مهمة ثقيلة تنتظر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في الفترة المقبلة... هذه المهمة باختصار هي محاولة رد الاعتبار (للمفاوض العربي) الذي تحول ـ في ربع القرن الاخير الذي يلفظ انفاسه اليوم الى امثولة مضحكة ومبكية في آن واحد ـ لاسوأ نوع من المفاوضين ربما في العصر الحديث باكمله.والتركيبة الشخصية للشرع المولود عام 1938 بمحافظة درعا (100 كيلو متر جنوب دمشق) ـ ربما تدفعنا للقول انه وطاقم مساعديه في مفاوضات فرجينا بالولايات المتحدة مع اسرائيل قد ينجح في ايصال رسالة غاية في الاهمية الى الاسرائيليين والامريكيين وسائر العالم ان ما حدث في مسلسل التفاوض العربي الاسرائيلي منذ انطلاقه لا يعبر عن عجز مزمن في شخصية المفاوض العربي بقدر ما كان راجعاً الى خلل جوهري في طريقة التفاوض نفسها والقبول بالشروط التعجيزية لها, وادمان التنازلات, ومكامن خلل اخرى اخطرها حذف الرأي العام العربي من معادلة التفاوض على غرار ما يفعله بنا العدو بحق احيانا وبسوء نية وابتزاز في احيان اكثر. سيذهب الشرع وطاقمه للجولة الثانية وشبه الحاسمة على حد تعبير دمشق وفي حقيبته الدبلوماسية الكثير من المؤهلات والاوراق التي اذا استغلها جيداً ـ وهذا ما نتوقعه ـ فسوف يدخل التاريخ العربي من اوسع ابوابه الا وهو بوابة الرضاء الشعبي التي (عصلجت) امام كثير من مفاوضينا. في حقيبة الشرع اولاً مؤهلاته الشخصية, وهي مشرفة وناصعة... فهذا الدبلوماسي اللامع حاصل على ليسانس الآداب في اللغة الانجليزية من جامعة دمشق اوائل الستينيات وبعد تخرجه بقليل شغل منصب مدير مكتب الخطوط الجوية السورية في العاصمة البريطانية لندن لمدة 13 عاماً اي منذ عام 1963 حتى عام 1976. واذا كان لكل شخصية عامة فترة تكوين اساسية فربما كانت هذه الفترة في لندن هي احدى المكونات الرئيسية في شخصية الشرع... فيها تمكن من اجادة اللغة الانجليزية بطلاقة, وخلالها ايضا حصل على دبلوم القانون الدولي من جامعة لندن عام 1972. لكن الامر الاكثر اهمية ان الشرع خلال وجوده في لندن نجح من فهم الغرب بصورة واقعية. فهو ليس الغول الذي يتصوره البعض في عالمنا العربي, كما انه ليس جنة الحرية والديمقراطية كما يحاول ان يقنعا الغرب نفسه... هذا الفهم هو الذي اكسبه لاحقاً القدرة على فهم الاوروبيين, والتحلي بالاعصاب الباردة والتركيز على الوقائع وتفاصيلها وليس على الخطب الانشائية التي قد تصلح في تعليق اذاعي او صحفي لكنها لا تعني شيئاً في قاعات التفاوض الباردة. ومن مؤهلات الشرع ايضا ـ الذي دخل الى العالم العلني للدبلوماسيين عام 1977 حينما عين سفيراً في العاصمة الايطالية روما حتى عام 1980 ـ انه نظيف اخلاقياً وغير محسوب على تيار ما داخل سوريا كل ذلك جعله وجهاً يمثل سوريا الحديثة لدى الغرب, وكما يقول جورج ناصيف انه ضابط في زي مدني يخوض مواجهة باللحم الحي في واشنطن ويتمتع ايضا بعلاقة وثيقة مع بشار الاسد. الشرع ثالثاً في هذه المفاوضات وهذا هو الاهم يحمل تفويضاً وثقة كاملة من الرئيس الاسد لدرجة دفعت بعض المراقبين للقول ان الذي يفاوض باراك فعلياً هو الاسد في صورة الشرع والرئيس الاسد ـ كما هو معروف على نطاق واسع ـ لا يعطي ثقة للاخرين بسهولة ويفكر مليار مرة قبل اتخاذ قراره ومحاور فذ ولذلك عندما اختار