لا يختلف اثنان على ان القبض على أوجلان آثار قضية الاكراد على الصعيدين الأوروبي والعالمي, وكشف جوانب كثيرة من المخططات الأوروبية ـ الأمريكية الاسرائيلية للمنطقة, فأمريكا وأوروبا لم تكونا أبدا مستعدتين للتفريط بتركيا ذات الموقع الاستراتيجي لمصالحهما معا خاصة اذا أضيفت إليهما اسرائيل ثم روسيا . والذي قال ان دخول الاتراك إلى أوروبا أصبح مستحيلا, خاب ظنه, أو يبدو ان تركيا ستحظى بعضوية الاتحاد الأوروبي رغم كل شيء, فتركيا رغم غياب الديمقراطية وسيطرة العسكرتارية فيها مازالت تشكل أهمية للغرب الأوروبي والأمريكي. وربما ذهب الذاهبون إلى ان قضية أوجلان قد تضر بتركيا, لكن ذلك على ما يبدو لم يكن ذا أثر كبير خاصة وأن القضية الكردية لم تكن ذات يوم أكثر من ورقة يستخدمها الأمريكيون لخدمة مصالحهم الخاصة القومية والاستراتيجية, وليسوا وحدهم في ذلك, بل ان كل الدول استخدمت هذه الورقة لخدمة مصالحها وتلك هي لعبة السياسة الدولية. ومعروف ان الأمريكيين لا يتحركون في سياستهم انطلاقا من الديمقراطية وحقوق الانسان بل انطلاقا من اعتبارات استراتيجية مع تركيا ضد الأكراد. حتى أوروبا.. رغم انها لم تلعب دورا مباشرا في توقيف أوجلان, لكنها رفضت منحه اللجوء السياسي, وإن كان هذا نتيجة للضغوط الأمريكية, بل ان الأوروبيين يعتقدون صدقا بأن المشكلة الكردية أصبحت مشكلة أوروبية لأسباب عديدة لعل أهمها ان هناك ثلاثة ملايين كردي وتركي في أوروبا من ضمنهم 850 ألف كردي وهؤلاء يعيشون أزمة في بلدانهم ويشكلون توترا في أوروبا بفعل التظاهرات والاحتجاجات التي يقومون بها. ويرى المحللون ان اضطهاد الاكراد سيؤدي إلى نشوء هجرة جديدة نحو أوروبا ولذلك فإن جميع دول أوروبا معنية بالأمر, فهؤلاء الأكراد يطرحون مشكلة الهجرة والهوية والعنصرية. قضية الأكراد متشابكة في واقعها الداخلي والخارجي وفي أبعادها السياسية وعلى المستقبلين القريب والبعيد, لقد حققت هذه القضية كابوسا مخيفا للدول المعنية بها (إيران, تركيا, العراق وسوريا وحتى روسيا وأرمينيا). فتركيا متخوفة من تحول اقليم كردستان العراقي إلى قاعدة لحزب العمال الكردستاني في الحرب التي يشنها على الحكومة التركية منذ 1984, ومتخوفة أيضا من قيام دويلة كردستانية مستقلة الأمر الذي يهدد كيانها. ومنذ قيام المنطقة العازلة المحظورة على الطيران العراقي باتت تركيا لا تنام اطلاقا, انهم يخشون زحفا لسياسة أمريكية غربية ـ أوروبية قد تخلق فوضى في العراق لتقوم على انقاضها دولة كردية مستقلة على حدودها. ورغم ان تركيا قد حددت عام 1994 (مواجهة الواقع الكردي) لوضع الدول المعنية في صلب النفوذ المؤثر في المجتمع السياسي الكردي للحيلولة دون قيام دولة مستقلة, إلا وانها مازالت غير متأكدة من نوايا أمريكا والغرب حتى بعد ان وعدها الغربيون بالهوية الأوروبية. أوروبا إذن ترى ان عليها البحث عن حل سياسي للمشكلة الكردية وللتظاهرات الكردية في العواصم الأوروبية والتي تؤثر على الرأي العام الأوروبي, وترى أيضا مثل أمريكا ان تقسيم كردستان بين أربع دول كارثة حقيقية, فذلك يعني انها ستبقى تخوم حدود هذه الدول ساخنة بحرائق الثورة الكردية وآثارها على الاستقرار الحقيقي في المنطقة. أوجلان إذن, رغم انه تحول إلى رمز وطني, لكنه ضاع في لعبة الأوراق السياسية.. قدم رقبته مرغما وضعف بلا معنى, فالقضية الكردية ليست أكثر من حجر يتحرك على دومينو السياسة الأمريكية, فهي التي تعرف متى تثير هذه البراكين وتعرف متى تخمدها. المحررة