اعلن الدكتور حسن الترابي بمجرد وصوله الى الدوحة انه قد تمكن من تجاوز ما سماه (الابتلاء) مشيرا الى ان المسلمين الذين ماتت الشورى في نفوسهم وفي تقاليدهم منذ قرون يهتزون ويضطربون عندما يتعرضون للابتلاءات .. وكان ذلك ردا على سؤال (البيان) حول ما اذا كان خروجه من الخرطوم في هذا الوقت معناه تسليما منه باستتباب الامر لصالح الرئيس عمر البشير. وبدا الترابي نحيلا بعض الشيء وهو يصل الى مطار الدوحة ليجد في استقباله رئيسا المحاكم الشرعية القطرية والسفير السوداني الجديد الذي لم يقدم اوراق اعتماده للسلطات القطرية بعد. وفي لقائه الاول مع (البيان) الليلة قبل الماضية قال الترابي انه لن يلجأ الى تنفيذ التهديدات التي كان لوح بها معللا ذلك بأن الشورى ملزمة وانه سيلجأ الى المحكمة الدستورية التي قال انها ستكون مثل اداة زينة اذا لم تقم بواجبها. وحول تعهده السابق بتحريك الشارع السوداني اذا لم يتراجع البشير عن اجراءات الرابع من رمضان قال الترابي ان الشارع السوداني لا يتحرك نحو العنف مضيفا ان الرأي العام هو مطلب السلطات وضابطها بدليل ان تغيير الانظمة في الخرطوم لم يعتمد يوما على العنف حسبما تعبيره. وفي معرض رده على سؤال لـ(البيان) حول ما يروج من ان الصراع الحقيقي ليس مع البشير وانما مع نائب الرئيس (تلميذه) علي عثمان محمد طه باعتباره العقل المدبر للانقلاب ضده, قال الترابي ان اهل الظاهر يتحدثون دائما عن الاشخاص في حين انه شخصيا يحبذ الحديث عن القضايا الاساسية. وعاود الترابي التأكيد على انه لا يأتي الى قطر للاستقرار فيها كما تحدثت بعض الصحف و (ذلك ليس من نقص الحب لقطر) , كما قال.. مشيرا الى ان الهدوء الذي يسود الشارع السوداني بعد الاجراءات الاخيرة هذه لفتت الانتباه الى ان السودان تعود على الاضطرابات التي كانت تقلبه رأسا على عقب منذ الاستقلال مؤكدا ان ذلك معناه ليس فقط حسن تصرف جماعة المؤتمر الوطني, وانما ايضا ان السودان يتقدم الى الامام. وفي مؤتمر صحفي عقده الدكتور حسن الترابي صبيحة امس بفندق (الماريوت) مقر اقامته في الدوحة تحدث الترابي بالتفصيل عن التطورات السودانية الاخيرة وفيما يلي اهم ما دار اثناء اللقاء: * قلت ان الأزمة قد حلت بينك وبين البشير ولكن يظهر ان هذا الحل كان بيد الرئيس بدليل ان جميع القرارات التي أصدرها مازالت قائمة فهل يعني ذلك ان الحل الذي تحدثتم عنه كان لصالح الرئيس, هذا من جهة, ومن جهة أخرى كيف تنظرون للتأييد الذي لقيه البشير محليا وعربيا ودوليا؟ ـ أولا يجب التوضيح بأن أجل المجلس الوطني كان سينتهي خلال أشهر سواء حُل أو ترك لينتهي أجله الدستوري, وبالاضافة إلى ذلك فإن القضية لم تكن بين الأشخاص وإنما حول مسائل معينة, أولها ان الرئيس قد حل المجلس, رغم ان الدستور يترك للمجلس ان يبقى لأجل معين كما يترك للرئيس ان يبقى لأجل معين, وهذا ينطبق على المجلس الوطني وكل مجالس الولايات وولاتها, ولكن الرئيس أصدر قرارات استبقت أجل المجلس ببضعة أشهر وكذلك أحال مجالس الولايات إلى مجالس يمكن ان تحل, وهذا تبديل