وسط اجواء ايجابية انطلق مرة اخرى وبعد توقف دام لسنوات قطار المفاوضات السورية الاسرائيلية, انطلق من المحطة التي كان قد توقف عندها وذلك تنفيذا للرغبة السورية التي اصرت على ذلك طوال السنوات الماضية. وعلى الرغم من هذه الاجواء التي اتسمت بها المفاوضات الاخيرة التي تمت في واشنطن بين الوفدين السوري برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع, والاسرائيلي برئاسة رئيس الوزراء ايهودا باراك, فان هذا لا يعني ان المرحلة المقبلة من المفاوضات سوف تكون بالسهولة التي يعتقدها البعض, فهناك الكثير من الصعوبات والعراقيل التي من المنتظر ان تواجهها, وتتمثل في مشكلة المياه والترتيبات الامنية والتي دارت حولها خلافات كثيرة خلال مرحلة المفاوضات السابقة التي توقفت منذ عام ,1996 اضافة الى الصعوبة في تحديد الجدول الزمني للانسحاب من الجولات حيث يرى السوريون ضرورة ألا يزيد ذلك عن شهور قليلة, في حين يرى الجانب الاسرائيلي ان الامر يحتاج الى ماهو اكثر من ذلك بسنوات واخيرا المعارضة الداخلية في اسرائيل للانسحاب من الجولان حيث اظهر استطلاع للرأي ان ثلث الحكومة الائتلافية و47% من الشعب الاسرائيلي يعارضون هذا الانسحاب.... (الملف) التقى الدكتور نصيف حتي استاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية بالقاهرة, والخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم, لالقاء الضوء على بعض التساؤلات المتعلقة بالمفاوضات السورية الاسرائيلية ومنها مدى تأثير استئناف المفاوضات على المسار السوري سلبا على المسار الفلسطيني, وما هي الصعوبات المنتظر ان تواجهها المفاوضات خلال المرحلة المقبلة؟ وما المطلوب من الدول العربية لدعم المفاوض السوري, وهل يعني التوصل لاتفاق مع سوريا تحقيق سلام شامل في المنطقة؟ وماذا عن طبيعة الدور الامريكي المنتظر خلال فترة المفاوضات المقبلة؟ وغيرها من التساؤلات. درجة من الحرص بداية يقول الدكتور نصيف حتي: مما لا شك فيه ان المناخ الذي ساد خلال المفاوضات الاخيرة التي تمت بين فاروق الشرع وباراك كان ايجابيا وظهر من خلاله وجود درجة من الحرص عند الجانبين للاستمرار في التفاوض والتوصل الى تسوية, كما ان قبول اسرائيل بالشروط السورية الخاصة باستئناف التفاوض من حيث توقفت المفاوضات السابقة ووفقا لما تم التوصل اليه وهو ما يطلق عليه (وديعة رابين) . فهذا يعني قبولها بمبدأ الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو عام 1967 وهذا ما تحرص عليه سوريا لانه يعني حصولها على اراضيها, اما ما دون ذلك من امور وصعوبات قد تواجه المفاوضات مثل مشكلة المياه والترتيبات الامنية والجدل الزمني للانسحاب وغيرها من الصعوبات, فانها امور يمكن التفاوض عليها والوصول الى حلول بشأنها. ويضيف الدكتور نصيف حتي: انني اتوقع ان تستمر المفاوضات السورية الاسرائيلية فترة تتراوح ما بين العشرة شهور والعام هذا اذا لم تحاول اسرائيل التملص من الالتزام بوديعة رابين والتي اعلنت امريكا التزامها بها, لانه في هذه الحالة سوف تتوقف المفاوضات, كما يجب على اسرائيل الا تتخذ من موضوع الترتيبات الامنية ذريعة لعرقلة سير المفاوضات وبحيث تكون هذه الترتيبات متكافئة وتحقق الامن للطرفين, اذا حدث هذا فالاتفاق بين الطرفين يمكن ان يتم في فترة تقل عن العام, وهذا سوف يعطي دفعة كبيرة للتوصل لاتفاق وتسوية على المسار اللبناني نظرا للارتباط العفوي بين المسارين, فمعروف ان اي تقدم على المسار السوري الاسرائيلي سوف يؤدي الى تقدم على