يؤكد الواقع السياسي انه ليست ثمة قوة عالمية او اقليمية تتعاطف مع الاكراد صدقاً وتقبل باقامة دولة لهم وتلك كانت قناعة تاريخية قديمة غالباً ما كانت تتجاوزها الظروف لحين من الزمن, وسرعان ما تعود هذه القناعة لتسيطر على الاذهان.فقد كان تشتيت الاكراد مطلب عالمي واقليمي, وحاول الغربيون دائماً تعضيد ذلك بالعمل على تشرذم الاكراد داخلياً , فتم استقطابهم الى محاور متنافرة وتلك سياسة لا تزال تحقق أهدافها بنجاح حتى الآن. ويرى المراقبون ان فترة كفاح عبدالله اوجلان وحزبه شكلت فاصلاً حاسماً في تاريخ هذه القضية فقد حولها الى قضية حقوق وقضية انسان وأيديولوجيا اكثر من كونها صراع مصالح, لقد فصل القبض عليه تاريخا عن تاريخ. قاد اوجلان وفريقه السياسي الممثل بحزب العمال الكردستاني حرباً ضد السلطة التركية منذ عام 1982 فكان ضحية الحرب شبه الأهلية هذه اكراد واتراك صفاهم اوجلان ليبقى هو وحزبه المرجع الاول والاخير. ويشير الدارسون الى انه لم يترك طريقه للانفراد بالسلطة الا واتبعها حتى التصفية الجسدية لمعارضيه, كما الحقت الحرب دماراً كاملاً بالاقتصاد في المناطق الكردية من تركيا.. ومن هنا جاء القبض عليه كانتصار شعبي وسياسي للحكومة التركية. ورث حزب العمال الكردستاني منظمة الشباب الثوري الماركسية التي كانت تعرف باسم (ديف كينج) وهي منظمة يسارية تركية لم تكن تود الشعب الكردستاني, فنبذ اوجلان عضويتها واستقطب عدداً كبيراً من كوادرها ذات الاصول وكون بهم النواة الاولى لحزب العمال على أسس ماركسية لينينية ستالينية في غاية التشدد والولاء للفكر الشيوعي الاصولي بكل حرفياته, واعلن انه كرس حزبه الجديد لهدف واحد هو محاربة (الامبريالية) التركية لتحرير الوطن الكردي. كان اوجلان مندفعاً ايديولوجياً بشكل مختلف عن المنطق الجديد الذي يتعامل به اصحاب العقيدة الاساسيين في موسكو, تجاه تركيا, رغم ان اهمية الملف الكردستاني لم تتضح لروسيا الا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, بينما كان اندفاع تركيا مدعوماً امريكياً للهيمنة على الدول الاسلامية المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي. ومع ظهور النفط القزويني وسعي تركيا لتسيير خطوط النفط الاذري والكازاخستاني عبر اراضيها, اتجهت روسيا لاستخدام ورقة الضغط الكردية لانذار تركيا.. وظل استخدامها ذاك مقصوراً على السماح لاوجلان وحزبه بتنظيم اعمال حزبه واقامة المؤتمرات والمهرجانات الخطابية وذلك افزع تركيا, فسكتت عن القصف الروسي للشيشان, وشجع ذلك الروس عن نبذ الورقة الكردية. وبدأت تركيا تحصي الدقائق لمغادرة عبدالله اوجلان روسيا, وصار اوجلان وحزبه محظورين في روسيا, وذلك ما اطرب قادة الترك, رقصت مؤسساتهم العسكرية طرباً وهيأت نفسها لحصار (متمردي الحزب) في مناطق جبلية بشرق تركيا وفي شمال العراق وفي كل مكان كان يمكن ان تجدهم فيه فقد تغيرت المعادلة الجيوسياسية وعلى تركيا الان ان تنهي هذا الامر للأبد. كان اوجلان قلقاً ازاء فكرة الفناء السياسي او الروحي لكنه ضيق على نفسه كثيراً باتخاذ ذلك الموقف الايديولوجي الذي ضيع عليه بقية فرص المناورة ويرى المراقبون انه طابق بين كل من موقف امريكا وتركيا وذلك في تبسيط شديد للامور ينزع اليه عادة غلاة الايديولوجيين. لكن اوجلان كان متجهاً للتحول السياسي وهذا امر تمر به كل الثورات, انه يحارب وينهك ويستنزف عدده ويكسب الرأي العام ويفاوض, ما يهم ان يشغل الطرف الآخر دائماً. الاكراد في حسابات تركيا والمنطقة اشكالية الحركة الكردية في تركيا كبيرة, فالأخيرة لا تعترف اساساً بوجود اية أقليات على أراضيها ويرى كثيرون انه من الخطأ البالغ اطلاق لفظ أقلية على أكراد تركيا لأنهم يشكلون ما يقرب من ثلث سكان تركيا ويقدرون بحوالي 20 مليون نسمة