عندما طيرت وكالات الانباء والشبكات الاخبارية التلفزيونية خبر اختطاف طائرة ركاب هندية خلال رحلة داخلية بين مطار كاتماندو في نيبال والعاصمة نيودلهي, لم يكن الخبر مثيرا لدهشة الجمهور الآسيوي في جنوب شرقي آسيا, أو في شبه القارة الهندية, فلقد اعتادوا في الهند على مثل هذه الألعاب في ربع القرن الأخير مع تصاعد النزاعات الطائفية والعرقية, لتكون سمة نهاية الألفية الثانية, بعد ان كانت هناك رابطة قومية توحد بين المتناقضات وتجعل من التعددية نسيجا للتعايش لا للصدام . أما المشاهد والقارئ العربي والغربي, فكانت دهشته كبيرة, فهو لم يعد يسمع عن دراما خطف الطائرات إلا نادرا, وفي حالات أقرب للكاريكاتير منها إلى عمل ارهابي, فلقد انقضت أيام خطف الطائرات الأمريكية والاسرائيلية بأيدي الفدائيين الفلسطينيين, طبعا قبل ان تدخل القاموس السياسي كلمة ارهابي بدلا من فدائي. وبدا وكأن الهند تأبى ان تودع الألفية الثانية إلا على طريقتها, بدراما من نوع آخر, تعيد إلى الأذهان كابوس خطف الطائرات, لكن في شكل أكثر اثارة وغموضا. وخلافا للحوادث الثلاث عشرة التي جرت على مسار خطف الطائرات الهندية منذ عام 1971 جاءت حادثة اختطاف الطائرة الهندية يوم 24 ديسمبر من العام الماضي من مطار كاتماندو في نيبال, ملغومة بالألغاز الشائكة, في البداية أذيع ان الخاطفين من طائفة السيخ, وهي ضليعة في خطف الطائرات, فلقد اختطف أبناؤها معظم الطائرات الـ 13 المخطوفة في الهند, وسرعان ما بدأ الحديث عن الخاطفين السيخ وتحولت دفة الاتهام إلى المجاهدين في كشمير, وجماعاتهم متعددة تقترب من نحو 25 جماعة. وبدأ من اللحظة الأولى لانطلاق الحديث عن خاطفين كشميريين, ان هناك تباينا واضحاً في تحديد هوية الخاطفين, فلقد جاءت أول اشارة من نيودلهي بأن جماعة كشميرية تدعى (لاشكار تويبا) والغريب ان مسئولا كبيرا في الحكومة الهندية هو الذي أطلق أول اتهام للكشميريين وهو ما نفته سريعا لاشكار تويبا. وثاني ألغاز الطائرة الهندية المخطوفة, هو فتحها للملف الملغوم للعلاقات المتوترة بين الهند وباكستان, من جهة, خصوصا بعد فشل دبلوماسية الناجي, بعد الاطاحة بنواز شريف ومن قبل انفجار حرب كارجيل, ومن جهة أخرى العلاقات غير القائمة دبلوماسية أصلا بين الهند وحركة طالبان الأفغانية الحاكمة, والتي حولت دراما الطائرة إلى مناسبة عزيزة ونادرة جدا لاظهار مصداقيتها على الساحتين الاقليمية والدولية, واجبار الهند التي ترفض الاعتراف بحكومة طالبان على المجيء للتفاوض مع الخاطفين عبر قناة طالبان وفي مطار قندهار. ما يعنينا هنا هو قراءة حصاد وميزات خطف الطائرات على الطريقة الهندية منذ عام 1971 وحتى نهاية الألفية الثالثة, حيث حطت الطائرة المخطوفة في قندهار. لاهور لماذا؟ أول ما نلحظه ان لاهور ظلت مقصدا لخاطفي الطائرات الهندية في حقبة السبعينيات والثمانينيات في منتصفها الأول, وفي النصف الثاني من الثمانينيات وطيلة عقد التسعينيات لم يتجه أي خاطف طائرة هندية إلى لاهور باستثناء الحادث الأخير, مما يطرح العديد من التساؤلات, وهي تساؤلات لن نعثر على اجابات شافية لها إلا بالغوص في المتغير الذي شهده المناخ السياسي بين الجارتين اللدودتين, فضلا عن التغيرات الداخلية في كل منهما. ونستخلص من الحوادث الـ 13 أن لاهور كانت مقصدا لسبع طائرات هندية مخطوفة, وقعت كلها في عقدي السبعينيات والثمانينيات وكانت آخر طائرة هندية مخطوفة تهبط في مطار لاهور عام 1984. وتوزعت تصنيفات الحوادث للطائرات الهندية الست المخطوفة والقاصدة لاهور كما يلي: في عام 1971 نسف الخاطفون (السيخ) أول طائرة هندية تهبط في لاهور. * في عامي 1976, 1981 اقتحم الكوماندوز الباكستانيون الطائرتين المخطوفتين على التوالي, في المرة الأولى باستدراجهم للتفاوض والتنكر في زي عمال نظافة, وفي الثانية في اقتحام سافر بدون أي تمويه. * استسلم الخاطفون للسلطات الباكستانية مرة واحدة عام 1984, كانت هي آخر مرة يشهد مطار لاهور طائرة هندية مخطوفة. * رفضت باكستان هبوط طائرات هندية مخطوفة ثلاث مرات, مرتين في عام 1982, والثالثة عام 1984. وبعد انقطاع نحو 18 عاما عادت الطائرات الهندية المخطوفة تحلق في أجواء باكستان, وعادت السلطات الباكستانية تجدد رفضها السماح للخاطفين بالهبوط. واللافت, ان القرار الباكستاني رفض هبوط الطائرة الهندية المخطوفة يوم 24 ديسمبر الماضي, جاء هذه المرة