دارت العجلة, ولن تكف عن التقدم, الا عندما تصل الى المحطة التي اتفق الاطراف الثلاثة: سوريا, اسرائيل, الولايات المتحدة على انها الهدف الذي يقصده الجميع, ربما بعد 6 شهور, او سنة او اكثر قليلا, عندها لن تتوقف العجلة عن الدوران, لكن الاقرب للتصور ان اتجهاهها او قوة دفعها, او معدل دورانها سوف يتغير . في تلك اللحظة المفصلية يبدأ فصل جديد من تاريخ المنطقة, يحمل ملامح مختلفة, وآليات مغايرة في الاداء والحركة, تقود بالطبع الى علاقات نوعية غير مسبوقة, نتيجة اعادة ترتيب الاوضاع ليس على مستوى العلاقات العربية الاسرائيلية فحسب, ولكن على نطاق اشمل, يحتوي منطقة الشرق الاوسط بمفهومها الاوسع, وامتداداتها ونطاقاتها الاقليمية الفرعية. من ثم فإن الاتفاق الذي سوف يتم التوصل اليه بين سوريا واسرائيل ـ برعاية امريكية ـ غير معني فقط بمجرد انهاء حالة الحرب بين الدولتين او تحقيق الأمن في المنطقة, خاصة وانه من المقرر ان يتوازى المسار اللبناني مع المسار السوري, لكن انطلاق المسار السوري الاسرائيلي معني بالاساس ببناء سلام في الاغلب سيكون باردا لكنه فعال يصلح كأساس لاحياء مشروعات قديمة متجددة تتجاوز اسرائيل او ادماجها في المنطقة العربية الى بناء منظومة اكثر عمقا واتساعا بهدف خلق اعادة توازن استرتيجي رئيسي في منطقة الشرق الاوسط. دائرة الضوء اغلب الظن وليس كله, ان اسرائيل والولايات المتحدة واثقتين من ان التوصل الى سلام مع سوريا مسألة ممكنة, لكن الاهم هو اغلاق الجبهة اللبنانية وتحجيم اطراف اخرى كايران مثلا, ودفع اصدقاء اخرين كتركيا بالقرب من دائرة الضوء والتأثير عبر تنسيق رفيع المستوى مع اسرائيل, وغيرها من الدول المحورية (كمصر والسعودية وسوريا بالطبع) وخروج الاخيرة من دائرة الصراع يعني تضاؤل احتمال الحرب الى درجة الصفر تقريبا. ربما كانت الرؤية وفق ذلك المنظور ـ المفضل اسرائيليا وامريكيا ـ هي مادفع الشرق اوسطي العتيد شيمون بيريز الى الاشارة لبلدان مثل السعودية ودول الخليج, بل وكل اقطار الشرق الاوسط باستثناء الدول المعزولة على حد قوله, باعتبار انها سوف تنهي حالة الحرب مع اسرائيل عندما يتم توقيع معاهدة سلام مع سوريا, يترتب على ذلك ان السلام مع سوريا, انما يعني السلام في الشرق الاوسط, او بعبارة اخرى سلام الشرق الاوسط مع ذاته! ويكشف بيريز في ذات السياق عن تأكيده للرئيس الامريكي كلينتون على ضرورة تركيز الجهود على تحويل الاتفاق مع سوريا الى معاهدة امن شامل في الشرق الاوسط, ويزعم ان رسالته تلك وصلت عبر واشنطن, الى الرئيس الاسد وان رده كان مقبولا. وبغض النظر عن تفاؤل بيريز وعن مدى صحة مزاعمه فان مايطرحه يمثل الى حد بعيد جزءا من استراتيجية اسرائيلية ـ امريكية تم اعتمادها حين فكرت اسرائىل والولايات المتحدة بتحريك المياه الراكدة بين سوريا واسرائيل في الجولان ولبنان بالطبع, ومايتبعه بالضرورة من تداعيات اشبه بتساقط قطع الدومينو فالامر هنا يتجاوز مجرد الاماني والاحلام, لبيريز او غيره. زوايا الرؤية من ناحية فإن سوريا من خلال قراءتها للواقع الدولي والاقليمي ترى ان الوقت مناسب للتوصل الى تسوية نهائية مع اسرائيل تسترد بها الجولان, وتحفظ مصالحها في لبنان, وتفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع واشنطن كما ان ذلك يتلاقى في نقطة ما مع اعادة ترتيب البيت السوري من الداخل. من ناحية اخرى, فان الرئيس الامريكي كلينتون يتطلع الى تحقيق انجاز تاريخي كبير, قبل ان يغادر البيت الابيض في مطلع العام المقبل بصنع شيء قريب الشبه مما انجزه سلفه الديمقراطي جيمي كارتر. من ناحية ثالثة, فان المكاسب التي سوف تجنيها اسرائيل, وحكومة باراك تحديدا لن تكون قليلة بأي معيار سواء على صعيد مزيد من الاستقرار الداخلي, او الامن الاقليمي او الثمن الذي سوف تطلبه من الولايات