منذ ان جاء ايهود باراك الى رئاسة الحكومة في اسرائيل من خلال انتخابات شهر مايو عام 1999 وبوادر الحلحلة على المسار السوري كانت ظاهرة للعيان لاسيما بعد تبادل كلمات الاطراء من قبل الجانبين السوري والاسرائيلي.. وفي هذه الاثناء كانت كل التوقعات تشير الى ان استئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل اصبح قاب قوسين ... غير ان الذي حدث هو ان بعض التصريحات والمواقف التي صدرت عن باراك ومجموعته قد اجلت موضوع استئناف المفاوضات لكنها لم تلغه. والذي حدث خلال هذه الفترة من الجمود العلني هو ان المحاولات عن طريق عرب واجانب لم تتوقف الى ان جاء اعلان الرئيس الامريكي بيل كلينتون في الثامن من ديسمبر 1999 باستئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل فيما كانت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية تقوم بجولة في المنطقة, ذاك الاعلان الذي قوبل بالبهجة والارتياح من قبل سوريا واسرائيل والدول العربية والعالم وبشيء من الارتباك من قبل اولئك الذين ظنوا ان المسار السوري قد عاد الى سباته. اسباب ودوافع صحيح انه قد لاتوجد معلومات دقيقة عن الجهود التي بذلت لاستئناف مفاوضات السلام على المسار السوري ان كان من قبل بعض العرب او الجهات الدولية الا ان الثابت ان الرئيس الامريكي كلينتون شخصيا قد بذل جهودا مكثفة بين الجانبين لتقريب وجهات النظر بينهما وقد ساعده في ذلك جهات عدة عربية ودولية الى ان تحقق الهدف بالاعلان عن استئناف المفاوضات من حيث توقفت في فبراير 1996 عندما كان شمعون بيريز الوزير الحالي في حكومة باراك رئيسا للوزراء, وكما هو معروف ان هذا هو الشرط السوري لقبول العودة الى المفاوضات. ولكي نكون اكثر دقة يكون من المفيد هنا تثبيت بعض الصور من خلال ما ذكر ونقل عن مصادر مختلفة في هذا الشأن اصبح من الثابت تماما ان جهودا كثيرة بذلت بعيدا عن الاضواء المباشرة لاستئناف مفاوضات السلام على المسار السوري من حيث توقفت حسب ما يطالب الجانب السوري وهناك من يقول بان ما كتبه الصحفي البريطاني المعروف باترك سيل على مدى ثلاثة ايام في جريدة (الحياة) التي تصدر باللغة العربية في لندن بخصوص (وديعة رابين) حيث اكد وجودها لدى الجانب الامريكي, قد لعب دورا مهما بشكل او بآخر في تبرير موافقة الحكومة الاسرائيلية على اعلان الرئيس الامريكي إلى استئناف المفاوضات من حيث توقفت.. وقد رأينا جميعا كيف تحولت مسألة (وديعة رابين) التي كانت تصر سوريا على وجودها لدى الجانب الامريكي الى مشكلة كادت ان تنسف كل الجهود المتعلقة باستئناف مفاوضات السلام.. والسبب في ذلك يعود الى ان سوريا كانت ترى في الوديعة المذكورة الضمانة لاقرار اسرائيلي رسمي كان جاء على لسان رئيس الوزراء الاسبق اسحق رابين بالانسحاب من الجولان الى خطوط الرابع من يونيو عام 1967 كشرط اساسي لاستئناف المفاوضات وبالتالي لاقامة سلام حقيقي كامل في المنطقة .. واسرائيل من جانبها بعد رابين رفضت الاقرار بذلك وبدأت تناور داعية الى مفاوضات دون شروط مسبقة, اي القفز فوق وديعة رابين وتجاوزها والقبول بهذا الطرح لم يكن واردا من قبل سوريا مؤكدة ان مفاوضات اكثر من ثلاث سنوات بين الجانبين في واي بلانتيشن لايمكن تجاوزها بل من الضروري جدا التأسيس عليها اذا ما اريد للمسار السوري ان ينجح.. ومن هنا يأتي القول بأن ما نشره الكاتب والصحفي البريطاني باترك سيل قد سهل الاتفاق على استئناف المفاوضات. عودة الى الوراء واذا ما عدنا الى