الزعيم السوري الملقب بـ (أسد دمشق) برع تماما في المناورة, واضحى وهو عسكري النشأة خبيرا في الواقعية السياسية, كما يقول الكاتب البريطاني باتريك سيل واضع سيرة الاسد الذاتية.قبض على جوهر سياسته الخاص بالتوصل إلى توازن قوة استراتيجي مع اسرائيل وصمد في وجه الاتهامات الغربية حول مزاعم دعم الارهاب عبر تمتين الجبهة الداخلية, وتمكين سوريا من مواكبة التغيرات الاقليمية والدولية, والاصرار على ثوابت قومية مضادة للتفريط بالارض والحقوق المغتصبة. كانت البراجماتية احدى تكتيكاته الفذة في اظهار صورة التسامح والديمقراطية الخصوصية في المجتمع السوري, ولذا منح اليهود السوريين في العام 1991 حق السفر الذي لم يشوش قناعاته بضرورة مواجهة الكيان الاسرائيلي بصلابة, وادوات لا تغفل العامل الدولي وتتحسب جيدا لهيمنة الصهاينة على الآلة الاعلامية الغربية. 28 عاما من الحكم غيرت تركيبة سوريا, فانجازه الاول والابرز كان اجتثاث عرف الانقلابات في الحكم ومعه القضاء على آفة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. انضم الشاب الطموح مستندا لقدرات خاصة, لحزب البعث في سوريا العام ,1946 وبعدها بتسع سنوات تخرج من الكلية الحربية في حمص, ليوفد إلى مصر في اطار دولة الوحدة المصرية السورية ابان عهد جمال عبدالناصر. شكل الاسد المولود في القرداحة العام ,1930 لأسرة تنتمي للطائفة العلوية (اللجنة البعثية العسكرية) , التي حملت العبء الرئيسي في ايصال البعث للحكم في انقلاب مارس ,1963 هذا العام الذي شهد عودته إلى الجيش وتوليه قيادة سلاح الجو لاحقا بعد ان كان ابعد عنه في العام 1961. تولى وزارة الدفاع في العام 1966 بعد الاطاحة بنظام امين الحافظ. هضم المستجدات السياسية التي اعقبت نكسة يونيو 67 وخرج من بين ركامات الاحزان بحركته التصحيحية في نوفمبر 1970 والتي كرست سوريا قوة اقليمية هددت بجدية مع مصر في حرب اكتوبر 73 وجود اسرائيل. انتخب رئيسا للبلاد بالاقتراع المباشر في مارس 1971 ليظل زعيم سوريا القومي الشهير ببلاغته الخطابية الارتجالية, واناقته غير الباذخة حيث لا تستهويه المظهرية بقدر اظهار ملامح الكاريزما القيادية. ظل لغزا يصعب على الغرب فك رموزه في زمن الحرب الباردة حين اتقن فن الممكن السياسي, وانتزاع ما يعينه على التوازن الاستراتيجي من مخازن الاسلحة السوفييتية, من دون الانزلاق في فخ التحالف التبعي. محطة بارزة في تاريخه حيرت الغرب, تلك كانت مساندته المتحفظة لايران في حربها الطويلة مع العراق, لكن الحيرة هذه سرعان ما تحولت لدهشة حين شاركت القوات السورية بشكل مفاجىء في التحالف ضد بغداد في حرب تحرير الكويت, لقد التقط الاسد ببعد نظر باد ملامح الترتيبات الدولية والاقليمية المقبلة على الشرق الاوسط. ومن هنا كان لابد اصلا من حماية خاصرة سوريا, لبنان ونبذ التيارات العنصرية الشوفينية الساعية بشكل محموم للحضن الاسرائيلي, فساعد بعد مؤتمر الطائف على اعادة اللحمة وهيبة الدولة لهذا القطر. المفاجأة الاخرى كانت مشاركته غير المتوقعة وهو قليل السفر في جنازة الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال, ليكون اول زعيم يلقي عليه نظرة الوداع, هذه المشاركة التي اسست لعلاقة جديدة مع الاردن في ظل وئام عربي واقليمي, بدأت نسائمه تهب على المنطقة عبر انطلاق مسارات السلام كافة. بعد عشرين سنة على زيارة ريتشارد نيكسون أتى بيل كلينتون إلى دمشق معترفا باستحالة التغلب على قوة الاسد الاقليمية واهميتها في المرحلة المقبلة وما تحمله من ترتيبات وخرائط جيوسياسية جديدة. وكعادته في استشراف الآفاق, دفع بنجله بشار إلى الواجهة كقوة شبابية تحمل آمال التغيير الاصلاحي الداخلي المؤهل لمواجهة العولمة. اسد دمشق الذي اربك جيمس بيكر بمقدرته على ادارة الحديث الماراثوني وجره نحو الوجهة التي يريد, يخوض الان اخر معارك القرن على جبهة السلام مع اسرائيل متسلحا ببراعة استثمار الوقت, وحنكة المفاجأة المدروسة, التي بقيت استراتيجية قاهرة للازمات.