الشرع لمفاوضة باراك كان يعرف اي مؤهلات يحملها وزير خارجيته الذي يتولى هذا المنصب منذ مارس 1984 بعد ما حل محل احد اهم وزراء الخارجية العرب عبد الحليم خدام الذي صار نائباً لرئيس الجمهورية والمسئول الفعلي عن الملف اللبناني لفترة طويلة. في حقيبة الشرع فيما يتعلق بالمؤهلات هي القدرة على الخطابة, كما ان لديه ناصية الحجة والاقناع وامتلاك الملفات ولعل ومضة الضوء الوحيدة في نفق التفاوض العربي مع الاسرائيليين هو ما حدث نهاية اكتوبر 1991 حينما حاول الارهابي اسحق شامير خلال افتتاح مؤتمر مدريد تصوير اسرائيل بانها الشاة وسط الذئاب العربية... فما كان من الشرع سوى ان اخرج من جيبه صورة وزعتها السلطات البريطانية في فلسطين المحتلة في الاربعينيات وعليها صورة شامير باعتباره ارهابياً مطلوباً للعدالة... وقتها زاد انكشاف شامير وامثاله كارهابين وكان الشرع يحجز بطاقة الدخول الى افئدة الملايين العرب. واذا كان الاسد قد نجح في تغيير صورة سوريا لدى الغرب من دولة متهمة بالارهاب وعدو للغرب خلال الحرب الباردة قبل انهيار السوفييت, فان الشرع كان له الدور البارز في ذلك باعتباره رأس الدبلوماسية, وقدم سوريا للعالم باعتبارها دولة ترغب في السلام لكن على اسس عادلة...الشرع ايضا رسخ صورته كمدافع عن السلام حينما ساهم في الافراج عن رهائن غربيين تم اختطافهم خلال الحرب الاهلية اللبنانية على يد بعض المليشيات, وظهر مع الرهائن على شاشات التلفزيون. ورغك هذه الصورة السلامية فانه ـ باعتباره ممثل الاسد الدبلوماسي ـ قدم درساً مخالفاً لما فعله المفاوضون العرب الاخرين حينما رفض اكثر من مرة عروضاً من مسئولين اسرائيليين بعقد لقاءات معهم خاصة شارون خلال توقف المفاوضات, وفي 17 ابريل الماضي كان الوزير السوري مشاركاً في اجتماع ضم دول الاتحاد الاوروبي و12 دولة مطلة على البحر المتوسط من بينها اسرائيل, وكان مقرراً عقد مؤتمر صحفي للوزراء لكن الشرع رفض بصلابة المشاركة في حالة انضمام ارييل شارون الذي كان وقتها وزيراً لخارجية اسرائيل... بعدها خرج وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر ليقول للصحفيين: لا تتصوروا مدى الحدة التي انتهجها الشرع مع شارون والاسرائيليين. وكنتيجة طبيعته لهذه المواقف وغيرها كثير فقد بدأت آلة الاعلام الاسرائيلية والصهيونية في توجيه قذائفها باتجاه الشرع بجانب وزير الخارجية المصري اللامع عمرو موسى... حاولت هذه الآلة التقليل عبثاً من شأن الشرع ودوره في عملية السلام عندما وضع العالم العربي باكمله يده فوق قلبه حينما اصيب الشرع بانفجار في الشريان الاورطي في نهاية اكتوبر الماضي دفعت لنقله على عجل من دمشق الى بيروت لاجراء جراحة عاجلة كانت نتيجتها ناجحة وتركت 150 غرزة وآلاف الاطنان من الورود التي انهالت على المستشفى من كل العالم العربي والخارجي اضافة للزيارات والاتصالات الهاتفية. ما سبق يتعلق بالمؤهلات الشخصية لدى فاروق الشرع الأب لولدين الاول يعمل طياراً والثانية حاصلة على ليسانس في اللغة الفرنسية من جامعة دمشق... لكن ماذا عن اوراق الضغط الاخرى؟ الشرع في هذه المفاوضات لن يتحدث فقط باسم 16 مليون سوري ولكنه يحمل رأياً عربياً واسلامياً ضاغطاً يؤيد الموقف السوري بلا تحفظ... وتعلم اسرائيل جيداً ومعها امريكا ان دمج الكيان الصهيوني في المنطقة ثمنه الرئيسي الراهن هو التسوية على الجهة السورية ومعها اللبنانية وبدون ذلك فالملفات كما هي. والوزير السوري نفسه سبق له القول في 17 ابريل 1980 عندما شغل منصب وزير الاعلام بصفة مؤقتة عام 1980 عقب رحيل احمد اسكندر احمد ان للموقف السوري اهمية قصوى لدى اسرائيل وامريكا وحكومة السادات فالجميع يعلمون اننا نعبر عن ضمير الشعب العربي كله. الشرع ايضا غير ذاهب لواشنطن من اجل استعادة كامل الجولان فقط والتي لا تزيد مساحتها عن. 186 كيلو متر تمثل 1% من مساحة سوريا الاجمالية ويعيش فيها 15 الف سوري درزي ومثلهم تقريباً من المستوطنين... فهناك شبه اتفاق تقريباً على حتمية انسحاب اسرائيل من الهضبة المحتلة منذ 5 يونيو 1967... جوهر المفاوضات ليس عن الانسحاب ولكن عن ثمن الانسحاب, وبالتالي فالقضية الجوهرية التي على الشرع وطاقمه التنبه لها جيداً هي التفاصيل ويكفي ان الرئيس حافظ الاسد نفسه هو صاحب مقولة (ان كل فقرة في اتفاق اوسلو تحتاج لاتفاق جديد كي يتم تفسيرها قبل تنفيذها) ... الاسرائيليون ماهرون للغاية ـ ربما بسبب صعفنا الشديد ـ في التفاصيل, واذا كان احد الامثال الشائعة يقول (ان الشيطان يكمن في التفاصيل) ... فان تل ابيب ومن خلال اتفاقياتها مع الفلسطينيين من اوسلو الى واشنطن مروراً بالقاهرة تركت كما يقول المثل المصري (عفريت في كل خرابة) ... وهكذا وجد الفلسطينيون انفسهم فيما يشبه المتاهة بفعل التعقيدات القانونية التي حشرها المفاوضون الاسرائيليون في الاتفاقيات التي صارت تشبه حقول ألغام بلا خرائط) ! هنا تأتي اهمية النصيحة التي قدمها عمرو موسى لفاروق الشرع مؤخراً حينما قال له: كن عنيداً وركزوا على التفاصيل... اثق في قدرتكم التفاوضية, وعليكم التمسك بحقوقكم حتى النهاية. والسوريون خاصة الرئيس الاسد في منهجه التفاوضي معروف انه تحول الى لاعب ماهر في لعبة دفع الامور الى حافة الهاوية, وهي سياسة رغم انها خطرة إلا انها نجحت كثيراً... وليس صحيحاً كما يحاول الاعلام الغربي تصوير الامر بان سوريا في عجلة من امرها كي يسلم الرئيس الاسد الحكم الى ابنه... وحتى لو كان صحيحاً فاسرائيل ايضا تريد انتهاز هذه الفرصة من الضعف العربي الشامل غير المسبوق والذي قد لا يتكرر مرة اخرى, كما ان كلينتون نفسه يريد دخول التاريخ من بوابة جمع الاسد وباراك في صورة واحدة يتوسطها حتى لا يدخل هذا التاريخ من بوابة مونيكا, خاصة ان كل الصور التي جمعته بياسر عرفات والمسئولين الاسرائيليين من رابين وبيريز الى باراك مروراً بنتانياهو ثبت انها لا تدخل احداً التاريخ... وتحولت الى ما يشبه الفولكلور في فن النصب السياسي والمواعيد غير المقدسة على حد تعبير اسحق رابين نفسه. في حقيبة المفاوض السوري ايضا ورقة المقاومة اللبنانية البطلة التي حفظت الكرامة العربية من الضياع الكامل بعد ان توقفت كل الجبهات عن الحرب والقتال وتحولت الى مجرد بوابات لتهريب السلع الاسرائيلية الى الاسواق العربية.. هذه المقاومة يكفيها فخراً ما فعلته حتى الان بل انها وخلال الاجتماع الاول بين الشرع وباراك منذ اسبوعين في واشنطن كانت تواصل عملياتها الشجاعة ضد المحتل... ورغم عدم مشاركة سوريا المباشرة في العمليات ضد اسرائيل باعتبارها قد تقود لحرب شاملة لا تناسب