هل يعد الحديث عن مرحلة (ما بعد التسوية) قفزا على معطيات الواقع الاقليمي والدولي؟ربما كان العكس هو الصحيح, والى حد كبير, فكل المؤشرات تؤكد ان (التسوية) , وليس السلام العادل بالضرورة, اتية لا ريب في امد غير بعيد, وعلى حد قول البروفسيور كارل براون الخبير الامريكي في شئون الشرق الاوسط (قد يكون الحل المتبع هو المثالي بالضرورة, لكن تسوية هذه المسألة (يقصد الصراع العربي ـ الاسرائيلي) هي من صالح الولايات المتحدة, ودول المنطقة في المقام الاول) ! لقد بات مؤكدا ان تفعيل المسارات المعلقة بين اسرائيل, وكل من فلسطين, سوريا, لبنان هدفه وضع حد للصراع الذي استمر اكثر من نصف قرن, لتستقبل المنطقة القرن الـ,21 وهي تؤسس لمرحلة جديدة, تحمل ملامح مختلفة. والامر لا يرتبط بدرجة ما من التشاؤم او التفاؤل, بقدر ما يرتبط بشواهد ومصالح ودوافع وتوازنات واهداف للاطراف داخل المنطقة وخارجها على السواء, حتى وان كانت ثمة حسابات ضيقة وآنية تحكم رؤية البعض, في ظل غياب الحس الاستراتيجي الصحيح. والمحصلة اتفاق غير مكتوب بين الجميع على الاندفاع باتجاه انجاز ما يسمى بالتسوية السلمية, عن طريق تفعيل المفاوضات على كل المسارات, حتى يشهد العام 2000 حلا نهائيا, يغلق ملفات عالقة منذ عام 48. خيار استراتيجي ان كل الاطراف ـ دون استثناء ـ تجمع على ان السلام (خيار استراتيجي) او اساسي, كل حسب وجهة نظره, وتعريفه لـ (السلام) وحتى مع التسليم بذلك ـ كأمر واقع ـ فان البعض يرى ان المواجهة لا تزال متوقعة في بعض المراحل, من قبيل تصعيد الانتفاضة الفلسطينية, او معدل عمليات المقاومة في الجنوب اللبناني, ولكن ذلك ـ للاسف ـ لن يكون الا بهدف الضغط لدفع المفاوضات بشكل اكثر توازنا ليس الا! هكذا اصبحت (التسوية) هي الاطار الحاكم لحسابات الجميع في بناء المستقبل وتصوراته, وبما يعني ان العام 2000 سوف يكون حاسما ـ او خاتمة المطاف ـ بعد ان وصلت (عملية السلام الى مرحلة اتخاذ القرارات الصعبة على حد قول الرئيس الامريكي كلينتون, الذي يطمح ان تكون تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي اوسع البوابات التي تضمن له موقعا بارزا في التاريخ. من هذه الزاوية يمكن تثمين (الهجمة الامريكية) التي تستهدف التوصل الى تسوية شاملة ـ غير عادلة بالتأكيد ـ وما دامت الاطراف العربية مهيأة للتوقيع, فان الحديث عن آفاق المفاوضات على اي مسار يصبح من قبيل (أكل الخبز البائت! ويكون الاجدر هو محاولة استشراف استحقاق مرحلة (ما بعد التسوية) . ان منطق الامور كما تؤكده المقدمات الانية, والنتائج المتوقعة ـ في ظل الظروف والمحددات المحيطة بعميلة التسوية ـ يؤكد انه مهما طالت المفاوضات, او تعثرت, فانها ستصل الى المحطة النهائية المحددة سلفا, وربما ان الفضل يعود ـ الى حد كبير ـ للقنوات السرية التي تنجز الكثير قبل ان يقف الموقعون امام الكاميرات! لتبدأ بعد التوقيع مرحلة اقامة نظام جديد في المنطقة, يكون عموده الفقري ترسيخ المنظور الاسرائيلي لمفهوم الشرق الاوسط, الذي تفوز فيه اسرائيل بالنصيب الاكبر من النفوذ, والجانب الادسم من كعكة المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية. وطرح هذا التوقع لا يعني بحال رجما بالغيب, او استباقا للاحداث, لكن محاولة لقراءة ما يمكن ان يحدث في مرحلة ما بعد التسوية, التي لابد ان يدفع الجزء الاكبر من ثمنها من لم يستعد تماما لمواجهة المستهدفات الاسرائيلية البادئة, بالمثلث الحرج الذي