انهت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت جولتها الناجحة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط بالتعبير عن الأمل في ان يكون عام 2000 عاما للسلام في منطقة الشرق الأوسط.أدلت بذلك التصريح بعد نجاحها ومساعدها دنيس روس من انتزاع موافقة كل من سوريا واسرائيل لمباشرة مفاوضات سلام جديدة بينهما بعد انقطاع دام اكثر من أربع سنوات, واستلامها اشارات مشجعة بخصوص المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. وصرحت أيضا ان لديها شعوراً بأن الأمور التي تقلق كلاً من السوريين والاسرائيليين يمكن تجاوزها بالتفاوض من خلال أربعة محاور رئيسية, وتلك المحاور تتمثل في: أ ـ الانسحاب الكامل من الأراضي السورية. ب ـ نوعية السلام المنشود من قبل الطرفين. جـ ـ الأمن الاسرائيلي. د ـ جدول زمني لتنفيذ الخطوات التي سيتفق عليها. هذه التصريحات الأمريكية وعلى لسان وزيرة الخارجية ليست تصريحات جوفاء أو طمأنة للأطراف المعنية, ولكنها تصريحات بنيت أساساً على الموافقة التي بدرت من سوريا أولا واسرائيل ثانيا, فسوريا ظلت متمسكة بموقفها الثابت بأن مباشرة المفاوضات يجب ان تتم من النقطة التي توقفت عندها في فبراير 1996, وظلت الدبلوماسية السورية تصر على ضرورة ان تعلن اسرائيل نيتها باعادة مرتفعات الجولان السورية كاملة قبل استئناف المحادثات. أما اسرائيل فترفض ذلك الشرط, ولكن التصريحات التي صدرت مؤخرا عن الجانبين لم تشر إلى هذا الأمر بيد ان هناك اجماعا في اسرائيل على ان الحكومة الاسرائيلية قد وافقت سرا على اعادة معظم هضبة الجولان, ان لم يكن إعادتها كلها, فضلاً عن توافر النية الصادقة لدى الرئيس السوري لابرام اتفاق. إذن كيف نجحت الدبلوماسية الأمريكية في التقريب من وجهات نظر الطرفين وحملهما لاستئناف المحادثات؟ أولا: إذا نظرنا إلى الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومة الاسرائيلية والمتمثلة بضرورة الانسحاب من جنوب لبنان, بعد ان تكبدت خسائر جسيمة مؤخرا, فإسرائيل على اقتناع تام بأن سوريا تمتلك مفتاح السلام بجنوب لبنان, وفي امكان سوريا استخدام نفوذها لضمان عدم انطلاق هجمات ضد القوات الاسرائيلية من الجنوب اللبناني وألا تهاجم القوات الاسرائيلية أهدافاً مدنية في لبنان. كما ترغب الحكومة الاسرائيلية في ان يؤدي استئناف المفاوضات على المسار السوري إلى تحريك المسار اللبناني الذي يعاني الجمود, وترى اسرائيل ان أهم سبب في اقناع الرئيس الأسد باستئناف المفاوضات يتعلق بقرار الحكومة الاسرائيلية بالانسحاب من الجنوب اللبناني بحلول يوليو المقبل. ثانيا: هناك شبه اجماع في اسرائيل يشير إلى ان الحكومة الاسرائيلية قد قررت الانسحاب من معظم مساحات مرتفعات الجولان السورية حيث صوت الكنيست الاسرائيلي لصالح هذا الانسحاب بواقع 47 إلى 31 صوتا عندما صادق على استئناف المحادثات السورية الاسرائيلية ودعمه لرئيس الوزراء في تلك المحادثات. وقد جاءت موافقة اسرائيل للتخلي عن هضبة الجولان بعد ان ادركت تماما بأن هضبة الجولان فقدت أهميتها الاستراتيجية, ولم تكن فكرة التخلي عن الهضبة انتحارا اسرائيليا ولكن لادراكها ولحصولها على ضمانات أمنية من قبل أمريكا, لإدراكها بأن أساليب الحرب الحديثة قد تغيرت كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية, وأصبحت الأقمار الصناعية والمراقبات الألكترونية والتقدم التكنولوجي الاسرائيلي يمنح اسرائيل المعلومات والصور الدقيقة لأي تحركات عسكرية سورية كما ان وجود قوات لحفظ السلام سواء كانت أمريكية أو متعددة الجنسيات توفر الاطمئنان للجيش الاسرائيلي. ثالثا: إذا عدنا إلى الطرف السوري فأيضا هناك دوافع وأسباب عديدة وراء قبول وموافقة الرئيس حافظ الأسد للعودة إلى المحادثات واستعداده للتوقيع على اتفاقية سلام, نورد من تلك الأسباب: أ ـ لاستقرار النظام السوري: يعمل الرئيس الأسد جاهدا لتحقيق السلام وهو يدرك تماما بأن مفاوضات السلام مع اسرائيل تتطلب جهدا كبيرا وشاقا لا يقدر عليه سوى رئيس يتمتع بثقل اقليمي ودولي ويحظى بزعامة يقر بها الجميع, ومن ثم فإن هذا التوقيت هو الأنسب لسوريا خاصة وان تأجيل المفاوضات إلى مرحلة لاحقة قد لا يحقق المكاسب التي تحاول سوريا تحقيقها من المفاوضات الحالية. ب ـ توقع حدوث انفراجة اقتصادية بعد الوصول إلى السلام وذكر من خلال توجيه الأقوال المخصصة لشراء الأسلحة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية. إذن فسوريا واسرائيل لم تستأنفا مفاوضات السلام ما لم تكن لديهما ثوابت وقواعد للاتفاق, وهذا مصدر التفاؤل الذي اعترى وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت وتصريحاتها التي تأمل فيها ان يحل السلام في منطقة الشرق الأوسط عام 2000م. أليس شومان المركز الثقافي الاسرائيلي ترجمة: راشد عبدالباقي علي