القرن الذي يسدل استاره لم يترك لنا فرجة امل لنحدق عبرها باطمئنان إلى عالم اكثر استقرارا ورخاء. المجتمع الدولي يخرج من الألفية الثانية مثخنا بالجراح الدامية ومثقلا بالخيبات.أمريكا التي ظلت القطب الأوحد تلج هي الاخرى القرن الجديد في انكسار. القوة الكبرى في العالم تعاني اكثر من مفصل ضعف واكثر من كعب اخيل . العالم يقف على عتبة الالفية الثالثة و31 بؤرة نار تشتعل في جنباته. جبهات الاقتتال تستعر في نحو 25 بلدا تؤجج حروبا اهلية مزمنة. في القرن العشرين انفجرت حربان كبريان وسلسلة من الحروب بين الشعوب والدول على مصالح حيوية وطموحات مشروعة واطماع مرفوضة. في الالفية الثالثة تتسع محاور المصالح بين الشعوب لتشمل منابع المياه وقنواتها. الماء زيت المصالح والحروب الكبرى في القرن الجديد. المجتمع الدولي يقبل على الالفية الثالثة اكثر حدة في انقسامه بين الشمال والجنوب. في القرن المقبل يزداد الفقراء فقرا والاثرياء ثراء. مع تنامي القوة وتراكم الثروات تضعف مؤسسات المجتمع الدولي ويضمر ضميره. التكنولوجيا ستصبح آلية لا تقهر في تكريس عمق الهوة وعرضها بين الشمال والجنوب. على قدر التمكن من ازرار الاجهزة المبرمجة والممغنطة يكون مدى توغل الشعوب في الالفية الثالثة. كما في القرن الاخير ستفيد عقلية الدمار الكثير من عطاء التكنولوجيا لتطوير ماكينة التدمير. نحن موعودون مع اسلحة اكثر ذكاء من الاسلحة الذكية. الدبابات والمدرعات ستحال إلى المستودعات والمتاحف إبان الربع الاول من القرن الجديد. الترسانات النووية ستكون عبئا على اصحابها ومصدر خطر عليهم اكثر منها على اعدائهم. المناداة بتفكيك هذه الترسانات ستصبح مطلبا ملحا من الداخل. موازين القوى في الالفية الثالثة لن تعتمد كثيرا على المنطق النووي. الوعي بخطر اسلحة الدمار الشامل سيخرج الترسانات النووية والبيولوجية من قوة الردع والردع المضاد. المسألة البيئية ستشكل ملفا ساخنا دائم الحضور في الالفية الثالثة. القرن الحادي والعشرون سيشهد فصلا حادا في التمييز العنصري يمثل الوعي البيئي مرتكزه الوحيد. مرة اخرى سيجد ابناء وبنات الجنوب انفسهم تحت طائلة الملاحقة باحساس الازدراء من قبل الشمال. كما في الالفية الثانية يظل الوطن العربي يحتكر موقع القلب من الجغرافيا العالمية استنادا إلى تنوع مصادره في الارض والماء وحركة التجارة. ليس ثمة مؤشر يحرض على الادعاء بان الوطن العربي سيحتفظ بموقع من القلب في التاريخ ابان الالفية الثالثة. عمر العمر