اليوم, بينما الثلثين الآخرين ليسوا عرقاً واحداً فيهم الارمن والعرب والشركس وبعض الاعراق الاخرى وتواجد الاكراد على الاراضي التركية اقدم من تواجد الاتراك, الا ان الامر نسبي ويعود الى اختلاف في وجهات النظر التاريخية والمرجعيات. لكن تركيا متشددة تجاه الجنسية التركية (لقد نقل عن شيللر قولها ذات مرة: ان كل من يعيش على تراب تركيا هو تركي.. هكذا قال اتاتورك, ان في بلدي اربعين اقلية لكنهم لن يكونوا خارج هذا القانون) . ولذلك فالأتراك يرون انه لا يجوز بأي حال تقسيم الشعب التركي الى قوميات خاصة, خاصة وان جميع مواطني تركيا (اكراد وغيرهم), يتمتعون بحقوق المواطن العادي وعندما تحسست الادارة التركية النزوع للانفصال من المنظمات السياسية الكردية اعتبرت ان هذه المنظمات تدخل في دائرة الارهاب. حتى عندما تراجع اوجلان عن فكرة الدولة الكردية المستقلة ونادى بحكم ذاتي لكردستان التركية, ادركت تركيا ان ذلك ضد مبادىء اتاتورك في وحدة الوطن ومقدمة لا شك فيها للانفصال, وهكذا جاء القبض على اوجلان ضرورة محتمة وعدته انتصاراً لقوميتها. أزمة وعلاقات متشابكة تركيا في أزمة بحثها عن الهوية كانت ممزقة بين الانتماء الى اوروبا وآسيا ومنطقة الشرق الاوسط, وعانت سياساتها من تذبذبات بسبب الاوضاع الداخلية مما يسمى بالصراع بين الاتجاهين العلماني والتيار الاسلامي. والحكومة التي ترسم سياساتها الخارجية, تعطي للجيش الحق في تحديد ما هو مرتبط بالامن والدفاع, وهكذا كان الشأن مع القضية الكردية, حكومة تركيا تزعم بعدم وجود مشكلة مع أكراد تركيا بينما مؤسستها العسكرية تسلك منهجاً آخر في القضاء عليهم, حتى لو تطلب ذلك اختراق حدود الجيران والضغط عليهم بقضية المياه. ان الطابع العام لعلاقات تركيا وجوارها هو علاقات صراع وتناقض والبداية من الشرق حيث ايران والتي تتهمها تركيا بمساعدة (الانفصاليين الاكراد) والناشطين شرق الاناضول, وهي تضيف الى ذلك مخاوفها من تأثيرات الثورة الاسلامية في ايران على الاتجاهات الاسلامية في تركيا فقد غدت الاخيرة قوة يحسب حسابها منذ سنوات طويلة وتعدها الحكومة التركية أكبر تهديد للنظام العلماني. وعلاقات تركيا بالعراق لا تقل تردياً عن علاقاتها مع ايران خاصة وان الدولة التركية غدت اكثر الدول تدخلاً في شئون العراق خاصة في الشمال منه وهو تدخل له ابعاد ومستويات مختلفة ومنها الاحتياجات العسكرية المتلاحقة والتي ازدادت بشكل مستمر بعد حرب الخليج الثانية 1991 بحجة ملاحقة الانفصاليين الاكراد. جعلت تركيا من نفسها قوة مؤثرة في صراعات الاكراد وفي حسابات القوى الكردية في الشمال العراقي وجندت بعضا من تركمان شمال العراق وربطتهم بجهازها الامني العسكري في اطار استراتيجيتها الرامية للاستيلاء على الموصل وضمها لها. اما علاقات تركيا مع سوريا, فترى المصادر انها وصلت الى الهاوية في العام الماضي واوشكت تركيا القيام بعمل عسكري واسع ضد سوريا بعد أزمة افتعلتها انقرة متهمة دمشق بمساعدة عبدالله أوجلان وحزبه.. تصاعدت حدة هذه الملفات مع تطور العلاقات الاسرائيلية ـ التركية ـ الامنية مشكلة ضغطاً على سوريا والعراق معاً. ويرى خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالاهرام ان تركيا في طريقها الآن لان تحقق انتصاراً عسكرياً وان تسحق التمرد العسكري الكردي وليس فقط مجرد التخلص من اوجلان فهي تستخدم سياسة الاذرع الطويلة في ملاحقة افراد حزب العمال الكردستاني خارج الحدود التركية وبخاصة داخل حدود العراق. ويضيف الخبراء ان سياستها هذه تقوم على الهجوم المستمر وبالاسلحة الثقيلة على قواعد حزب العمال الكردستاني, لاضعافه, لكنها بالمقابل ساعدت على تقوية المشاعر القومية بين الاكراد سواء في داخل تركيا او خارجها بهذه السياسة. معسكر للجيش التركي في شمال العراق