دمشق في الوقت الراهن.. فالمؤكد ان الدعم السوري المتنوع لهذه المقاومة منذ الاجتياح الاسرائيلي للبنان في يونيو 1982 وحتى وقتنا الراهن هو الذي جعلها تحقق هذه النجاحات النوعية. ذلك هو تقريباً الموجود في حقيبة الشرع الذي قال مؤخرا انه خلال المفاوضات مع الاسرائيليين منذ مؤتمر مدريد وحتى توقف المفاوضات, بمجيء حكومة نتانياهو في يونيو 1996, كان قد تم انجاز 80% من اتفاق التسوية ولم يبق الا 20% فقط... رغم ذلك فان اسرائيل التي لا تعرف لغتها كلمة الحقوق بل القوة فقط ستعمد الى وضع العديد من الالغام في حقيبة رئيس وفد المفاوضات السوري. اول هذه الالغام هو العودة لممارسة لعبة تناقض المسارات العربية مثلما حدث منذ بداية التفاوض في مدريد حينما اصرت اسرائيل على الانفراد بكل وفد على حدة واستطاعت ان تحقق نجاحات باهرة بسبب هذا الفصل اولا ثم عبر الاستفراد بالفلسطينيين باعتبارهم الحلقة الاضعف واخيراً عبر الهدية التي قدمها لها عرفات على طبق من فضة حينما قبل باتفاق اوسلو الذي سيدخل تاريخ التفاوض باعتباره ان جورج الخامس الاسرائيلي كان في حقيقة الأمر يفاوض جورج الخامس الاسرائيلي ايضا. ستحاول اسرائيل ـ رغم انكارها ذلك ـ التسريع على مسار والبطء في مسار اخر والكارثة الحقيقية هي نجاحها في استدراج المفاوض السوري لهذه اللعبة الجهنمية. ستحاول اسرائيل ايضا رغم فشلها المتكرر اللعب على محاولة فصل المسار اللبناني عن نظيره السوري ولديها العديد من السيناريوهات احدها الانسحاب الاحادي من الجنوب اللبناني, حيث تعتقد ان من شأن ذلك جعل الظهر السوري مكشوفا, وحتى هذه اللحظة فقط افشل اللبنانيون كل المحاولات الاسرائيلية لذلك. ستحاول اسرائيل ثالثا تعكير صفو العلاقات المصرية السورية لحرمان دمشق من المساندة المصرية سواء عبر الاستفادة من خبرة القاهرة التفاوضية مع تل ابيب او الايحاء كما حدث قبل ذلك بان القاهرة تفضل تنشيط المسار الفلسطيني على حساب نظيره السوري.. والمؤكد ان مسارعة القاهرة ودمشق الى التنسيق العلني في هذه الفترة سيحبط كل هذه المناورات ويقدم دعماً هائلا للمفاوض السوري خلال اجتماعه مع نظيره الاسرائيلي في ويست فيرجينا. سيفاجأ الشرع بان المطالب الاسرائيلية ستفوق حد الخيال فقد سبق لهم على سبيل المثال عند مناقشة الترتيبات الامنية مطالبة دمشق بسحب قواتها بعيدا عن الحدود الاسرائيلية بحيث تكون على مقربة من الحدود العراقية في دير الزور!! وسيفاجأ الشرع ـ والمؤكد طبعا انه يعرف كل ذلك ـ ان باراك ومفاوضيه سوف يحاولون ابتزازه عبر ما يسمى بالرأي العام الاسرائيلي والرافض للانسحاب من الجولان عبر استطلاعات رأي متعددة ومنوعة.. وسيصور الاعلام الاسرائيلي والغربي الامر باعتبار ان مستوطني الجولان ضحية للاحتلال السوري.. كل ذلك واكثر سيحدث, ونعتقد ان الرد السوري الوحيد سيكون صارما في وجه باراك وهو أن ذلك امر داخلي لا شأن لنا به.. نريد الارض كاملة السيادة! ستتحدث اسرائيل كثيرا عن مخاوفها الامنية وكأنها الدولة التي تعرضت للاحتلال من جانب سوريا!! وستطالب بالتطبيع الكامل وفتح السفارات, وستجادل كثيرا حول هل تنسحب حتى حدود 1923 ام 4 يونيو 1967 كي تستمر في السيطرة على منابع مياه طبرية. وما على السوريين في هذه الحالة سوى التمسك بثوابتهم حتى النهاية.. وقد