا والهند وباكستان نموذج ابدال الواردات واختارت تايوان وكوريا الجنوبية وهونج كونج وسنغافورة, واخيرا اندونيسيا نموذج تشجيع الصادرات, وذلك منذ عام 1960 تقريبا لجميع تلك الدول باستثناء اندونيسيا, ولعل ابرز عامل حاسم في شأن اختيار الاستراتيجية المرغوبة هو توفر رأس المال للاستثمار في الصناعات الكثيفة رأس المال او عدم توفره وتفضيل التركيز على الصناعات الكثيفة العمل. وبالنسبة للخليج ودول مجلس التعاون فان الاستراتيجية الموجهة لتشجيع الصادرات هي الاكثر ملائمة لتوفر رأس المال من عائدات النفط ولقلة قوة العمل المواطنة من جهة اخرى. وايضا لاعتبارات الحفاظ على مستوى معيشة ملائم للسائد حاليا والذي يمكن توفيره عبر التركيز على زيادة القيمة المضافة من خلال التصنيع الحديث والملائم لمرحلة العولمة الاقتصادية التي باتت تكتسح العالم. ولكي ترى مزايا ذلك بشكل موجز نقارن بين دول مجلس التعاون واندونيسيا حيث تتشابه دول المجلس مع اندونيسيا نفطيا وتختلف سكانيا, فاندونيسيا, وهي دولة نفطية ادركت ان الاتجاه المناسب للتعويض عن دور النفط في التنمية هو الاتجاه لمصدر دخل لا يقل عنه من حيث دعم الدخل الوطني وتعزيز النمو الاقتصادي وايجاد فرص عمل وتوفير عملات صعبة والدخول بقوة ضمن الدورة العالمية للانتاج الرأسمالي, كل هذه يمكن ان تحقق عبر التصنيع لغرض التصدير والذي يمكن ان يلبي احتياجات الطلب المحلي ايضا, ان مستقبل اقتصاديات دول مجلس التعاون مرهون دون شك بالسرعة والتوقيت المناسب لبناء قاعدة اقتصادية تقوم على التصنيع, فهل تشهد المنطقة خطوات تنفيذية نحو هذا الهدف. * كاتب بحريني