ميزانية الدولة اي دولة حديثة, خاصة الدولة الديمقراطية التي لاتوضع ميزانيتها بالخفاء, بل تظهر للعيان للمناقشة الشعبية والبرلمانية, هي اشمل وادق تعبير عن سياسة تلك الدولة بالمجمل بل هي الحالة الوحيدة التي تترجم فيها السياسة الشاملة الى ارقام بالامكان مناقشتها . ولذلك وبعد ان تحاول مجموعات الضغط الجماهيرية, وحركات الاحتجاج والاضراب ان تؤثر على هذه الميزانية بموجب مصالحها, او بموجب سياستها وتوجهها الاجتماعي, تبقى الميزانية تعبيرا عن سياسة الائتلاف الحكومي او الحكومة التي تقدمها للبرلمان, ولذلك ايضا وكتعبير عن المسئولية الجماعية في السلطة التنفيذية التي اقرت الميزانية, وقدمتها للبرلمان يلتزم الائتلاف بالتصويت لصالح الميزانية, ومن يصوت ضدها عليه ان يترك الائتلاف الحكومي, هكذا تصرفت حركة شاس عندما هددت بالتصويت ضد الميزانية, فاعلنت انها سوف تترك الائتلاف, فهو وحده الذي يتحمل مسئولية كاملة عن ميزانية الدولة. اما الاحزاب الموجودة خارج الائتلاف فلا تستطيع التصويت لصالح الميزانية لان التصويت لصالح الميزانية كالامتناع عن التصويت يعني الموافقة او الموافقة الصامتة على سياسة الحكومة بمجملها في جنوب لبنان وفي الاستيطان في الضفة الغربية وفي القدس وفي مشاريع تهويد الجليل كما انها موافقة على سياسة الحكومة الاجتماعية وعلى استمرار توسيع الهوة بين الاغنياء والفقراء. اكثر من ذلك, التصويت لصالح الميزانية هو اكثر من تصويت لصالح الحكومة او الامتناع عند اقتراح نزع الثقة عنها لقضية عينية, فعادة تقدم اقتراحات نزع الثقة على موضوع محدد قد يوافق قسم من المعارضة فيه مع الحكومة وقد لايوافق ولكن التصويت لصالح الميزانية هو موافقة على مجمل سياسة الحكومة. اما الاحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي فقد لا توافق على جزء من الميزانية ولكنها تخضع هذا الخلاف للقضية الاساسية وهو استمرار وجودها في السلطة كطريقة للتأثير على سياستها, وثمن هذا التأثير اي ثمن المشاركة في السلطة هو تحمل المسئولية المشتركة. موقف النواب غير المشاركين في الائتلاف الحكومي الطبيعي هو التصويت ضد الميزانية, واستغلال الفرصة الذهبية التي تمنح لهم عند مناقشتها لتوجيه انتقادات شاملة ضد سياسة الحكومة الاسرائيلية في حالتنا. وقد ينشأ وضع يحتاج فيه الائتلاف الحاكم الى اصوات نواب من خارجه لتمرير الميزانية, خذ مثلا حالة النواب العرب في الكنيست, قد تحتاج الحكومة القائمة الى اصواتهم كونهم ليسوا جزءا من الائتلاف كما انهم في الوقت ذاته لاينتمون الى المعارضة اليمينية المنظمة والهادفة الى الوصول للسلطة. والنواب العرب ممثلو الجماهير العربية في البرلمان ليسوا معارضة تهدف للوصول الى السلطة في اسرائيل هنا ينشأ وضع خاص يحتم التفكير باعتبارين مختلفين. * هل من مصلحة الجماهير العربية والمجتمع الاسرائيلي اسقاط هذه الحكومة وتمهيد الطريق لوصول اليمين المنظم الى السلطة؟ * كيف بالامكان استغلال هذا الوضع الناشىء لابتزاز مكاسب عينية للجماهير العربية؟ ولكن هذه الدوامة لم تكن قائمة عند مناقشة ميزانية الدولة لهذا العام ولم تكن حاجة ان نسأل انفسنا هذه الاسئلة الصعبة لان الحكومة الاسرائيلية أمنت الاغلبية المطلوبة دون الحاجة لاصوات النواب العرب وبذلك سقط اي مبرر للتفكير بالامتناع عن التصويت, وبالامكان استغلال امتيازات المعارضة كلها بمناقشة الميزانية بشكل شامل واستغلال الوقت لطرح كافة القضايا المبدئية عند مناقشة هذا الائتلاف, وهنا يأتي السؤال كيف نساوم اذن ونناور للحصول على مكتسبات للمواطنين العرب؟ لقد تم تحقيق بعض الانجازات في هذه الدورة البرلمانية بفضل النضال الجماهيري الذي خضناه في قضايا هدم البيوت وميزانيات السلطات المحلية العربية, وبفضل حاجة الائتلاف الحاكم الى اصوات العرب في انتخابات رئاسة الحكومة في الانتخابات السابقة والقادمة, وبفضل التغيير التدريجي الذي نحدثه في الخطاب السياسي السائد في هذه البلاد. العمل في البرلمان يهدف الى طرح اسئلة جديدة في الحيز العام وتحديات مستمرة واقتراحات بدائل لسياسة الحكومة واحراجها واستدراجها بالاستجواب وغيرها لاعطاء اجوبة مقبولة ضمن الخطاب السياسي السائد والمتغير باستمرار وطرح مشاريع قوانين وتجنيد التأييد لها ومخاطبة الرأي العام الاسرائيلي والعربي بخطاب سياسي مبدئي ومنهجي ومتماسك. النواب العرب ليسوا واسطة بين حكومة حزب العمل والجماهر العربية بحيث يحققون عبر المساومة مايبدو وكأنه مكتسبات مقابل دعمهم لسياسة الحكومة بالمجمل وتجيير هذه المكتسبات لعملية نزع تسييس الجماهير العربية. هناك اذن صاغية في الشارع العربي لمثل هذه المحاولات وهناك استعداد لقبول انتهازية اللحظة بصرف النظر عن سياسات الحكومة في كافة القضايا, ومنح التأييد الفوري لها مقابل هذا المكسب او ذاك. هذا الطريق قصير ولا يؤدي الا الى الاستنتاج الحتمي لماذا لاتتم هذه العملية من داخل الاحزاب الصهيونية ذاتها؟ وما الحاجة لهذه الواسطة؟ لقد انجزنا ما انجزناه بموافقة الحكومة الحالية على مشاريع قوانين رفضتها الحكومة السابقة, مثل تشغيل الاكاديميين العرب وتعيين عرب في ادارة الشركات الحكومية, واخذ موافقة اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية في تمثيل العرب في لجان التخطيط والبناء وهكذا.. دون أن نتنازل عن تميزنا السياسي عن باراك ونتانياهو في الانتخابات وتدرس الحكومة حاليا العديد من المقترحات لشطب وتعديل ديون ضريبة الاملاك دون ان نضطر الى التصويت لصالح الميزانية, لا تستطيع الحكومة الحالية الا ان تعدل سياسة التمييز ضد العرب في قضايا مثل هدم البيوت وغيرها, هذا هو وضعها السياسي الذي لا تستطيع منه فكاكا دون ان تسقط, ولا تستثني من هذا الوضع الاضطراري حصول تغير ذاتي في حزب العمل وفي الاحزاب الاخرى المشاركة في الائتلاف في قضايا الحقوق المدنية (المدنية فقط لا القومية) اثناء وجودها في المعارضة ونتيجة لتغيرات جديدة في المجتمع الاسرائىلي لامجال في الحديث عنها في هذه المقالة القصيرة. على اي حال لا مساومة في الموقف من سياسة الحكومة العامة المعبر عنها في الميزانية وموضوع تحصيل حقوق الجماهير العربية المدنية الجزئية لا يتعارض مع الخطاب السياسي المبدئي, ولا يعتمد بالتأكيد على الفذلكات وحب الظهور والتنافس عليه بين السياسيين العرب.