شهد العام الاول من الالفية الجديدة انسحابا طال انتظاره للقوات الاسرائيلية من لبنان وبدء التئام جروح الفرقة والعداءات القديمة بين مختلف القوى على الساحة اللبنانية وعودة رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة بصورة مفاجئة. واتسم النصف الاول من عام 2000 بالعنف في جنوب لبنان, وهو العنف الذي أجبر بعد ذلك الحكومة الاسرائيلية على اتخاذ قرار انسحابها من لبنان من جانب واحد في 24 مايو. وكان مقاتلو حزب الله قادوا حملة عسكرية شرسة ضد الجيش الاسرائيلي داخل ما أطلق عليها (المنطقة الامنية). ووصل التوتر إلى ذروته في الفترة بين يناير وفبراير ,2000 وكان مقاتلو الحزب قد تمكنوا من قتل سبعة جنود إسرائيليين في سلسلة عمليات متوالية بصواريخ مضادة للدبابات. وفي رد انتقامي, شنت إسرائيل غارات جوية عديدة ضد البنية التحتية اللبنانية في الثامن من فبراير الماضي أسفرت عن تدمير ثلاث محطات لتوليد الطاقة الكهربائية بالكامل مما ترك معظم مناطق العاصمة بيروت في ظلام دامس آنذاك. وأثارت تلك الغارات قادة الدول العربية الذين قرروا عقد اجتماع طارىء لوزراء خارجيتهم في بيروت لم يسفر إلا عن تأييد معنوي مع قليل من المساعدات العينية للبنان. غير أن المفاجأة جاءت من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود باراك الذي قرر في 24 مايو الماضي سحب قواته من جنوب لبنان في عملية استمرت أربعة أيام واضعا حدا لاحتلال إسرائيلي استمر 22 عاما للمنطقة. وكان هذا الانسحاب مثارا لفخر عظيم للبنانيين الذين أطلقوا على عام 2000 (عام التحرير). كما كان جنوب لبنان شاهد عيان أيضا بعد الانسحاب على مظاهر فرح جماهيرية عارمة حيث تدفق آلاف اللبنانيين على الطرق المؤدية إلى مناطق الجنوب المحررة من أجل رؤية هذا الجزء العزيز من الوطن اللبناني والذي ظل معزولا بفعل الاحتلال الاسرائيلي لأكثر من عشرين عاما. ورغم أن بشار الابن حل رئيسا لسوريا خلفا لابيه, فإن وفاة الزعيم السوري غيرت بشكل حتمي من بعض القواعد التي كانت سائدة على الساحة اللبنانية. فبعد وفاة الاسد بفترة قصيرة, تزايدت نداءات من جانب جماعات مناهضة لسوريا في لبنان تدعو إلى مراجعة العلاقات بين دمشق وبيروت وإلى إعادة انتشار القوات السورية المتمركزة في لبنان. وجاء أقوى تغيير في تلك القواعد في لبنان في مطلع نوفمبر الماضي عندما طرحت المعارضة والزعيم الدرزي وليد جنبلاط, حليف دمشق التقليدي, للمرة الاولى على البرلمان اللبناني قضية سحب سوريا لقواتها من لبنان, وهي القضية التي تتسم بحساسية شديدة. وتظل سوريا اللاعب الرئيسي في لبنان حيث يتمركز نحو 35 ألف جندي سوري في أنحاء تلك الدولة. كما شهد عام 2000 عودة مسئولين مناوئين لسوريا إلى لبنان مرة أخرى مثل الرئيس اللبناني الاسبق أمين الجميل في أغسطس بعد عشر سنوات قضاها في المنفى الاختياري في العاصمة الفرنسية باريس. وجاء وصول الجميل إلى الوطن قبل بضعة أسابيع من الانتخابات البرلمانية التي شهدتها لبنان. وتمخضت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في لبنان في الفترة بين أغسطس وسبتمبر عن تقارب بين المجتمع المسيحي وجنبلاط, وهي خطوة ساعدت الطرفين في تحقيق مكاسب في تلك الانتخابات. وجاءت نتائج الانتخابات بنصر كبير لرفيق الحريري الذي اكتسح دائرة بيروت الانتخابية ليعود مجددا إلى رئاسة حكومة لبنان بعد غياب استمر عامين تولى خلالهما سليم الحص رئاسة الوزراء وقتئذ. د.ب.ا