تكريسا لهاجس باكستاني يتمثل في تجنب الوقوف على خطة أزمة أو الامساك بنيران النزاعات الهندية الداخلية, التي قد تمتد لتشعل حربا, إسلام اباد ليست متأهلة لها هذه الأيام لسببين: الأول: ان النخبة العسكرية والسياسية الباكستانية مازالت تعاني من صراع الانسحاب من كارجيل بقرار اتخذه رئيس الوزراء السابق نواز شريف, تحت ضغوط دولية واقليمية, بعد ان قطع المحاصرون الكشميريون منتصف الطريق لالحاق الهزيمة بالقوات الهندية, في حرب عصابات منظمة ومن ناحية ثانية اجبار المجتمع الدولي على الانتباه لقضيتهم المدرجة على أجندة الشرعية الدولية منذ اكثر من نصف قرن, دون صدور قرار ملزم بحلها, ورغم كون قضية مسلمي كشمير تدخل في صميم الهم الدولي بحقوق الانسان, والتي تتبخر تماما عندما تقترب من تخوم كشمير. وجاء الرفض الباكستاني لهبوط الطائرة الهندية المخطوفة,, للوهلة الاولى بدافع من هاجس امني يفرض على القيادة العسكرية الجديدة التزام اقصى درجات الحذر والحرص على عدم التورط في نزاع جديد مع الهند يفرض على القيادة الباكستانية مواقف هي في غنى عنها في غمرة انشغالها بترتيب البيت من الداخل. اما السبب الثاني, برفض باكستان السماح للطائرة الهندية المخطوفة في لاهور, هو المصادرة نهائيا على محاولات هندية, حثيثة, بدأت مبكرا, في عهود نواز شريف بالزج بباكستان الى مستنقع الارهاب الدولي, ومحاولة وضعها على قائمة الدول الراعية للارهاب وهي محاولة بدأت من جانب الهند محاولة تصوير مجاهدي كشمير وكأنهم جماعات ارهابية, وليست جماعات تطالب بحق تقرير مصيرها, على غرار ما جرى في تيمور الشرقية وغيرها. والشاهد ان الهند لم تأل جهداً في استخدام قضية اسامة بن لادن كارهابي مطلوب من العدالة الامريكية؛ وجعله معبرا لهدفها للزج بكل من باكستان والجماعات الكشميرية في عداد الارهابيين. واستخدمت ماكينة الاعلام الهندي عبارة منسوبة لاسامة بن لادن يقول فيها ان حربه ضد الكفار, روسيا والهند والولايات المتحدة, فهم اعداء الاسلام. والهدف الهندي وراء هذه المحولات الدؤوبة لتوريط باكستان والمجاهدين الكشميرين في عمليات ارهابية, يكمن في محاولة اضعاف باكستان دبلوماسيا وحصارها بوضعها في موقف الدفاع واجهادها بالسعي لابراء الذمة من جهة, ومن جهة اخرى طي ملف النزاع الكشميري للابد, بدمغه بتهمة الارهاب الدولي, وهي بهذا تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد. ويفسر هذا الهدف, اسراع المسئول الهندي منذ البداية بالتصريح بانه يعتقد ان كشميرين وراء خطف الطائرة؛ وانهم سيطالبون على الارجح باطلاق سجناء, حتى قبل ان تعلن اي جماعة كشميرية عن مسئوليتها او حتى قبل ان يكشف الخاطفون عن هويتهم. لغز اقلاع الهند عن التفاوض على ارضها عندما اختطفت الطائرة (آي سي 814) وهبط بها الخاطفون في مطار اميريستار, قبل ان يتوجهوا بها الى كابول, لم تظهر السلطات الهندية اهتماما بالتفاوض مع الخاطفين, وتركت الحبل على الغارب للخاطفين, واتاحت لهم فرصة الفرار بالطائرة المخطوفة, وعلى متنها نحو 186 راكباً وراكبة. وبدا وكان الامر خارج عن سياق التعامل الحضاري المألوف مع الخاطفين في مثل هذه الحالات, حيث كانت الحكومة ممثلة في قمة هرمها تعمل على تسريع عجلة المفاوضات لمعرفة هوية الخاطفين ومطالبهم, من اجل اطلاق الرهائن, واحيانا كانت تدخل بالقوة لانهاء دراما الاختطاف. أما في هذه المرة فقد بقيت السلطات الامنية الهندية في حالة شلل ولم تحرك ساكنا لانها مأساة الطائرة المخطوفة سريعا, وهو امر محير, خصوصا وان هناك ضابطا كبيراً من المخابرات الهندية على متن الطائرة حسبما ذكرت المصادر الباكستانية ناهيك من عدد الركاب الذي يفرض على الحكومة التزاما بضرورة التحرك السريع. وفي اليوم الرابع لمأساة الطائرة المخطوفة وتحت ضغط الرأي العام الغاضب بل الساخط على اداء الحكومة امنيا؛ قررت رئاسة الوزراء فتح التحقيق مع سلطات مطاراميرستار, زاعمة على ما يبدو كأنه محاولة لتهدئة مشاعر اقارب الرهائن ـ انها امرت منذ البداية عدم السماح للخاطفين بالفرار بالطائرة, الا ان سلطات المطار تركتهم بعد نصف ساعة من التوقف للتزود بالوقود يتجهون الى لاهور, ثم الى كابول ومنها الى دبي, حيث استقر بهم المطاف في قندهار, آخر مكان كان يحلم به المسئولون الهنود الذين اضطروا لايفاد وفد للتفاوض عبر طالبان التي لا تحظى باعتراف الهند. اعداد: سيد زهران