يضم الى جانب اسرائيل كلا من الاردن وفلسطين (او ما تبقى من شظاياها). حلم بيريز ان فحوى الاتفاقات الموقعة في السابق هو اقامة نظام جديد في المنطقة, يقوم على ثلاث دعائم اولها ذلك المثلث, ثم انشاء منطقة تجارة حرة تمتد الى مصر وسوريا ولبنان حتى عام 2010 ـ وربما يحمل ذلك تفسيرا جزئيا لتنشيط المسارين السوري واللبناني ـ واخيرا اقامة منطقة تعاون موسعة تضم دولا خليجية, وصولا الى اطار اوسع يشمل معظم ـ او كل ـ الدول العربية. ولا شك ان الاتفاقات التي سوف يتم التوصل اليها على المسارين السوري واللبناني ـ ناهيك عن المسار الفلسطيني ـ لا يمكن ان تؤسس لنقيض ذلك, لكن الطبيعي ان تدعمه, ربما كان من غير الممكن تجسيد نظام اقليمي وفقا لرؤية شيمون بيريز, كما حلم تماما, الا ان ذلك لا يتجاوز كونه مجرد اختلاف تكتيكي, اذا ان الاتفاقات التي تمت من وقت سابق, وتلك التي سوف توقع في وقت لاحق, لابد ان تفرض تعاونا ـ وفق المنظور الاسرائيلي المدعوم امريكيا ـ في عدد من القضايا؛ كالمياه, والتنمية الاقليمية, السياحة, وغيرها, وهي (خمائر) تكفي لانضاج (الطبخة) الاسرائيلية على نار هادئة, خاصة مع وجود عوامل مساعدة مؤثرة بقوة تتمثل في عمليات التطبيع والهرولة المتوالية, برغم كل شيء واي شيء! واذا كان التعاون الاقليمي يحتل مرحلة تتجاوز مجرد التطبيع, فانه ـ في حال التسليم بقدرية ما نحن مساقون اليه ـ من المنطقي ان يقوم ذلك التعاون على ثلاثة اسس محورية هي: الاقرار بالحقوق المشروعة, والسيادة القومية على الموارد الطبيعية وتوازن المصالح والمنافع المتبادلة, الا ان مثل هذا المنطق غائب في النصوص والواقع على السواء! من ثم فان المقدمات لا تنبىء بالتوصل الى نتائج عادلة وايجابية لان الترتيبات التي تترجمها بنود الاتفاقات السابقة ـ واللاحقة بالقطع ـ لن تكون احسن حالا, وسوف تحتل ـ ميلا هائلا ـ لصالح اسرائيل, طبقا للتوازن ـ او بدقة اكثر اللاتوازن ـ الذي يحكم الاوضاع القائمة, من هنا فان اعادة صياغة شكل العلاقات ـ والقوانين التي تحكم حركتها والياتها ـ في المستقبل سوف تكرس الاختلالات الموجودة. ان محاولة استشفاف ملامح المستقبل من مرحلة (ما بعد التسوية) وفي ظل الظروف الراهنة, تقود الى عنوان عريض يمكن تلخيصه بكلمات قليلة على النحو التالي: (هجمة شرق اوسطية جديدة, تعكس المفهوم الاسرائيلي لـ السلام) ! كبرى ام عظمى!؟ ان مشروع دولة اسرائيل الكبرى ـ جغرافيا ـ من حيث هو مشروع توسعي, سوف يتحول في مرحلة (ما بعد التسوية) ـ ربما بشكل نهائي باتجاه مشروع اسرائيل العظمى اقليميا, والذي يمثل استراتيجية حزب العمل ـ ويستقطب الكثيرين على الساحة الاسرائيلية من خارجه ـ ويسعى ايهود باراك الآن الى استكمال مقوماته. واذا كانت اسرائيل غير قادرة جزئيا ـ على غزو الاسواق الاوروبية ومنافسة السلع اليابانية والغربية, الا انها تعتمد على اقتصاد حديث متقدم, استنادا الى امكانات تكنولوجية متطورة, ونظام سياسي مستقر, وعلاقة خاصة بالولايات المتحدة, كما تمتلك اقوى قوة عسكرية ـ مسلحة باسنان نووية ـ في المنطقة, كل ذلك يؤهلها للسيطرة على حركة رأس المال في المنطقة, وعلى علاقاتها التجارية مع مناطق عدة, على اساس ان تصبح المركز الذي لا يستطيع احد تجاهله اذا اراد اقامة علاقة اقتصادية مع المنطقة, و بتعبير آخر, فان اسرائيل سوف تعتمد على السياسة لتحقيق اهدافها الاقتصادية في المحيط العربي, وليس العكس! ان التوسع الاقتصادي ـ فضلا عن