الوراء لاشك سوف نكتشف ان الدبلوماسية قد وفرت الظروف والشروط المطلوبة لاعلان استئناف المفاوضات بين سوريا واسرائيل لاسيما وان قرار الاستئناف جاء اثر سلسلة من التحركات العربية والدولية النشطة ولعل ابرزها دور فرنسا المعلن والنشاط الدبلوماسي الامريكي غير المعلن الى جانب دور الملك عبدالله الثاني وكذلك دور السعودية.. وما يؤكد ان الامور كانت تسير بالاتجاه الصحيح ما اشار اليه ايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل عندما كان في فرنسا يوم 9 نوفمبر الماضي حيث شارك في مؤتمر الاشتراكية الدولية, اذ قال بعد لقائه الرئيس الفرنسي شيراك: ان الرئيس الاسد يحظى باحترام كبير وهو الشخصية الوحيدة القادرة على اتخاذ قرار بشأن القضايا المتعلقة بالمفاوضات مؤكدا ان المفاوضات قد تستأنف في الاسابيع المقبلة. وكما هو معروف قبل لقاء شيراك ـ باراك بايام كان الرئيس الفرنسي شيراك قد استقبل رسميا العقيد الركن الدكتور بشار حافظ الاسد ولمدة اكثر من ثلاث ساعات وبحث معه العديد من القضايا في مقدمتها موضوع عملية السلام المتوقفة وكيفية استئنافها ويومها قال الدكتور بشار الاسد ان الدور الاوروبي عموما والفرنسي خصوصا ليس بديلا للدور الامريكي بل انه مكمل له. وفي التاسع من اكتوبر الماضي ذكرت وسائل الاعلام نقلا عن مصادر امريكية عديدة ان الرئيس الامريكي كلينتون يعتزم القيام بمبادرة خاصة تجاه الرئيس السوري حافظ الاسد بهدف البرهنة على استعداده الشخصي لبذل اقصى الجهود لاحياء المحادثات على المسار السوري الاسرائيلي وما عزز ذلك هو ما ذكرته صحيفة (القدس) التي تصدر في الاراضي العربية المحتلة في 10 نوفمبر الماضي من ان الاتصالات الجارية بين دمشق وبعض العواصم العربية والعالمية اسفرت عن نتائج هامة من المتوقع ان تظهر قريبا. وقد اشارت الصحيفة ذاتها نقلا عن مصادر دبلوماسية في دمشق لم تذكرها فضلت عدم الكشف عن هويتها, ان هناك اصرارا امريكيا ـ اوروبيا على استئناف المحادثات بين دمشق وتل ابيب والتوصل الى اتفاقات سلام بشأن الجولان والجنوب اللبناني خلال النصف الاول من العام 2000 وفي الموضوع ذاته قال الجنرال الاسرائيلي الاحتياط اوري ساغي وهو الآن احد ابرز اعضاء الوفد الاسرائيلي الى المفاوضات مع سوريا, ان الرئيس الاسد لن يحصل على اقل مما حصل عليه الرئيس المصري انور السادات وقد ذكرت مصادر اسرائيلية ان كلام ساغي هذا جاء بعد موافقة باراك شخصيا. وقد عزز هذا الاتجاه ما ذكرته صحيفة معاريف الاسرائيلية من ان رسالة اسرائيلية مفصلة تحمل هذا المضمون الذي اشار اليه الجنرال ساغي قد نقلت الى السوريين عبر قنوات عدة.. وفي 14 نوفمبر الماضي ذكرت الصحيفة الاسرائيلية ذاتها نقلا عن مصادر لم تحددها ان سوريا قد تلقت مؤشرات ايجابية من الامريكيين. وفي 1999/11/29 قال داني ياتوم رئيس الهيئة السياسية الامنية في ديوان رئيس الوزراء باراك ان الرئيس السوري غير معني بمباحثات سرية ولو كان بالامكان ذلك لكنا قد فعلناه.. ولقد كانت حكومة بنيامين نتانياهو قد حاولت ولكنها فشلت.. وعلى هذا فلا يوجد كما يبدو برنامج يمكن من خلاله التوصل الى حوار مع السوريين بعيدا عن الانظار. واضاف ياتوم الذي زار الاردن عدة مرات.. نحن نحتاج الى حل يجب ان يكون واضحا انه بدون شك حل مؤلم في الجولان لايمكن بدون ذلك ان نصل الى تسوية مع السوريين.. والشيء ذاته فيما بعد كرره ايهود باراك: اذ قال: اننا مقدمون على دفع ثمن مؤلم ونحن في اطار الحديث عن