للنظام الاتحادي القائم في الدستور وتجاوز لسلطة الدستور, وقد رفعنا الأمر للمحكمة الدستورية التي ستقضي في الأمر بشكل نهائي. أما بالنسبة لحكم الطوارئ, فإنه في الواقع لم يؤثر على حرية الصحف وحرية المخالفين للرئيس ولم نشهد ظاهرة للاعتقالات التي عادة ما تترافق مع إعلان حالة الطوارئ, ورغم ان حالة الطوارئ تتيح للسلطة العامة تقييد الحريات التعبيرية وحرية الحركة وان تتولى على المال, لكن لم يمارس شيء من هذا, بل على العكس تماما, فقد فتحت الحريات لأحزاب لم تكن مسجلة وما كان مسموحا لها ان تعمل في السودان, أما الآن فإن حزبي الأمة والاتحادي باتا يمارسان العمل السياسي جهارا, كما ان كفة الحرية ارتفعت. وكما تعلمون فقد اجتمعت هيئة الشورى وأبقت كل شيء على ما كان عليه, ورغم ان الرئيس كان يتجه أول الأمر في تصريحاته إلى تجاوز قيادات المؤتمر الوطني الأساسي, إلاانه سرعان ما دخل في نظامه الأساسي ورضي بما تنتهي إليه هذه الأجهزة. أما حول التأييد الذي لقيه الرئيس على الصعيد العربي والدولي, فأريد ان أبين ان السودان كان عكس الكثير من دول العالم, ولا شك ان نهضة الإسلام على الساحة السياسية تذكر الغرب على وجه الخصوص بهزيمتهم في الحروب الصليبية وبالاضافة إلى ذلك فقد حسبوا ان القضية قد تنتهي بأن يبعد الجانب الاسلامي الذي وصفوه دائما برمز معين, كعادتهم في وصل تطورات القوى التاريخية بالرموز. وإذا كان هذا الموقف صادراً من دول عربية فمرجعه إلى الغيرة من تقدم السودان, أما إذا كان صادرا من دول غربية فهذا يعكس انهم لا يريدون للإسلام مجالا في الحياة العامة ويلجأون أحيانا إلى تسليط القوات المسلحة في أي بلد عربي لايقاف المد الإسلامي على السياسة العامة. الأمر الثاني يتعلق بالحريات, فقد شذ السودان عن الدول المحيطة به عربية كانت أم أفريقية, من خلال ارتفاع سقف حرية الصحافة والقدرة على انتقاد الحكومة أو نصحها, ناهيك عن حرية الأحزاب التي تسمح للناس بالتوالي على السلطة, ورغم ان هذه الظواهر قد بدأت تظهر في بعض الدول العربية ومنها قطر إلا ان تقدم هذه الحريات في السودان قد دفع الدول المحيطة بنا إلى محاولة خفض هذا المد الإسلامي. * هل تؤيدون زيارة الرئيس الأخيرة إلى مصر وطرابلس واجتماعه مع عدد من القادة الأفارقة رغم ان ذلك كان طبيعيا بعد قراراته الأخيرة بحل البرلمان, ثانيا ما هو رأيكم فيما قاله الرئيس البشير عبر قناة الجزيرة (أمس الأول) من أن حاكمية التنظيم, تعني ان يحكم الرئيس من خلال حكومته؟ ـ أما زيارات الأخ الرئيس إلى مصر وطرابلس, واجتماعه مع بعض الزعماء الأفارقة فقد كانت هذه الزيارة مرتبة من قبل, وقد سبقها عدد من الزيارات الوزارية لتهيئتها وأنا أعلم انه كان مسافرا إلى جنوب أفريقيا, ولكن شغلته الأزمة الأخيرة, صحيح ان الاستقبال الذي لقيه الرئيس خلال زياراته كان أكثر انفتاحا ولكنه استطاع تجاوز الأزمة مع مصر بعض الشيء, وكذلك مع اريتريا وأوغندا. وإذا كنت تسألني عن رأيي في هذه التحركات فإنني أقول عسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا, فمهما