المسار اللبناني الاسرائيلي, والعكس صحيح فاي توتر عليه يؤدي الى مزيد من التوتر على المسار الاخر. لا خوف على المسار الفلسطيني وفيما يتعلق برأيه فيما يتردد عن تأثر المسار الفلسطيني سلبا بالتقدم الذي حدث على المسار السوري يقول الدكتور نصيف حتي: ليس هناك خوف على المسار الفلسطيني رغم انني لا استبعد ان تحاول اسرائيل هذا الوضع الجديد والتقدم على المسار السوري ضد المسار الفلسطيني ولكنها لن تصل الى نتيجة, المهم ان يتمسك المفاوض الفلسطيني بالمبادىء والثوابت التي تضمن له الحصول على حقوقه كاملة غير منقوصة وخاصة أنه لاسلام شاملاً في المنطقة دون التوصل لاتفاق وتسوية مع الجانب الفلسطيني, المسار الفلسطيني هام وحيوي وجميع الاطراف تدرك انه لا تسوية شاملة في المنطقة الا بحل القضية الفلسطينية ولذلك فليس هناك خوف على المسار الفلسطيني من التقدم على المسار السوري. ويوضح الدكتور نصيف انه حتى لو تم التوصل لاتفاق سلام سوري اسرائيلي فلابد من الانتهاء من المسار الفلسطيني حتى يكون هناك سلام شامل في منطقة الشرق الاوسط, والوصول لاتفاق سوري اسرائيلي سوف يؤدي دون شك الى حدوث تحول في المناخ السياسي في المنطقة وبحيث يدفع بها في اتجاه الاستقرار, اما السلام الشامل فهو لن يتحقق الا بعودة كل الاراضي العربية وحل القضية الفلسطينية التي هي اساس الصراع في المنطقة. نصر للدبلوماسية السورية ويرى الدكتور نصيف حتي ان استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية على هذه الصورة ومن النقطة التي توقفت عندها في السابق هو نصر للدبلوماسية السورية التي ظلت طوال الفترة الماضية. خلال توقف المفاوضات, تصر على موقفها الثابت والمتمثل في ضرورة بدء المفاوضات من حيث تم التوقف وليس من البداية كما كان يريد الاسرائيليون, ايضا موقفها الصارم المتمثل انه لا مانع من التفاوض على اي شيء ماعدا الارض فهي يجب ان تعود الى اصحابها, وهذا ما اكده فاروق الشرع وزير الخارجية السوري في كلمته التي القاها في واشنطن امام الرئيس كلينتون وباراك, لقد استطاعت سوريا ان تجبر اسرائيل بالالتزام بوديعة رابين عندما اصرت على بدء المفاوضات من حيث توقفت لان هذا يعني التزام اسرائيل بكل ما سبق وتم الاتفاق عليه خلال المفاوضات السابقة, لقد بنت سوريا استراتيجيتها على اساس ان المسار السوري الاسرائيلي هام جدا حتى يكون هناك استقرار في المنطقة ولذلك كان حرصها على تحقيق كل مطالبها وهي تدرك انه في النهاية لابد ان توافق الاطراف الاخرى على ذلك. واشار الدكتور نصيف الى ان الولايات المتحدة قد لعبت دورا واضحا من اجل عودة المفاوضات السورية الاسرائيلية حيث قام الرئيس الامريكي بيل كلينتون بجهد واضح من خلال الاتصالات العديدة التي اجراها مع الرئيس حافظ الاسد وهو ما اطلق عليه دبلوماسية الهواتف من اجل تقريب وجهات النظر بين السوريين والاسرائيليين وإزالة بعض الحواجز التي تحول دون عودة المفاوضات, ولكن هذا لا يعني ان الدور الامريكي قد توقف بان تم جمع الطرفين على طاولة المفاوضات, بل ما زال هناك اهمية كبيرة للدور الامريكي في المستقبل من اجل انجاح المفاوضات واستمرارها, ولذلك فالمطلوب من الادارة الامريكية خلال الفترة المقبلة ان تمارس ضعوطا وتحث الطرفين على الاستمرار في المفاوضات وان تكون هناك اتصالات على اعلى المستويات من اجل الاستمرار في تحريك المسار السوري الاسرائيلي وحتى يتم التوصل الى تسوية نهائية تحقق الاستقرار في المنطقة. المفاوضات متعددة الاطراف ويطالب الدكتور نصيف حتي