لعل المغزى العميق والدلالات الكبيرة لقرارات مجلس شورى المؤتمر الوطني (560 عضوا) التي اجاز فيها بما يشبه الاجماع توصيات (لجنة الاصلاح ورأب الصدع) التي ترأسها الدكتور عبدالرحيم علي رئيس مجلس الشورى يوم الاثنين 27 ديسمبر الماضي تقع خارج نصوص تلك التوصيات. أول تلك الدلالات ان اللجنة تجاوزت شكليات تكوين المؤتمر الوطني ولجأت الى الكيان الغالب والقلب النابض في جسم المؤتمر وهو الحركة الاسلامية فاتصلت مباشرة بقطاعات وقيادات ذلك الكيان لتعقد اجماعا بينها حول اهداف رئيسية هي: حفظ وحدة التنظيم, ضمان سلامة الدولة, إلزامية الشورى, حاكمية التنظيم عبر مؤسساته. وبالرغم من ان الحركة الاسلامية قد همشت ـ بل وحلت ـ بعد مجيء سلطة الانقاذ الا انها لم تكن المرة الاولى التي يلجأ فيها قادة الانقاذ الى قواعد الحركة الاسلامية ليجدوا عندها السند في مقابلة التحديات والمخاطر التي واجهتها الدولة, فعندما استعرت العمليات العسكرية في الجنوب وفي الشرق لم تجد الانقاذ الا ابناء الحركة الاسلامية يهبون لحمايتها والذود عنها في استبسال منقطع النظير خاصة عندما حمي الوطيس في يناير 97 عندما تآزرت دول الجوار مع حركة التمرد في عمليات متناسقة من الجنوب والشرق. وكان شباب الحركة هم دعامة السند الجماهيري الذي وجدته الحكومة في كل حالات الاستنفار التي اعلنتها ضد قرارات الحصار الاقتصادي والسياسي على السودان. ومن الملفت للنظر ان شباب الحركة ورجالها كانوا على قدر البذل والتضحية المطلوبة رغم التهميش الذي وقع عليهم كمؤسسة كان ينبغي ان تتولى قيادة سفينة الانقاذ. وثاني تلك الدلالات ان قاعدة الحركة الاسلامية اثبتت فاعليتها في فرض ارادتها على القيادة لأول مرة منذ مجيء الانقاذ الى السلطة, وفعلت ذلك بما يشبه الاجماع. فبالرغم من النقد الذي وجه للجنة الاصلاح من الشاب المندفع محمد الحسن الامين المتحدث الرسمي باسم جناح الترابي بأنها غير مؤسسية وان توصياتها غير ملزمة, ولعله حاول ان يحول بينها وبين مقابلة الهيئات الشعبيةالتي هو مسئول عنها في المؤتمر الوطني,. وبالرغم من مقاطعة الترابي شخصيا لاجتماع حشد الاسلاميين الذي دعت له اللجنة في قاعة الصداقة, الا ان اللجنة وجدت اتفاقا كاملا من قاعدة الحركة وقياداتها الوسيطة واستطاعت ان تجمع اكثر من 1500 توقيع تأييدا لتوصياتها قبل اجتماع مجلس الشورى واحتشد لها بقاعة الصداقة اكثر من الف شخص كلهم لا يريد ان يسمع اقتراحا آخر غير مقترحات اللجنة التي تقدمت بها. لذلك كان الامر محسوما تماما قبل انعقاد اجتماع مجلس الشورى وتكرر في مجلس الشورى ما حدث في حشد الاسلاميين قبله فلم تجد مقترحات هيئة القيادة التي ترأسها الامين العام وقصد بها محاسبة رئاسة الجمهورية على قراراتها الانفرادية اذنا صاغية, وعندما وقف الرجل الوفي عبدالله حسن احمد وزير التعاون الدولي يذكر تحفظات هيئة القيادة على بعض توصيات لجنة الاصلاح لم يجد من يتجاوب معه بالرغم من وجاهة تلك التحفظات. لقد كان اجتماع مجلس الشورى يمثل ثورة على هيئة القيادة التي سبق له ان قام بانتخابها, ويمثل ثورة على قيادة الحركة التاريخية, ولعل هذا يعني ان قاعدة الحركة الاسلامية بدأت تجد قيادة جديدة في بعض اعضاء لجنة الاصلاح البارزين من امثال عبدالرحيم علي وعبدالباسط عبدالماجد وحسن عثمان رزق ومهدي ابراهيم والزبير بشير. وثالث تلك الدلالات ـ وهو نتيجة منطقية لما سبق ـ ان ظهر شعور عام لدى قواعد الحركة الاسلامية بأنهم يرغبون في اعادة كيان الحركة الاسلامية بصورة من الصور وبرهنت الحوادث ان المؤتمر الوطني لا يصلح بديلا عن الحركة الاسلامية بل لعل تكوينه بهذه الصورة لا يخلو من (الفهلوة) والتدليس في التعامل مع الآخرين. وقد رأت اللجنة الا تتقدم بتوصية صريحة بهذا المعنى لمجلس شورى المؤتمر مراعاة لحساسية بعض اعضاء المؤتمر من غير اعضاء الحركة ولأن المؤتمر غير معني بشئون الحركة الاسلامية. وليتهم فعلوا حتى يزيلوا ازدواجية اخرى ما فتئت تطل برأسها من وقت لآخر خاصة عند الازمات! لقد اثبت كيان المؤتمر الوطني عجزه عندما تدلهم الخطوب وسيتضح ذلك بصورة اجلى عندما تفتح التعددية ابوابها للاحزاب المعارضة, كما ان بعضا من اعضاء المؤتمر من خارج الحركة الاسلامية يشعرون ان بعض القرارات الهامة تصنع بصورة غامضة خارج اجهزة المؤتمر وان هناك بعض