المتحدة, او على صعيد دعم الدور الاسرائيلي اكثر من اي وقت مضى بتوظيف السلام مع سوريا, ومايترتب عليه عربيا واقليميا في خدمة اهداف استراتيجية اقليمية طموحة تصب في خانة المصالح الاسرائيلية المتنامية. ان الطرح السابق يعني في المحصلة الاخيرة ان تقديرات سوريا واسرائيل والولايات المتحدة انتهت الى ان عوائد استئناف تفعيل المسار السوري الاسرائيلي افضل من استمرار وضع السكون الذي خيم طويلا, وعلى مائدة التفاوض, واثناء المفاوضات وبعدها فان كل طرف سوف يحاول التفاوض, واثناء المفاوضات وبعدها فان كل طرف سوف يحاول تعظيم مكاسبه وتقليل مكاسب الاخر, ان لم ينجح في زيادة خسائره! مكاسب بالجملة لاشك ان سوريا سوف تضع دائما نصب عينيها ان تبتعد قدر الامكان عن نموذج (كامب ديفيد) الا ان ما يعني اسرائيل ليس تكرار ذات النموذج بقدر مايعنيها اساسا تحقيق مكاسب استراتيجية تفوق كثيرا استرداد سوريا للجولان وعلى اكثر من صعيد, وفي اكثر من اتجاه: * اسرائيل سوف تصر في البداية على ان لاتفاوض حول الجولان قبل الاتفاق على التطبيع والامن, لكن الامور قد تصل في نهاية المطاف الى التعامل مع كل الامور كحزمة مترابطة, فهناك بالاضافة الى هذه الملفات الثلاثة, الملف اللبناني, ومسائل المياه, والارهاب وبتعبير باراك (لا اتفاق على اي شيء قبل الاتفاق على كل شيء!) ودون جدال فان حصول اسرائيل ـ على سبيل المثال ـ على مايعرف بحق الاتفاق بتشاركها من خلال أي صيغة في مياه الجولان, يعد بمثابة مكسب كبير يضاف الى مايمكن الاتفاق عليه بشأن ضمانات الامن في نطاقات تتجاوز حدودها هضبة الجولان في العمق السوري. اسرائيل سوف تمارس بمعاونة امريكية مزيدا من الضغوط لاستئناف المفاوضات متعددة الاطراف, لتجني على موائد (المتعددة) مكاسب اضافية اكبر واشمل, وتجدر الاشارة هنا الى الاخبار التي ذكرت ان سوريا تفكر بالمشاركة في اجتماعات لجنة التوجيه للمفاوضات المتعددة الاطراف, بعد ان كانت قد قاطعتها طويلا! اسرائيل سوف تسعى الى الغاء المحاولات العربية السورية ـ اساسا ـ لاقامة تكتل يواجه الحلف العسكري الذي يربطها بتركيا, وفي هذا الصدد فان تحجيم التقارب العربي ـ الايراني سوف يكون جزءا من صفقة اكبر, تحاول اسرائىل ابرامها, ودفع سوريا ـ بضغط امريكي ـ بابعاد ما تسميه (الخطر الايراني) عن مجالها الحيوي! اسرائيل بتوصلها الى معاهدة سلام مع سوريا, سوف تحصل على منح ومساعدات اقتصادية ومالية من الولايات المتحدة, تتيح لها بناء الاف الوحدات السكنية للمهاجرين والمستوطنين فضلا عن تدبير فرص عمل لهؤلاء, مما يحد من حجم الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الحكومات المتعاقبة. ثمن السلام اسرائيل سوف تسعى ـ ايضا ـ الى ان يكون جزء رئيس من (ثمن السلام) الذي تقبضه في صورة عقود توريد جديدة لأحدث ما تضمه الترسانة الامريكية من معدات واسلحة دفاعية وهجومية, ولاشك انها اعدت قوائم طويلة, وربما تكون قد شكلت ـ بالفعل ـ الوفود التي سوف تحمل هذه القوائم الى واشنطن! اسرائيل سوف تستثمر الاتفاق مع سوريا, ليس في انجاز اتفاق مماثل مع لبنان, وكذلك اللعب على المسارات لدفع الفلسطينيين الى تقديم المزيد من التنازلات كما ستعمل على توسيع دائرة السلام؛ سعيا الى فتح والابواب الموصدة او (المواربة) في الخليج وشمال افريقيا, والدفع باتجاه فريد من التطبيع مع الدول العربية والاسلامية, ودعا ذلك باراك الى ان يعلن ان اسرائيل في هذه اللحظة تقف امام مفترق حاسم يشبه قرار التقسيم, الذي حدد مصير اسرائىل خلال نصف قرن مضى, بينما المسار السوري سوف يحدد بنتائجه وتداعياته مصير اسرائيل لنصف قرن مقبل. اسرائىل لن تدخر وسعا ـ في ظل ذلك كله ـ في الدق على الابواب المغلقة لفتحها امام التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي, واحياء الفكرة الشرق