بان يكون هناك موقف عربي داعم لكافة الاطراف العربية التي تتفاوض مع الطرف الاسرائيلي, دعما دبلوماسيا يقوم على تأييد الموقف العربي في كل المحافل الدولية واستغلال العلاقات العربية المتميزة بمختلف القوى الدولية التي يمكن أن تؤثر في المسيرة السلمية, وتأكيد اهمية السلام لكل شعوب المنطقة وللاستقرار والامن الدوليين, كما يجب استغلال الحديث الذي بدأ يدور حاليا حول عقد المؤتمر الاقتصادي والمفاوضات متعددة الاطراف بان يؤكد الجانب العربي انه اذا لم يحدث تقدم على المسار السوري الاسرائيلي والمسارات الاخرى فلن تكون هناك امكانية لعقد هذا المؤتمر او الدخول في المفاوضات متعددة الاطراف, بحيث يؤكد الطرف العربي دوما على ضرورة تحقيق تقدم جيد ومحسوس في المفاوضات قبل الحديث عن تعاون شرق أوسطي ومفاوضات متعددة الاطراف وغيرها من الامور. رؤية مختلفة على الجانب الآخر يعتقد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم انه من الصعب الحديث عن الوصول لاتفاق سوري اسرائيلي, لانه لايتصور ان تكون هناك موافقة اسرائيلية على الانسحاب الكامل من الجولان رغم كل ما يتردد عن قبول اسرائيل بما يسمى (وديعة رابين) وغيره. فالمعروف ان هناك في داخل اسرائيل قوى كثيرة ترفض تماما فكرة الانسحاب من الجولان نظرا لاهمية هذه المنطقة من الناحية الاستراتيجية بالنسبة لأمن اسرائيل, وحتى لو فرض انه وبعد مفاوضات طويلة تم التوصل لاتفاق ما بين السوريين والاسرائيليين وان هذا الاتفاق سوف يتم عرضه على استفتاء شعبي اسرائيلي كما صرح باراك من قبل فهنا تكون المشكلة لان غالبية الشعب الاسرائيلي لا يحبذون فكرة الانسحاب من الجولان, ولذلك فالموضوع شائك وامكانية الوصول لاتفاق أمر صعب للغاية, ايضا مما يصعب من المسألة ويحول دون التوصل لاتفاق هو الموقف السوري والذي لن يقبل بأقل من الانسحاب الكامل من الجولان, لانه لو قبلت القيادة السورية بأقل من ذلك فهي ستعرض نفسها الى مخاطر كثيرة ومعروف ان سوريا تبني موقفها على ضرورة عودة جميع الاراضي السورية في الجولان. وحول رأيه فيما يقال من ان قبول الرئيس السوري حافظ الاسد العودة الى طاولة المفاوضات يعني انه قد تلقى تأكيدات بانه سيسترد الاراضي السورية كاملة يقول اللواء طلعت مسلم: اعتقد ان الولايات المتحدة قد استخدمت خلال الفترة الماضية صيغة ترضى الرئيس الاسد حتى يقبل العودة الى المفاوضات وهي بدء المفاوضات من النقطة التي انتهت اليها وهذا كان مطلبا سوريا على الدوام, كما استطاعت ان ترضى اسرائيل على اساس انه ليس هناك اي الزام عليها. وحسم القضية ما زال امامه وقت طويل والمهم الآن ان يجلس الطرفان ويتفاوضا. ويضيف: اذا كان الجانب السوري يتصور انه في طريقه للحصول على كل حقوقه من خلال اتفاق مع اسرائيل فانني ارى ان المفاوضات ستثبت عكس ذلك, بل انني لا اكون مبالغا اذا قلت انه من الممكن ان تتوقف هذه المفاوضات مرة اخرى خلال فترة قصيرة, وانه من الممكن ان تستمر الى مالا نهاية دون التوصل الى اتفاق رغم كل التأكيدات السورية التي تدعو الى ضرورة التوصل لاتفاق وتسوية خلال فترة لا تزيد على العام.. انني متفهم لموقف الجانب السوري فهو حريص على الا يبدو انه رافض لفكرة العودة الى طاولة المفاوضات ولذلك وافق على العودة حتى يفوت على اسرائيل فرصة الحديث عن الرفض العربي, أول الادعاء بأن العرب لايريدون السلام ولكن الجانب السوري يدرك انه يسعى وراء حقه كاملا غير منقوص وهو يعرف في نفس الوقت ان هذا الامر صعب التحقق في ظل الاجواء الحالية. عدم