مراكز القوى التي يجهلون اسباب قوتها. على كل فإن بعض فصائل المؤتمر الوطني لها تنظيماتها المعلنة, فلم لا يكون للحركة الاسلامية ايضا تنظيمها المعلن ويصبح المؤتمر الوطني وعاء تحالفيا لمن يريد ان يبقى به أو يدخل فيه على اساس برنامج سياسي محدد متفق عليه من فصائل التحالف, ولا بأس ان يظل رئيس المؤتمر هو رئيس المؤتمر والامين العام هو الامين العام على ان تتكون الاجهزة بصورة تمثيلية لفصائل التحالف وان يكون الخيار مفتوحا للأفراد المستقلين ان ينضموا لأي من التنظيمات المكونة لكيان المؤتمر بما في ذلك تنظيم الحركة الاسلامية أو ان يستحدثوا لهم تنظيما خاصا بهم. تدل قرارات مجلس الشورى على تأييد للرئيس البشير في المواجهة التي وقعت بينه وبين رئيس المجلس الوطني والأمين العام للحزب وذلك بتأكيد حق البيعة له وبتولي الجهاز التنفيذي تسيير امور الدولة وباعادة تشكيل الهيئة القيادية وتعديل النظام الاساسي للحزب دون ان تؤنبه على حل المجلس الوطني او اعلان حالة الطوارىء. ولعل السبب في ذلك هو الحفاظ على هيئة الدولة التي يمثلها رئيس الجمهورية وللقبول الداخلي والخارجي الذي وجدته قراراته ولأنه الطرف المتضرر من عناد الشيخ الترابي الذي مضى في شأن التعديلات الدستورية غير عابىء بكل الرجاءات التي قدمت اليه. ولكن قد يكتشف مجلس الشورى ان الضوابط التي وضعها على عمل الجهاز التنفيذي مثل الالتزام بالشورى عبر الاجهزة التنظيمية, وتقديم تقارير دورية للتنظيم عن الاداء التنفيذي والتشاور مع التنظيم عند الطوارىء, وعقد لقاء اسبوعي بين قيادة الدولة وقيادة التنظيم لتبادل المعلومات والتنسيق, واختيار قيادة الاجهزة التنفيذية وفقا لفقه الجرح والتعديل مع توخي روح الاجماع... غير سارية المفعول فقد تذوق الرئيس ومعاونوه الاقربون طعم الانفراد باتخاذ اهم القرارات التي وجدت ترحيبا داخليا وخارجيا فلماذا يقيد نفسه بأطر تنظيمية مرة اخرى, وقد يحتج الرئيس على ذلك بالمفهوم التاريخي لحق البيعة انها مقيدة فقط بارتكاب المعاصي. يلمس المرء هذه الروح من المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب الاول علي عثمان محمد طه يوم الثلاثاء الماضي وقال فيه ان اجراءات مجلس الشورى صبت في اتجاه الاصلاح وتعزيز قيادة رئيس الجمهورية للجهاز التنفيذي بلا منازعة او تقاطع, وظهر ايضا في طلب الرئيس استقالات الوزراء والولاة. قد يعيد هذا المسلك مرة ثانية بين جناح الرئيس وجناح الامين العام فالاشكال بين الطرفين ما زال قائما وان استطاعت قرارات الشورى ان تطفىء الحريق. اما بالنسبة للشيخ الترابي الذي جاءت قرارات الشورى خصما على حصابه فإن امامه ثلاثة خيارات لتجاوز الوضع الصعب الذي وجد نفسه فيه: * ان يحني رأسه للعاصفة ويعقد مصالحة شخصية مع الرئيس يسلم له فيها بأنه الرجل الاول في الدولة والحزب, وان يتعاون معه في اعادة تشكيل هيئة القيادة وتعديل النظام الاساسي للحزب وتعديل الدستور. * ان يسعى من جديد لترميم علاقاته مع قيادات الحركة الاسلامية الكثيرة التي خسرها بسبب منهجه المتعسف في التعامل معها عندما كان هو رجل النظام الاول بلا منازع, ولكن هذا لا يعني الدخول في مناطحة اخرى مع قيادة الجهاز التنفيذي. * ان يتنحى عن قيادة التنظيم ويكتفي بدور الرعاية الرمزية الارشادية للتنظيم والدولة, وهذا أحسن الخيارات للشيخ الذي أدمن خوض المعارك. ويتسنى على اعضاء الحركة الاسلامية ان يأخذوا الدرس من واقع التجربة المريرة حتي يستعدوا لتعددية قادمة قد تطيح بكل مكتسباتهم السياسية وتعيد حجم الحركة الى ما كانت عليه قبل عقود من الزمن. وأحسب ان الاستعداد للفترة المقبلة يتمثل في الآتي: * انشاء كيان متميز للحركة الاسلامية يحمل اهدافها ويتبع منهجها في العمل التربوي والدعوي والسياسي. * وان يعمل هذا الكيان تحت قيادة جديدة لا تحمل أوزار السنوات الماضية ولم تتلوث بالصراع على السلطة او التغاضي عن الفساد. * وان تقيم تحالفا عريضا مع فصائل سياسية داخل وخارج المؤتمر الوطني وفقا لبرنامج سياسي واضح لميقات معلوم حتى تبنى على ما اكتسبته الحركة في الفترة الماضية. ومن الخير للجميع الاتجاه نحو الوفاق الوطني وتعمير العلاقات مع دول الجوار بقلوب مفتوحة حتى ننتشل الوطن من وهدته ونتجاوز مرحلة الصراع والاحتراب الى قدر من الاستقرار السياسي افتقدناه طويلا.