ممارسة النفوذ او فرض الهيمنة ـ بحاجة ماسة الى ان تفض اسرائيل يدها من مسألة التسوية مع الفلسطينيين, والعرب عموما, واذا تمكنت من التوصل الى تسوية شاملة عن طريق تنازلات جغرافية فقط, فهذا ثمن بخس للغاية! ومع امتلاك اسرائيل استراتيجية تضمن لها رؤية واضحة, واهداف محددة, ومشروع مكتمل الاركان للتعاون الاقليمي, دون الاسس التي تحكمها معايير عادلة متوازنة, بل من منظور خاص تستحوذ من خلاله على عدة ادوار؛ فهي صاحب المشروع, ومديره, والشريك الاكبر, والمنظم... الخ,. وما دام المشروع جاهزا ـ بل ربما يكون قد تأخر كثيرا دون داع ـ بتسوية المنطقة ـ او حريتها ـ عبر التسوية, لفرض امر واقع جديد هو الاهم, من ثم فان استغراق العرب في تفاصيل التسوية مصلحة اسرائيلية لن تتضح كل ابعادها تماما إلا في مرحلة (ما بعد التسوية) , واطلاق الهجمة الشرق اوسطية في اقوى موجاتها من عقالها. فرض الاندماج هكذا فان السيناريو الذي يصل الى ذروته الدرامية باتمام التسوية, والانتقال الى مرحلة (ما بعد التسوية) , لا يخرج عن كونه عملية فرض للتكامل ـ بصورة مشوهة ـ على المنطقة, وفق شروط تخدم المشروع الصهيوني, من خلال استخدام آلية التسوية, وهذا (التكامل) يدخل اسرائيل ـ بصورة اكبر واعمق من اي وقت مضى ـ من علاقة عضوية ـ مع العرب, تقف على طرف نقيض مع (الاندماج الارادي) الذي عملت القوى القومية على تحقيقه طوال ما يقرب من نصف قرن, ولم يحرز تقدما يذكر! وفي ظل غياب منظومة تقاليد مؤسسة وسياسية عربية فاعلة, وليست هياكل شكلية كما هو كائن تصبح السبل ممهدة لممارسة اسرائيل دور القوة الاقليمية النافذة. خاصة مع احتكارها للقوة العسكرية النوعية, والفجوة الكيفية التي تفصل امكاناتها عن العرب, ثم نجاحها في نسج شبكة من العلاقات المتنوعة مع العديد من الدول العربية, والاعتراف الصريح او الضمني من جانب القوى الدولية بحق اسرائيل في ممارسة العديد من الادوار القيادية في المنطقة. والاخطر هو الاعتراف بقوة الامر الواقع وليس بالضرورة القبول, من جانب معظم دول المنطقة بقدرة اسرائيل على ممارسة دور ونفوذ القوة الاقليمية الكبرى, وهو ما يعني امكانية تحول اسرائيل تدريجيا من موقع العدو الشامل لكل العرب, الى (حكم) في نزاعاتهم او (مرجح) لطرف على طرف من ثم لا تكون اسرائيل في مرحلة (ما بعد التسوية) مجرد طرف مقبول عربيا ـ واقليميا بالطبع ـ بل قد تصبح طرفا مرغوبا بالصداقة او التحالف! والنموذج التركي ليس ببعيد, بل قابل للتكرار, وان على استحياء في البداية! تلك هي ذروة الهجمة الشرق اوسطية في مرحلة (ما بعد التسوية) بكل ما تحمله من مخاطر على المستقبل العربي, في ظل التوتر والقلق السائد على المستويين العربي والاقليمي, والسيولة والفوضى التي يتسم بها النظام الدولي ـ قيد التبلور ـ تمت قيادة القطب الامريكي الاوحد. واذا كان الفشل قد حالف اسرائيل في تحقيق شعار (من النيل الى الفرات) عن طريق القوة العسكرية, فان ذلك لا يعني تراجعها, بل انتهاجها جديدا آخر, يتمشى مع مفهوم الاستعمار ـ في آخر طبعاته ـ او الاستعمار في عصر العولمة, الذي يوظف كل العناصر السياسية والاقتصادية والثقافية.. الخ لفرض النفوذ, وبسط الهيمنة بطرح آلية التسوية, لتكريس التجزئة العربية, والتمحور حول اسرائيل فيما (بعد التسوية) لاضفاء طابع اعتيادي, ودائم على جوهر الوضع الراهن, اي تكريس السيطرة الاسرائيلية ـ وان بقفازات حريرية ـ ونفي الهوية العربية, وفرض النموذج الشرق اوسطي.