التهيئة لاستئناف المحادثات من حيث توقفت لابد من التركيز على ما اشارت اليه جريدة هيرالد تريبيون الدولية حيث كانت اكثر وضوحا اذ قالت يوم 1999/12/15 ان الوساطة السرية الامريكية هي التي جلبت سوريا واسرائيل الى طاولة المفاوضات وان الجهود التي بذلتها واشنطن لعدة اشهر لم تنتج عنها استئناف المفاوضات بين دمشق وتل ابيب فقط بل انها قربت الجانبين باتجاه اتفاق سلام سينهي نصف قرن من المواجهات المسلحة. اضافت الصحيفة ان الوساطة الامريكية تضمنت 31 مكالمة هاتفية بين الرئيس كلينتون والرئيس السوري حافظ الاسد ورئيس الوزراء الاسرائيلي باراك.. ولذلك دخل الجانبان السوري والاسرائيلي الى المفاوضات وهما اكثر تفهما لمطالب بعضهما البعض فيما يتعلق بالمطالبات الاقليمية والامن وطبيعة العلاقات الدبلوماسية والثقافية والتجارية. موقف دمشق.. بات مؤكدا ان سوريا لم تقبل باستئناف المفاوضات مع اسرائيل الا بعد ان حصلت على ضمانات امريكية وقد تكون اوروبية بان نتائج المحادثات ستكون ايجابية تلبي مطالب سوريا المعروفة الا وهي الانسحاب من الجولان الى خطوط الرابع من يونيو عام 1967 وكذلك الانسحاب من جنوب لبنان وفق القرار الدولي 425 وما يؤكد ذلك هو اعلان الرئيس الامريكي كلينتون من ان المحادثات سوف تستأنف بين الجانبين في الثالث من يناير المقبل قرب واشنطن على اساس القرارين الدوليين 242 ـ 338 وهذا ما تطالب به سوريا وهذا يعني تطبيق مبدأ الارض مقابل السلام.. من المؤكد ان المحادثات سوف تكون شاقة ومضنية نظرا لحساسية الوضع بين الجانبين الا ان معظم المؤشرات تفيد ان النتائج في النهاية ستكون ايجابية.. والواقع انه مجرد التركيز رسميا على القرارين 242 ـ 338 فان ذلك يعني ان هناك قبولا اسرائيليا بتنفيذ الانسحاب من الجولان اذا ما حصلوا على ما يعتبرونه ضروريا بالنسبة لهم الا وهو: الترتيبات الامنية والمياه والعلاقات العادية. وفي هذا الصدد فقد كان فاروق الشرع واضحا عندما قال: ان الامل كبير بانجاز سلام حقيقي عادل ومشرف واذا ما اريد لهذه المفاوضات ان تنجح وبالسرعة المطلوبة يجب ألا يتجاهل احد ماتم انجازه الى حد الآن واستكمال ما هو بحاجة لانجازه. ومن البديهي ان السلام بالنسبة لسوريا يعني استعادة اراضيها كاملة دون نقصان وبالنسبة لاسرائيل سوف يعني انهاء حالة الخوف النفسية التي يعيشها الاسرائيليون نتيجة وجود الاحتلال. وقد اشار الشرع الى نقطة تعتبر في غاية الاهمية الا وهي انه اذا ما رفض الاسرائيليون اعادة الاراضي العربية المحتلة الى اصحابها الشرعيين فانهم بذلك يعطون رسالة للعرب ان الصراع بين اسرائيل والعرب هو صراع وجود لاينتهي فيه سفك الدماء وليس صراع حدود سوف ينتهي باعطاء كل ذي حق حقه. ثم ان الشرع كان اكثر وضوحا وتحديدا عندما قال: لقد حانت ساعة الحقيقة ولاشك ان الجميع مدرك بان اتفاق سلام عادل بين سوريا واسرائيل وبين لبنان واسرائيل قد يسجل فعلا بالنسبة لمنطقتنا نهاية تاريخ من الحروب والصراعات وقد يؤذن ببداية حوار حضاري ومنافسة نزيهة تأخذ اشكالا مختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم. والواقع ان هذا التوجه الواضح يلتقي بشكل او بآخر مع ما ردده العديد من الاسرائيليين من ان السلام مع سوريا انما يعني السلام مع جميع العرب. وكما اشرنا فالمحادثات لن تجري بهذه السهولة اذ سوف يكون الكثير من العقبات لكن ما صدر عن الاطراف المعنية يعني ان الجميع مقتنع بضرورة التوصل الى قواسم مشتركة تنهي حالة الصراع