تساءلت المذيعة في قناة أبوظبي الفضائية ـ كما تساءل الكثيرون ـ عن السر في تمكن عمان واليمن من حل مشكلة الحدود بينهما في زمن قياسي بينما المشكلة مع السعودية ظلت لما يقرب من قرن من الزمان ـ وحتى اليوم ـ دون حل ؟ ما ميز العلاقة اليمنية العمانية عن علاقة اليمن مع السعودية ان الاشكال بين اليمن وعمان محصور في أمرين اثنين: الأول: دعم جمهورية اليمن الديمقراطية, سابقا, للقوى المضادة لنظام الحكم في سلطنة عمان. الثاني: وجود تداخل محدود في الحدود الجغرافية بين البلدين الشقيقين. حين توقف دعم اليمن للقوى المضادة, وحلت اشكالية التداخل في الحدود الجغرافية من خلال حوار اتسم بالانصاف والتسامح انتهت المشكلة بين عمان واليمن. الأمر بالنسبة للعلاقة السعودية اليمنية مختلف في عدد من الوجوه من أهمها: * ان التجمع البشري في المناطق الحدودية اليمنية العمانية محدود مما جنب الطرفين مشكلة تشابك العلاقات الانسانية بين السكان وذلك عكس ما هو قائم على الحدود اليمنية السعودية. * ضعف فرص العمل لدى كل من عمان واليمن كنتيجة لضعف اقتصادهما مما حد من تشابك المصالح بينهما بل ودفع سكان كل منهما للبحث عن عمل في مناطق أخرى. والأمر مختلف بالنسبة للسعودية التي شكل اقتصادها وفرص العمل فيها قوة جذب لا تقاوم سواء لحركة العمالة اليمنية أو لحركة السلع أو لفرص التهريب بما في ذلك تهريب شجرة (القات) . * ليس لدى اليمن وعمان هواجس أمنية تضطر كل منهما إلى اتخاذ مواقف قد تمس مصالح هذا الطرف أو ذاك, والعكس صحيح بالنسبة للعلاقة السعودية اليمنية, فالتجارب المستفادة لدى السعودية من الأحداث التأريخية التي صاحبت نشأة الدولة السعودية الأولى والثانية جعلتهم يصلون إلى قناعة مطلقة بأن أمن نجد وأمن مملكتهم لا يمكن ان يتحقق دون السيطرة على نجران وعسير, فنجران هي التي أعاقت تطور الدولة السعودية الأولى, حين قامت قبائلها بزعامة الحسن بن هبه 1764 بتحطيم مدينة الدرعية. ويعتبر السعوديون خلاف عسير ـ كما اعتبره والي مصر محمد علي ـ مفتاح الجزيرة العربية, وقد كان لقبائل عسير مواقف قوية في دعم أمراء آل سعود سواء في مواجهة جنود والي مصر محمد علي أو عند اجتياح السعوديين للحجاز, لكل ذلك اعتبر السعوديون اقليم عسير ضرورة حيوية لأمنهم ولدعم مملكتهم, وهنا بدأ التقاطع الذي أدخل العلاقات اليمنية السعودية في أزمة خلقت مع مرور الزمن تراكمات نفسية وحالة من التوتر الدائم الذي قد يتصاعد فيصل إلى الصراع المسلح كما حدث عام 1934 وقد يخفت ليتحول إلى ترقب وقلق مستمر حرم العلاقات السعودية اليمنية من الثبات والاستقرار والاطمئنان. * خلو الرغبة من قبل عمان واليمن في التوسع على حساب الطرف الآخر, وخلو علاقاتهما عبر تأريخهما من تراكمات كبيرة لصراعات وحروب وتدخل كتلك التي ميزت العلاقات السعودية, بجيرانها في الجزيرة والخليج. لقد ارتبطت نشأة المملكة العربية السعودية ورغبتها في التوسع بأيديولوجية دينية فسعت المملكة تحت شعار تجديد الدين ـ طبقا للمذهب الوهابي ـ إلى الدخول في حروب توسعية شرق الجزيرة وشمالها وجنوبها واتسم التوسع بتعصب مذهبي شديد الغلو مما ترك اثارا عميقة في نفوس اليمنيين الملتزمين بالمذهب الزيدي والمذهب الشافعي. حاولت دولة في حجم الولايات المتحدة الأمريكية ان تلتزم بهذه الاستراتيجية تجاه دول أمريكا اللاتينية ثم اكتشفت ان ضعف دول أمريكا اللاتينية وفقرها وعدم استقرارها قد سهل للأفكار الشيوعية ان تعشعش فيها واكتشفت ان ضعف جيرانها قد عكس عليها مشاكل لا حدود لها, فالبشر لا يمكن ان يقبلوا الموت جوعا ولابد لهم ان يتحركوا على الساحة المجاورة بطرق مشروعة وغير مشروعة, وإذا كانت هذه المشكلة محدودة اليوم فإنها سوف تتحول غدا إلى أزمة تهدد بالفعل أمن المنطقة كلها. هذه العوامل مجتمعة هي ما ميز العلاقات العمانية اليمنية عن العلاقات اليمنية السعودية. لن يقبل اليمنيون مهما طال الزمن بالغبن, ولن يشعر السعوديون بالأمان في ظل اتفاق غير عادل, ولهذا فإن حل الاشكال اليمني السعودي يتطلب جهدا أكبر ونظرة مختلفة, وأبعادا أوسع وأشمل تصل في مداها إلى ان تصبح الرياض هي صنعاء, وصنعاء هي الرياض, فالسعودية واليمن بلد واحد وليس بلدين وأي اتفاق لا يأخذ في اعتباره هذا البعد هو اتفاق هش لن يصمد مع الزمن.