تنفيذ الاتفاق وفيما يتعلق بتأثير التقدم على المسار السوري على مسارات التفاوض الاخرى يرى اللواء طلعت مسلم انه فيما يتعلق بالمسار الفلسطيني لو حدث وتم التوصل لاتفاق بين سوريا واسرائىل دون التوصل لاتفاق مع الفلسطينيين فهذا دون شك سوف يضعف الموقف الفلسطيني لانه سيجعل الفلسطينيين بمفردهم امام اسرائيل ونتائج هذا الوضع معروفة وفقا للسوابق الاسرائيلية ويكفي انه خلال الفترة الماضية عانى الفلسطينيون كثيرا من المماطلات الاسرائيلية وعدم تنفيذهم للاتفاق, وانه كلما تم التوصل لاتفاق سرعان ما تقوم اسرائيل بهدمه والسعي الى الوصول لاتفاق اخر لتنفيذ الاتفاق الاول وهكذا, الفلسطينيون في موقف صعب وبدون شك هم سيدفعون الثمن ولبعض الوقت, اما بالنسبة للمسار اللبناني فانه اذا افترضنا امكانية التوصل لحل واتفاق بين السوريين والاسرائيليين فان هذا سيكون له مردوده الايجابي على المسار اللبناني في اتجاه الحل, وسيكون هناك استئناف للمفاوضات بين الطرفين, واعتقد ان اسرائىل يمكن ان تقدم على ذلك في وقت مبكر اثباتا لحسن النية وانها تريد انهاء الصراع في المنطقة والوصول الى تسوية شاملة. ويعتقد اللواء طلعت مسلم انه حتى لو تم التوصل لاتفاق بين السوريين والاسرائيليين فان هذا لا يعني التوصل لتسوية شاملة في المنطقة يتحقق معها استقرارها وامنها لان هذه التسوية من وجهة نظره تكون مؤقتة وفرصة لكل طرف لكي يعيد ترتيب شؤونه وحساباته بالشكل الذي يعده للدخول الى مرحلة جديدة من الصراع والذي لن ينته طالما بقيت اسرائيل كدولة يهودية في المنطقة, الوصول الى السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الاوسط لا يمكن ان يتحقق في ظل منع المواطن الفلسطيني الذي ولد على ارض فلسطين ان يعود الى وطنه في حين يسمح لاي يهودي في العالم ان يستوطن في اسرائىل, السلام العادل يتطلب انهاء حالة التفوق النووي الاسرائيلي واعتقد ان هذا لن يحدث, السلام العادل والشامل غير وارد طالما اسرائيل موجودة. مجرد رغبة امريكية ويقول اللواء طلعت مسلم فيما يتعلق بالدور الامريكي خلال هذه المرحلة من المفاوضات: الامريكان يريدون التوصل لاتفاق بين سوريا واسرائيل هذا العام لان هذا سيعطي صورة طيبة عن الادارة الامريكية ويخدم الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات المقبلة, ولكن هذا كله لا يخرج عن كونه مجرد رغبة امريكية, اما اذا رفضت اسرائيل الانصياح لهذه الرغبة فانني اعتقد ان الولايات المتحدة لن تضغط او تتدخل لتنفيذ الاتفاق كما حدث من قبل مع اتفاق واي بلانتيش الذي تم مع الجانب الفلسطيني, امريكا. حريصة على الاتفاق ولكن ليس على اساس انه ضرورة لتحقيق الاستقرار في المنطقة ولكنها تفعل ذلك من منطلق رغبتها في تحقيق مكاسب انتخابية من ورائه. وعن رأيه في الكيفية التي يمكن ان تدعم بها الدول العربية المفاوض العربي وخاصة السوري يشير اللواء طلعت مسلم الى ان ذلك يتحقق من خلال ايقاف جميع عمليات التطبيع والعلاقات بين الدول العربية واسرائىل لحين اتمام الاتفاق, مطلوب من الدول العربية تأكيد مفهوم ان سوريا ولبنان والفلسطينيين ليسوا وحدهم وان هناك مساندة عربية لهم لان ذلك سيكون له مردوده الايجابي على المفاوضات, كما يجب الا يكون هناك حديث عن المفاوضات متعددة الاطراف والمؤتمر الاقتصادي الا بعد انتهاء القضايا الخاصة بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية وعودة جميع الحقوق العربية هذا من ناحية, ونزع السلاح النووي الاسرائيلي من ناحية اخرى.