يفاجأ الشرع انه بينما يتفاوض مع الاسرائيليين على الانسحاب في واشنطن قد تقوم تل ابيب ببناء المزيد من المستوطنات في الجولان بهدف ابتزاز المزيد مما تسميه كلفة الانسحاب سواء لتعويض المستوطنين او اعادة بناء القواعد العسكرية.. هذا المبلغ يتزايد كل يوم, فقد بدأ من عشرة مليارات دولار ووصل الان الى 18 مليارا وربما يقفز غدا او بعد غد.. طالما ان امريكا ستحاول ـ كما يتردد ـ اقناع بعض الدول العربية بتمويل الانسحاب الاسرائيلي من الجولان! النقطة الاخيرة التي نرجو الشرع الا يقع فيها هي ما يسمى بصراع الرموز.. والحقيقة ان اداء الشرع الدبلوماسي منذ تقلده منصبه وحتى الان اكثر من ممتاز في هذه النقطة.. صراع الرموز هذا قد يعتبره البعض شكليا, لكنه في غاية الخطورة وتأثيره قد يتعدى الخسائر الاقتصادية والعسكرية.. وحسنا فعل الشرع حينما رفض مصافحة باراك في الجلسة الافتتاحية مقتديا بذلك بالرئيس الاسد حينما رفض مقابلة وايزمان اثناء جنازة الملك حسين, ولم يذهب لجنازة الملك الحسن ليتجنب ضغوطاً متعددة لمقابلة باراك فيما سمي وقتها بدبلوماسية الجنازات.. بالطبع سيصافح الشرع باراك في جلسات مقبلة.. وسيلتقى الاسد وباراك في نهاية المطاف عند التوصل لاتفاق نهائي.. تلك سنة الحياة وطبيعة الوضع الدولي التي تحتم على الدول تقديم شهادة حسن سير وسلوك للدخول الى النادي الدولي عبر بوابة تل ابيب لكن المسألة هنا.. لماذا نتطوع بتقديم حتى ما لا يطلب منا؟ هل ضغط الاسرائيليون على عرفات لتقديم التحية لصورة رابين وهل ارغموه على تقبيل يد زوجته ليا خلال الاحتفال بذكرى اتفاق اوسلو سيئ الذكر, اغلب الظن لا.. والمؤكد ان ذلك خطأ فادح يتحمله عرفات لدرجة دفعت احد الكتاب قبل سنوات كي يستعطفه الا يقدم على تقبيل اي مسئول اسرائيلي الا اذا بادر الاخير بذلك!! واذا كان السادات قد خذل مفاوضيه خلال كامب ديفيد باعتماده الصدمات الكهربائية ودبلوماسية الاعلام, واذا كان عرفات قد ركز على الانتصارات اللفظية ثم التراجعات المفجعة, واذا كانت الحكومة الاردنية حسمت امرها مبكرا مع اسرائيل.. فان على السوريين الا (يندلقوا) .. والا يستعملوا مصطلحات فقدت معناها من فرط ابتذالها من قبيل (سلام الشجعان) و(صديقي رابين وباراك) . الصحيح اننا انهزمنا كعرب في مجمل الصراع مع العدو الصهيوني وبدلا من اعادة فلسطين كاملة اصبحنا نتحدث عن 5% هنا, او ممر آمن هناك. والصحيح ايضا ان ميزان القوى في صالح اسرائيل عسكريا واقتصاديا ليس ضد سوريا فقط بل ضد غالبية دول الجوار, والمؤكد ايضا ان نتائج المفاوضات تحدد طبقا للمدى الذي تبلغه اسلحة كل طرف.. لكن الاكثر صحة ومنطقية الا نسلم بالهزيمة ونتركها ارثا للاجيال المقبلة. قد تكون الاتفاقيات الراهنة تعبيرا عن موازين القوى. لكن علينا وعلى مفاوضينا في الاساس الا يضعوا قيوداً من شأنها ان تتحول الى اطواق في اعناق اجيال قد تأتي غداً لتكنس كل هذه الاتفاقيات الى مزابل التاريخ. سوريا كانت اخر دولة عربية وقعت الهدنة مع اسرائيل في 20 يوليو 1949, وستكون اخر دولة توقع اتفاقية تسوية معها ايضا.. وكل ما نرجوه ان تنعكس الشعارات السورية المرفوعة منذ بدء الصراع مع اسرائيل وحتى هذه اللحظة في متون اي اتفاق قادم مع اسرائيل... الشعارات جيدة.. لكن الواقع اجمل.