اوسطية ـ وان بمعالجات معدلة ـ وتحويل تلك المنظومة الى بديل للنظام الاقليمي العربي المتهالك, ومؤسساته الهشة, وتجدر الاشارة هنا الى الضوء الاخضر الذي تمنحه واشنطن لهذا الاتجاه, وفي هذا السياق لابد من الاشارة ـ كذلك ـ الى اعطاء الولايات المتحدة لاسرائيل الحق في تزكية دول المنطقة لعضوية منظمة التجارة العالمية! اسرائيل تدرك تماما ان اعادة الجولان لسوريا ـ رغم اهميتها الاستراتيجية ـ ثمن مناسب جدا ـ وربما لا يضاهي فتح ابواب الاتصال البري مع تركيا واوروبا, ومن ثم تثبيت مكانتها كقوة اقليمية معترف بها, ليس في الشرق الاوسط فقط, ولكن في منطقة تتسع لتشمل حوض البحر المتوسط وجنوب اسيا. بؤرة رخاء ان ما تقدم لا يعني بحال من الاحوال ان سوريا لن تحقق اكثر من استعادة الجولان, اذ انه فضلا عن ذلك سوف تعيد ترتيب علاقاتها الخارجية, خاصة بفتح صفحة جديدة للعلاقات مع الولايات المتحدة, ومزيد من التفعيل لدورها الاقليمي ـ مع الاحتفاظ بالوضعية التقليدية في لبنان ـ والتخفيف من الاعباء العسكرية التي رزح الاقتصاد السوري تحت وطأتها طويلا, وضخ استثمارات اجنبية في القطاعات المختلفة, وخفض الديون الخارجية و... و.. ومن ثم فان الخطاب السوري بشأن (الفرصة التاريخية) التي لا يجب ان تضيع بمبالغة اسرائيل في حاجاتها الامنية, مقابل الانسحاب من الجولان, وبالتالي طرح مطالب تعجيزية للتخلي عنها, ان هذا الخطاب موجه للداخل بقدر ما هو موجه لاسرائىل, ولاشك ان لذلك وجاهته ومشروعيته, لكن الحديث عن وجود فرصة تاريخية على الجميع ان يستثمرها, لا يجب ان يصرف النظر عن انه اذا كان ما يحدث في هذه اللحظة بمثابة (فرصة تاريخية ـ بالمعنى الحرفي ـ لاطراف عديدة داخل المنطقة وخارجها, فانه يمثل (صفقة العمر) بالنسب لاسرائىل ازاء ما تخطط لحصاده, عبر قراءة صحيحة لآفاق المسار السوري ونتائجه المتوقعة. لحظة الحقيقة ان ما نذهب اليه ليس من قبيل المبالغة بأي حال, وربما كانت الاشارة الى اقوال كل من وزير الخارجية السوري, ورئيس الوزراء الاسرائيلي, والرئيس الامريكي في كلماتهم الافتتاحية خلال لقاء واشنطن في 16 ديسمبر الماضي, تؤكد اقتراب كثير من هذه الاستنتاجات, من حقيقة الوضع الراهن, وآفاقه المستقبلية, اذ بينما اكد المسئول السوري على تمسكه باستعادة كل الجولان, اشار ـ ايضا ـ الى كسر حاجز الخوف مع اسرائيل, والانتقال من الصراع الى المناقشة السلمية, قائلا, ونحن نقترب من لحظة الحقيقة. بالمقابل اشار باراك الى انه (مع شركائنا السوريين نحقق شرق اوسط مختلفا, فان كلينتون اكد انه (لأول مرة في التاريخ هناك فرصة للسلام الشامل بين اسرائيل وسوريا وبين اسرائيل وجميع جيرانها) . ان احياء المسار السوري الاسرائىلي كان ثمرة لوساطة امريكية مكثفة بين الطرفين المعنيين عبر ما اسمته اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية بـ (دبلوماسية الغموض البناء) فهل يؤسس ذلك الغموض ـ ايا كان وصفه مستقبلا واضحا للمنطقة؟ الاختبار الحقيقي لهذه المسألة سوف ينتظر الى مرحلة ما بعد الدخول في عمق القضايا الاساسية التي تمثل جوهر المفاوضات على المسار السوري الاسرائيلي, وحتى الى ما بعد التوصل الى اتفاق بين الطرفين بعد صراع متوقع على الاولويات بينهما, وتدخلات من الراعي الامريكي للدخول الى الاتفاق المأمول في نهاية المطاف. واذا كانت عودة الروح للمسار السوري الاسرائيلي بحاجة الى مناخ شبيه بالظلام اللازم لنمو (الفطريات) على حد قول اولبرايت ـ فان مرحلة ما بعد الاتفاق تحتاج الى مناخ مغاير تماما, وليس علينا الانتظار (لنرى) , ولكن علينا الاستعداد (لنفعل) . ان العجلة التي بدأت في الدوران بحاجة الى من يشارك في دفعها, وتحديدا تجاهها, لأن من يكتفي بالتوقف امامها سيكون نصيبه ان تدوسه, قبل ان تتجاوزه! ويقينا لن يكون ثمة خيار اخر!