القائمة.. وفي هذا الصدد فقد كان ايهود باراك واضحا عندما قال امام الكنيست قبل يوم واحد من توجهه الى واشنطن: هذه اللحظة فرصة لايمكن اضاعتها وتبديدها مؤكدا ان اضاعتها ستكلفنا المزيد من الدماء مضيفا بان الوصول الى اتفاق مع السوريين يعني دفع ثمن ثقيل في اشارة الى الانسحاب من الجولان. والواقع انه ودون الدخول في التفاصيل لاسيما وان معظم ما نشر عن المفاوضات التي جرت يومي 15 ـ 16 ديسمبر انما هي مجرد استنتاجات لا اكثر.. امام ذلك نقول ان الامور تسير كما هو ملاحظ وفق رؤية الاطراف المعنية مباشرة, ومجرد الاعلان عن قرب استئناف المحادثات على المسار اللبناني فهذا يعني ان كل شيء تقريبا يسير بالاتجاه الصحيح على اعتبار ان اسرائيل تتطلع قبل اي شيء الى الخروج من مغطس لبنان بما يضمن لها ماء وجهها. اما ما يقال عن ان استئناف المفاوضات على المسار السوري سوف يكون له تأثيره على المسار الفلسطيني فهنا يجب الجزم بان انسحاب اسرائيل من الجولان الى خطوط الرابع من يونيو ومن جنوب لبنان وفق القرار الدولي 425 نقول اذا ما تم ذلك وهذا ما نأمله فانه ولاشك سوف يكون في صالح المسار الفلسطيني, لان الحجة ستكون اقوى لدى الجانب الفلسطيني وذلك بضرور ممارسة ضغط دولي متعدد الجوانب على اسرائيل في تنفيذ القرارات الدولية التي نفذتها على المسارات الاخرى بخاصة القرارين 242 ـ 338 اذ ان ما ينطبق هنا يجب ان ينطبق هناك. وبعيدا عن التشاؤم والتفاؤل وكذلك بعيدا عن التحليلات الارتجالية فاننا نرى اولا: ان اعلان استئناف المفاوضات على المسار السوري هو في الواقع انتصار لمبدأ قيام السلام العادل والشامل في المنطقة لكن لابد من الاشارة هنا الى انه جاء نتيجة صمود واصرار سوريا على مواقفها المعروفة من عملية السلام ككل.. وثانيا الحديث عن انجازات مؤكدة تعتبر مجازفة, لهذا من المفترض التحلي بالموضوعية وعدم اعطاء الاشياء الجانبية والثانوية اكثر من حقها.. فالقضية قضية ارض محتلة.. وسوريا اكدت قبل واثناء وبعد استئناف المحادثات ان لا سلام ولا امن ولا استقرار في ظل الاحتلال.. وموضوع الانسحاب من الارض محسوم بالنسبة لسوريا اي عدم القبول بأى انسحاب منقوص.. فالانسحاب لابد وان يكون الى خطوط الرابع من يونيو عام 1967.. واذا لم يتحقق ذلك فالصراع سوف يستمر باشكاله المختلفة في كل الاحوال علينا ان ننتظر القليل اذ من المؤمل الا تطول المفاوضات كثيرا.. لاسيما وان الحكومة الاسرائيلية لديها بعض الاعتبارات التي التزمت بها فيما يخص وضعها في جنوب لبنان. على اي حال ان مجرد اشارة الرئيس كلينتون اثر انتهاء جلسة المحادثات الاولى بين سوريا واسرائيل بانه قد تم الاتفاق على عدم العودة الى الوراء فهذا يعني بوضوح تام ان المحادثات التي تقرر استئنافها يوم الثالث من يناير المقبل من الممكن جدا ان تحقق الانجاز المطلوب وان الادارة الامريكية مصممة على تحقيق هذا الانجاز الذي يوفر كل الشروط التي تساهم في اقامة السلام المنشود.. والواقع ان كل ما تسرب ولو كان في معظمه استنتاجات يشير بشكل واضح الى ان الامور تسير بالاتجاه الصحيح.. وان ماهو مؤكد او شبه مؤكد هو انه لولا وجود امل بتحقيق انجاز حقيقي لما كلف فاروق الشرع برئاسة الجانب السوري, يبدو اننا اصبحنا الآن اقرب الى السلام اكثر من اي وقت مضى.. ومع هذا فالامور كلها سوف تبقى محكومة بنتائج المباحثات.. وقد يكون من الخطأ الاعتماد على حسن النية في قضية كالتي نحن بصددها. * مدير تحرير جريدة البعث السورية