كانت دوافع الأزمة الأخيرة فإن الذي انتهينا إليه خير كثير والحمد لله. ولكن المدى الذي تقدمت اليه العلاقات قد يرتد مرة اخرى اذا اكتشفوا ان ميزان الحريات لايزال كما هو, واحب انهم قد يرتدون الى أول الطريق خاصة وان اوروبا الغربية وآسيا والدول العربية قد بدأت تعود الى السودان. اما حول حاكمية التنظيم التي اشار اليها الرئيس, فأود ان اؤكد ان المؤتمر الوطني هو مؤتمر للشورى, ونحن لا نريد لاحزاب السودان ان تعود الى ما كانت عليه من قبل عندما كانت تحكمها قمتها, وبالاضافة الى ذلك فاننا نريد ان يكون التفاعل بين الشعب والحكومة موصولا بشكل يومي. والان ستقوم لجنة مختصة بترتيب كافة المسائل التي يقتضيها النظام الاساسي للمؤتر الوطني, بحيث تبنى على برامج وخطط تصدر من الحركة السياسية التي تمثلها الحكومة, وهذا يعني ان الحكومة سوف تحاسب على ادائها.. وهو الامر الذي اقرته هيئة الشورى مؤخرا. * ماهو جوهر الخلاف بينكم وبين البشير, خاصة وان كل المسوغات التي ذكرتها لا تمس الثوابت؟ اما ان الثوابت باقية, فهذا كلام صحيح تماما, ويجب ان اقول هذا حتى لا يظن به البعض شيئا داخل السودان على الاقل, فقد كان الرئيس حريصا جدا ان يؤكد على انه اسلامي من أول الثورة, كما كان حريصا ان يبين انه لم يقم بالثورة حبا في السلطة وانما بدفعة من الحركة الاسلامية في السودان, وقد اعترف الرئيس بهذا الامر لاول مرة. فالثوابت باقية اذا كانت هي الوجهة العامة للحياة. واود ان اؤكد مرة اخرى ان مواقف الدول الاخرى نابع من انها غالبا ما تصل بين الاسلام ورموز معينة, ولذلك فهي تتمنى ان يزول النظام اذا زالت الرموز. اما جوهر الخلاف, فقد كان حول ميزان الحرية في البلاد, وحول الدفع بما يسمى تنظيم التوالي السياسي (احزاب) حيث كان رأي بعض الاخوة ان يتم فتح الحريات بعد ان يستقر السودان, اما الخلاف الثاني فقد كان حول نظام اللامركزية, فالاخ الرئيس بقراراته هذه رجع بالنظام الاتحادي الى الوراء, فالسودان منذ الاستقلال وهو يتحارب أهليا لأنه لا يمكن ان يحكم من عاصمة واحدة, ولكن الرئيس يرى انه لابد للبلاد من حكومة مركزية والخلاف الاخير كان حول الحكم للشعب بالشورى والديمقراطية في السودان. وكما ترى فهي خلافات جوهرية وليست خلافات شخصية. * بعد التطورات الاخيرة التي شهدتها الساحة السياسية في السودان, الى اي مدى ستقبل بالتنازل عن بعض اطروحاتك المتعلقة بالمشروع السوداني وما حقيقة ما يشاع ان تلاميذ الترابي قد كبروا واصبح لهم رأيهم الخاص. ـ التأييد الذي قوبلت به التطورات الاخيرة من داخل السودان صدر عن قوى تقليدية لم ترض يوما عن التطور الاسلامي في السودان واخرى كانت تحكم السودان من قبل وتحسب ان في هذه الازمة ما يضعف النظام ويفتح الابواب امامها لا سيما وان هذا الباب سيفتتح على كل حال بالحريات الدستورية الجديدة. واهل السودان كمزاج العربي الذي يحب الترحال وترحيل الحكومات كثيرا, ثم ينقلب عليها بعد حين, ولذلك فان تاريخ السودان الحديث شهد اكثر من ثورة وانه كانت