ظلت طهران فترة طويلة عاصمة مباحة لكل اجهزة المخابرات العربية التي اعطاها شاه ايران الراحل محمد رضا بهلوي ضوءا اخضر للتجسس على كل دول المنطقة ودول الاتحاد السوفييتي البائد في تكريس لوضعيته كشرطي اقليمي للولايات المتحدة في الشرق الاوسط.. تحت هذا العطف الشاهنشاهي تحولت المخابرات الى دولة داخل الدولة في ايران ذات اذرع طويلة تطول جميع الاتجاهات وتحرك الاحداث هنا وهناك. ولأهمية طهران كقاعدة متقدمة اولاها الآن دالاس مدير المخابرات المركزية الامريكية الشهير المعروف بصداقاته مع مؤسسات البترول جل اهتمامه, حيث وجه اليها افضل رجاله وزودهم بأحدث الاجهزة واكثرها تطورا وكان يشرف على ادارة وتوجيه هؤلاء العملاء بنفسه. وظهرت فائدة المخابرات الامريكية للشاه عند الانقلاب الاول عليه عام 1953 الذي هرب على اثره الى الخارج بعد ثورة مصدق ضد شركات البترول الدولية العملاقة وتأميمه لنشاط تلك الشركات. و قتها كان نورمان شوارزكوف ـ الذي قاد قوات الحلفاء لاحقا في حرب الخليج الثانية ـ مديرا لمكتب المخابرات الامريكية في طهران واستطاع اعادة بهلوي الى حكم ايران مرة اخرى بانقلاب مضاد. بل وساعد في وضع برنامج شامل لاعادة تنظيم جهاز المخابرات الايراني الذي سمى بعد ذلك بالسافاك, وقام الضباط السافاك بالتجسس على اعداء الشاه وراحوا يجمعون المعلومات من الدول المجاورة لحساب واشنطن وطهران بالتساوي. ولأن تل ابيب حليفة واشنطن فقد انسحب هذا التحالف الى علاقات اسرائيل وايران وسمح بتعاون وثيق بين جهازي المخابرات بين البلدين وأوجد الموساد على الاراضي الايرانية, حيث استطاع عبر ايران التجسس على الدول العربية المتاخمة مثل سوريا والعراق وغير المتاخمة مثل مصر والخليج ولبنان واليمن. ولم يقتصر النشاط المخابراتي في طهران على مثلث امريكا اسرائيل ايران فقط بل امتد ليشمل معظم الدول الغربية كألمانيا الاتحادية سابقا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا التي كان بسفارة كل منها ضابط اتصال يمكنه الاتصال مباشرة بجهاز المخابرات الايراني السافاك للحصول على حصته من المعلومات. لكن رغم كثرة العملاء في طهران والتي قدرها البعض بـ 40 الف جاسوس من مختلف الاجهزة بما فيهم السافاك نفسه فشل الجميع في التنبؤ باطاحة الشاه لاحقا وقيام ثورة الامام الراحل اية الله الخوميني عام 1979 وبرز ريتشارد هيلمز الذي كان مديرا لفرع السي اي ايه في طهران قبل ان يصبح سفيرا هناك فشل المخابرات الامريكية في التنبؤ بالثورة بقوله ان نشاط السي. اي ايه تقلص حيث لم يكن هناك العدد الكافي من العملاء الذين يتحدثون الفارسية. وللمفارقة فان هيلمز كان صاحب اقتراح القانون الشهير بعد ذلك في انزال العقوبات ضد الشركات الدولية العاملة في ايران بعد القطيعة بينها وبين الولايات المتحدة. هناك مفارقة اخرى هي انه عند احتلال الطلبة الايرانيين لسفارة الولايات المتحدة بعد الثورة اكتشفوا ان المخابرات الامريكية كانت تتجسس على طهران نفسها وعثروا على قائمة بأسماء عملاء ايرانيين كانوا يساعدونها في الحصول على معلومات عن صنوف الاسلحة غير الامريكية التي يستخدمها الجيش الايراني. وقد تسبب هذا الكشف في موت عدد كبير من هؤلاء العملاء الذين توزعوا على المدارس والجامعات والفنادق والشركات والدوائر الرسمية وسيارات الاجرة وغيرها. اما في مقر السافاك وبعد ثورة الخوميني فقد عثر على قوائم عملاء سريين من العالم العربي ينتمون لمختلف اجهزة المخابرات. ووجد في مقر السافاك تقرير سري جدا عن حالة الجيش العراقي قبل سقوط الشاه بثلاثة اشهر. كما وجد شريط كاسيت مسجل عليه مناقشة دارت في خيمة بالصحراء بين الرئيس الليبي معمر القذافي والدكتور جورج حبش عن خطط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ثبت كذلك ان اجهزة المخابرات الغربية كانت تتعقب اكراد العراق انطلاقا من الاراضي الايرانية خصوصا اتباع مصطفى برزاني بعد المصالحة بين بغداد وطهران عام 1975 برعاية الحكومة الجزائرية وان السافاك بالتعاون مع هذه الاجهزة خطط لاشعال نيران الفتنة في مناطق الاكراد العراقيين. وعلى مستوى النشاط التقني وجدت كمية هائلة من اجهزة الكترونية متنوعة في مقر السفارة الامريكية بعد سقوط الشاه وفي مقر السافاك حيث عثر على اجهزة الكترونية متنوعة ومسدسات كاتمة الصوت ومسدسات اطلاق غاز وآلات تعذيب رهيبة, وافلام لعمليات تعذيب منها فيلم لفتاة من معارضي الشاه تم تجريدها بقسوة من ملابسها واحد الضباط يحاول انتزاع الاعترافات منها بحرق اثدائها بسيجارته المشتعلة والتي كان يجذب انفاسا منها كلما انطفأت أو خف وهجها, كل هذا والفتاة تصرخ بصوت يهتز له المكان وتنهار وتبدأ في الاعتراف.. هذا الفيلم كان يتفاخر به السافاك ويوزعه على باقي أجهزة المخابرات الصديقة في دول العالم الثالث لتتعلم دروس فن استجواب النساء. مدينة طهران نورمان شوارزكوف