ربما يكون القراء والمشاهدون قد وصلوا الى مرحلة الاعباء من كثرة ما مر عليهم في الايام الاخيرة من استعراضات لحوادث العام, والقرن, والالفية, واستقراءات للايام المقبلات والعقود القادمات ولكن ما يجري هذه الايام مجرد حدث عارض, بل هو زمان نادر, وقد يثور العربي او المسلم متسائلا ولماذا كل هذا الاهتمام بنهاية القرن العشرين , علما اننا قد مررنا قبل عشرين عاما بنهاية القرن الرابع عشر الهجري, ولم نأبه كثيرا, ولم نعطه كل ذلك الاهتمام. وآخرون يثيرون الموضوع نفسه من ناحية شكلية اقرب الى فلسفة الامور من خارج الواقع, ويتساءل هؤلاء عما يميز ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1999؟ اليست هي لحظة خاطفة شبيهة بالليلة التي قبلها, او بتلك التي ستليها, ولكن ينسى هؤلاء ان الزمن ليس قطعة واحدة سرمدية لا تنتهي بل نحن جزأناه الى قرون وساعات وثوان واجزاء من مليون من الثانية, وجعلنا للحظات منها اهمية خاصة مثل الاعياد الدينية والوطنية واعياد الميلاد والزواج ورأس السنة وغيرها الكثير الذي لا ينتهي. والاردن قد مر خلال العام 1999 بأحداث كثيرة, ولعل محاولة استجلائها واختيار الابرز منها من حيث تأثيره على الاردن, ومستقبله وعلاقاته تفيد. وقد قمت بالحديث مع كثيرين بهدف الوصول الى ابرز الحوادث والاحداث الهامة, وكانت الحصيلة كما سيلي. ان الحدث الابرز كان وفاة المغفور له الملك الحسين بن طلال يوم السابع من فبراير وقد هاجت بوفاته العواطف, وسعى لجنازته اكثر من 80 رئيسا وقائدا يمثلون حوالي سبعين دولة, وسميت بجنازة القرن. ويرتبط بوفاة الملك الحسين تغييره لولاية العهد قبيل وفاته من اخيه الامير الحسن الذي تولى المنصب قرابة 34 عاما الى نجله الاميرعبدالله والذي قام بحلف اليمين الدستورية امام البرلمان بعد ساعتين من وفاة والده بينما توج ملكا باحتفال متواضع يوم التاسع من يونيو 1999. ولايزال موضوع التغيير مثارا للحديث, والتكهن, والتفسير, ولكن الملك عبدالله يسعى منذ اللحظات الاولى الى تأكيد ذاته, وابراز استقلالية منهجه, والتركيز على اشكاليات الجبهة الداخلية والاقتصادية والادارية منها بشكل خاص. اما الحدث الثالث المهم فهو اعادة فتح السفارة الاردنية في الكويت, ورغم ان العلاقات الدبلوماسية لم تكن مقطوعة وكانت السفارة الكويتية مشغولة بوجود قائم بالاعمال إلا ان السفارة الاردنية بقيت مغلقة منذ عام 1991 وتأتي اهمية هذا الحدث لسببين الاول هو المعاناة التي تكبدها الاردن بسبب موقفه في حرب الخليج الثانية, وبخاصة عودة مئات الآلاف من الكويت عامي 1990 و1991 والثانية لان تطبيع العلاقات مع الكويت فتح صفحة جديدة من العلاقات الاردنية الخليجية, والتي لها اثر كبير على وضع الاردن الاقتصادي واستقراره الامني والسياسي. اما الحدث الرابع المهم فهو بدء التفاوض على قضايا المرحلة النهائية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية وقد ادى هذا الى اثارة المصالح العليا الاردنية, والمرتبطة بنتائج ذلك التفاوض, وبخاصة في قضايا اللاجئين والقدس, وترسيم الحدود. وقد فتحت الباب على مصراعيه ايضا لاعادة ملفات قديمة على ساحة النقاش السياسي مثل الكونفدرالية, والوطن البديل, وغيرها من موضوعات ايجابية وسلبية. اما الحدث الخامس فهو الاعلان يوم 17 ديسمبر 1999عن قبول الاردن في عضوية منظمة التجارة العالمية, وقد سبق ذلك القبول اتخاذ الكثير من الخطوات واقرار مشروعات هامة نحو تلك الغاية وسوف ينطوي ذلك القبول على اثار واسعة داخل الساحة الاردنية, ويندرج بالطبع تحت ذلك الامر تصديق البرلمان ومن ثم الملك, على اتفاقية الشراكة الاوروبية وكذلك اتفاقية التجارة الحرة العربية, والجدير ذكره هنا ان الاردن هو من اكثر الاقتصادات العربية تجارة مع العرب, وادقهم التزاما بالقرارات العربية, ودفع المستحقات عن عضوياته في المنظمات العربية المختلفة. اما الحدث السادس فهو قيام الملك عبدالله بتشكيل مجلس اقتصادي استشاري, ورغم المبالغة في الاعلام الاردني لاهمية التوقعات من ذلك المجلس, إلا ان اهميته تكمن في بحث الملك عن قيادات في القطاع الخاص, تكون قادرة على تحمل العبء المطلوب منها. اما الحدث السابع فهو اشتداد عود مجلس الاعيان, ورفضه المتزايد للتعديلات التي يدخلها النواب على مشروعات القوانين المطروحة عليه, ومن ابرز تلك التحديات رفض مجلس الاعيان لقرار مجلس النواب باستمرار التمييز ضد المرأة في جرائم الشرف, ولربما تشكل قضايا المرأة وحقوقها نقطة تنوير جديدة في الاردن. اما الحدث الثامن فهو اعادة النظر في قانون المطبوعات والنشر وتخفيف بعض القيود على رؤوس اموال المؤسسات الصحفية وتقليل مدة الخبرة المطلوبة لرؤساء التحرير واعادة النظر في العقوبات ضد المحكومين من الصحفيين بالخروج على القانون. اما الحدث التاسع فهو استقالة وزيرين في مناسبتين مختلفتين احتجاجا على تدخلات خارجية في نطاق عمليهما الاول كان الدكتور محمد خير مامسر وزير الشباب السابق, والثاني المهندس ناصر اللوزي وزير النقل السابق, وهذه ظاهرة قد تؤدي تدريجيا الى السعي لتعزيز دور الوزير ومنحه الصلاحيات الكافية حتى يكون عرضة للتساؤل.