غير مسلحة اما حول ما يشاع عن تلاميذ الترابي قد كبروا, فالتلاميذ ليسوا كلهم من الوزارة وبالطبع فان الانسان يسعد لرؤية تلاميذه وقد بلغوا سن الرشد واستقلوا, تماما كما تسعد عندما ترى ابناءك وقد استقلوا بمواردهم وبيوتهم الخاصة. واسأل الله الا اكون من الذين يتجاوزهم التلاميذ تطورا, في حين يبقى هو تقهقرا الى الوراء. فالترابي كان يريد توازنا اتم بين اجهزة الدولة التي لم يعرفها المسلمون كثيرا كما كان يريد حرية اوسع في اللامركزية والحرية السياسية. فالمجلس الوطني الذي كنت أرأسه كان يتصرف بالموازنات تصرفا تاما, كما كان يفرض بعض القوانين ويفسرها تفسيرا جديدا, ناهيك عن انه كان يلاحق الاخوة الوزراء بالاسئلة وطلب البيانات. ومن هنا فقد اشتد الميزان لصالح المجلس الوطني للسلطة التشريعية, ورغم اننا نعجب بهذه الامور عندما نسمعها في الغرب, الا اننا لم نعهدها في بلادنا, والجدير دائما يثير الناس بعض الشيء. وامتدح الدكتور الترابى العلاقات القطرية السودانية والتواصل القائم بين البلدين. واعتبر ان الوفاق فى السودان وتجاوز ازمته الاخيرة يعود الخير فيه لدولة قطر.. وقال بهذا الصدد (ان الثمرة قد تخرج فى مكان اخر ولكن الذى زرع هو قطر) . مضيفا ان فضل قطر على الاخرين يكمن فى نهجها الاسلامى وفى تحركها على كل الساحات والجوانب وفى دعوتها الينا الى (الصبر على كل الاخرين الذين ارادوا ان يباعدوا بيننا) . واوضح الدكتور الترابى انه سيتم اثناء استقبال امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني له التطرق للتطورات الاخيرة على الساحة السودانية. ونوه من ناحية اخرى بدور القيادة القطرية من خلال مبادرتها لتنقية الاجواء بين السودان واريتريا.. مشيدا بالجهود التى بذلها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية بهذا الصدد. وحول ما اذا كان قد حدث مؤخرا فى السودان بمثابة تمثيلية شبيهة بالتى سردها من انه ذهب عند قيام الثورة وباتفاق للسجن وذهب الرئيس للقصر قال الدكتور الترابى ان الناس لو علموا انذاك انها ثورة اسلام لاجهضوها فى مهدها.. وقال اننا الان نؤدي ادوارا ولكن بشكل اخر وكان من الممكن ان نتستر على كل الذى حدث ولكننا خرجنا للناس وانفتح الحزب فانكشفت العورات ليتسنى كيف يمكن تجاوزها وما اذا كنا نصلح لنكون قدوة للناس. وحول ما صرح به من قبل عن ان نسبة من تورطوا فى فساد مالى من كوادر الجبهة الاسلامية فى حدود 9 بالمئة وما اذا كان هؤلاء قد تعرضوا لمساءلات قانونية نبه الى انه تم تحريف حديثه وقال انه ذكر ان من يقبلون السلطة من هؤلاء لم يبلغ واحدا فى المئة وان الذين دخلوها وارتكبوا مخالفات مالية لم يبلغوا بضعا بالمئة اى انه لم يقل 9 بالمئة تحديدا.. مشيرا الى ان جميع المسائل المالية حتى على مستوى المجالس التشريعية الولائة الـ 25 تخضع للتدقيق الحسابى. وما اذا كان سيبقى فى الدوحة مدة او سيعود للسودان اجاب الدكتور الترابى عن سؤال وجه اليه فى اخر المؤتمر الصحفى قائلا (سأعود حتى لا يحسب انني منفي) . الدوحة ـ فيصل البعطوط