قبل عام مضى في موسكو كان الكرملين يمر بلحظة مؤثرة بشكل غريب حيث كانت روسيا تترنح وهي مقبلة على صفحة جديدة من تاريخها المفعم بالعذاب وعلى سدة الحكم فيها زعيم جديد. فبعد ثمانية أعوام قضاها في منصب رئيس الدولة بعد زوال الاتحاد السوفييتي توج الرئيس المسن بوريس يلتسين استقالته المفاجئة وتخويل رئيس الوزراء فلاديمير بوتين سلطة القيام بأعمال الرئيس مؤقتا بتوجيه نداء إلى الشاب والجاسوس السابق في جهاز المخابرات كيه جي بي من أجل ان (يرعى روسيا). وفي الاسابيع التي تلت ذلك بدا أن الامر يروق لبوتين بوصفه خليفة يلتسين المفضل حيث شق طريقه بقوة نحو الانتخابات الرئاسية في مارس من العام الماضي. وكان الجيش الروسي تحت قيادته العليا ينتشر تقريبا في كل أنحاء جروزني والعديد من القرى في جمهورية الشيشان حيث كانت الحملة الشعبية ضد المقاتلين المسلمين في الجمهورية الواقعة في شمال القوقاز تحتدم منذ ما يزيد على ستة اشهر. ومع تزايد سقوط الضحايا الروس إلى أكثر من 1.600 قتيل (وصلوا إلى ثلاثة آلاف تقريبا بحلول ديسمبر الماضي) تعهد بوتين للشعب آنذاك بعد أن جلس إلى جانب الطيار في مقاتلة ذات مقعدين متوجها إلى الشيشان لزيارة قواته هناك مقسما على انه سيقضي على آخر ما تبقى من المقاتلين وهم جالسين في (المراحيض). وطمأن شعبه الذي يستبد به القلق قائلا حتى جماعات الاثرياء سيئة السمعة المكونة من كبار رجال الاعمال الذين تمكنوا من السيطرة على معظم قطاع الصناعة والاعلام في روسيا لن تسلم هي الاخرى من (ديكتاتورية القانون) الجديدة, ولا ريب في أن بوتين انتزع الفوز بالرئاسة في الجولة الاولى حيث هزم رسميا غريمه الرئيسي الزعيم الشيوعي جينادي زيجانوف بحصوله على 52.9 في المئة من الاصوات. وعلى الصعيد المالي شاءت الاقدار أن تأتي بالروبلات أو بالاحرى أموال البترول. فمع ارتفاع أسعار البترول العالمية بمعدلات قياسية انتعشت عائدات صادرات النفط من احتياطات النفط والغاز الضخمة التي تملكها روسيا بعد أن وصلت إلى حافة الخراب. كما ارتفعت احتياطات البنك المركزي من الذهب والعملة الاجنبية من 12.5 مليارات دولار في بداية العام الحالي إلى أكثر من 27 مليار دولار بحلول نهاية العام الحالي وهو رقم يكفي لخدمة الديون الضخمة المستحقة على روسيا للدائنين الاجانب, وزيادة, ولو بمقدار ضئيل,الاجور الهزيلة للعاملين في الدولة ولمواصلة الحملة الروسية في الشيشان. ورغم ذلك فإن ما يربو على ثلث تعداد السكان البالغ 145 مليون نسمة تعين عليهم في منتصف العام الحالي الحياة على أقل من الحد الادنى للاعانة الشهرية والتي يبلغ مقدارها أربعين دولارا. ثم حل شهر أغسطس وهو شهر معروف بأنه شهر الكوارث ففيه قام الشيوعيون المتشددون بانقلاب في عام 1991 وفيه صدر القرار المشؤوم بخفض قيمة الروبل في عام 1998 وفيه اندلعت حرب الشيشان في عام 1999 . وفي هذا العام وقعت ثلاث كوارث أظهرت عدم قدرة حتى بوتين قوي الشكيمة على تأمين المدن وأن أية أموال فائضة تكفي بالكاد للحد من تدهور البنية العسكرية والمدنية وإنقاذها من الانهيار تماما ناهيك عن علاج حالة الفقر المزمنة. ففي الثامن من أغسطس الماضي انفجرت قنبلة في نفق مزدحم بالمشاة أسفل ميدان بوشكين مما أسفر عن مصرع 12 شخصا وإصابة مئة آخرين. وبعد ذلك بأربعة أيام غرقت الغواصة كورسك ولقي جميع ملاحيها البالغ عددهم 118 ملاحا حتفهم في بحر بارينتس بعد وقوع انفجارين لم يعرف سببهما حتى الان. ثم بعد ذلك باسبوعين أتت النيران على احد المعالم الكبرى لموسكو وهو برج تليفزيون اوستانكينو البالغ ارتفاعه 537 مترا, مما ادى إلى مصرع ثلاثة اشخاص. في غضون ذلك كانت المعركة ضد جماعات الاثرياء قد بدأت بالفعل حسبما تم الوعد بها غير أنها تركزت فيما هو واضح على اتهامات الاحتيال الموجهة ضد رجل الاعمال فلاديمير جوسينسكي التي ظلت إمبراطوريته الاعلامية تثير غضب الكريملين بتغطيتها لانباء الحرب في الشيشان والاتهامات الخاصة بالفساد. وأثارت موسكو حفيظة واشنطن بانسحابها من اتفاقية عام 1995 التي تقضي بوقف التعاون مع طهران. وفي أبرز محاكمة تجسس في المدينة منذ 40 عاما تم صدور حكم بالسجن لمدة عشرين عاما ضد رجل الاعمال الامريكي إدموند بوب بسبب اتهامات بالتجسس مشكوك في صحتها ولكن تم العفو عنه في وقت لاحق. والسؤال هنا هل استطاع بوتين رعاية روسيا في عام 2000؟ معظم المواطنين يبدو انهم يظنون ذلك وهو مازال يحظى بالشعبية في البلاد. د.ب.ا