في هذا الحوار يتناول الدكتور جورج حبش الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جانبا من الوضع الذي يجتازه الوطن السليب مؤكدا على مجموعة حقائق ثابتة في الموقف الفلسطيني وداعيا في الوقت نفسه الى نقل ملف القضية الفلسطينية الى هيئة الامم المتحدة والعودة الى برنامج الاجماع الوطني القائم على أساس الميثاق الوطني والبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية, كما يقدم حبش رؤيته المستقبلية التي يرى فيها جنوب افريقيا نموذجا صالحا للتحقق في دولة فلسطين ديمقراطية يعيش تحت ظلها العرب واليهود بأمن وأمان. في البداية كان لابد من استقراء رأي جورج حبش وتقييمه للوضع الحالي على الساحة الفلسطينية خاصة بعد اجتماع الفصائل الفلسطينية مؤخرا في العاصمة الاردنية عمان. يقول حبش: ان المرحلة التي نعيشها كشعب فلسطيني وأمة عربية هي من أكثر المراحل خطورة وتعقيدا بالمعنى الفكري والسياسي والعملي, ففي كل يوم نواجه اسئلة من شتى الاتجاهات تعبر عن مزاج شعبي عميق يبحث عن اجابات لمواجهة التطورات والتحديات الكبرى التي نواجهها. واضاف: لا شك ان الوضع الحالي الذي تعيشه الساحة الفلسطينية دقيق وخطير حيث تجري محاولات جادة جدا لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الحل الاسرائيلي ـ الامريكي للهيمنة على الوطن العربي وضمان المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة واسرائيل, ويؤسفني القول ان هذا الحل (الاسرائيلي ـ الامريكي) لقضايا الصراع العربي الصهيوني وجد من (يتساوق) ويتجاوب معه في الساحة الفلسطينية, واقصد بذلك القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ممثلة بالجناح المهيمن على المنظمة, الذي أقدم على توقيع اتفاقات (اوسلو) بكل ما حملته من مخاطر على النضال الوطني الفلسطيني بشكل خاص والنضال العربي بشكل عام. واشار الى ان المشهد السياسي الفلسطيني بعد ست سنوات على توقيع اتفاقات (اوسلو) بما ولدته من تهديد حقيقي للوحدة السياسية للشعب الفلسطيني الموزع في تجمعات مختلفة سواء في المناطق المحتلة عام ,1948 او في الضفة والقطاع او في مناطق الشتات, هذا الشعب بات مهددا بكل انواع التفتيت على ضوء علامة السؤال الكبرى المحيطة بمستقبل منظمة التحرير الفلسطينية كممثل واطار جامع ومرجعية للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده. لا شك ان الوضع الفلسطيني يعاني مأزقا عميقا وشاملا, ويعيش الفلسطينيون حالة من القلق الشديد والحيرة حول واقعهم. ومستقبل قضيتهم ومصيرهم, وهذا الوضع الفلسطيني المأزوم يشمل الجميع, سلطة ومعارضة, مع الفارق الجوهري بطبيعة الحال بين أزمة السلطة التي تقدم تنازلات متواصلة للعدو وازمة المعارضة التي عجزت حتى الآن عن شق مجرى جديد وفاعل على الارض وفي الواقع السياسي لتشكيل بديل ملموس يضع حدا لحالة الانحدار والتنازلات التي تقدم عليها السلطة الفلسطينية. وضع وتجاوزات ويضيف الامين العام للجبهة الشعبية قائلا: وبالنسبة للوضع الفلسطيني بعد اجتماع عمان الاخير بين وفد من الجبهة الشعبية وحركة فتح, فانني اقول ان المهم والاساس هو الوصول الى نتائج ملموسة تحمي القضية والوطن, وهذا يتطلب اجراء مراجعة سياسية وتنظيمية شاملة لمسيرة العمل الفلسطيني خلال المرحلة الماضية وخاصة مرحلة ما بعد (اوسلو) لاستخلاص الدروس واعادة النظر الجذرية بمجمل الحظ السياسي المهادن والمتساوق مع الحلول الأمريكية الاسرائيلية التي تهدف الى تصفية قضية فلسطين. ان تجربتنا مع القيادة الرسمية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية مؤلمة ومريرة, حيث لم يكن هناك الالتزام بما يتم التوصل اليه من برامج عمل مشتركة, ولذلك تم خرق وتجاوز قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية, وتم استبدال البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية, برنامج حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس, ببرنامج (اوسلو) الذي ادى الى نتائج كارثية على مجمل الوضع الفلسطيني. واليوم فانني ارى ان الوضع الفلسطيني لن يستعيد عافيته وتماسكه ووحدته مالم يتم مغادرة نهج (اوسلو) وطريق الحل الامريكي الاسرائيلي, والعودة الى برنامج الاجماع الوطني القائم على اساس الميثاق الوطني والبرنامج السياسي لمنظمة التحرير ونهج المقاومة في هذه المرحلة, ونقل ملف القضية الفلسطينية الى هيئة الأمم المتحدة والاعتماد على قرارات المجتمع الدولي ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. ترتيب البيت الفلسطيني * ماهي رؤيتكم لما يجري على الساحة الفلسطينية في الداخل واعادة ترتيب البيت الفلسطيني مع مرحلة مفاوضات الوضع النهائي؟ ـ اعادة ترتيب البيت الفلسطيني بمفهومه الشامل لا يمكن ان تتم الا على أسس سياسية وتنظيمية واضحة ومحددة تضمن التمسك الحازم بالثوابت الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس, وتضمن وضع حد لسياسة التفرد والاستئثار بالقرار الفلسطيني, اي توفر قيادة جماعية للشعب الفلسطيني لمواجهة تحديات واسحقاقات المرحلة المقبلة. لا شك ان ترتيب البيت الفلسطيني ليس من الداخل فقط, بل في الداخل والخارج, لأن هناك اكثر من اربعة ملايين فلسطيني يعيشون في مخيمات اللجوء وفي الشتات, وهي مسألة على غاية من الأهمية والالحاح خاصة في الظروف الراهنة التي تواجهها القضية الفلسطينية, وفي ظل ما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي التي تتناول القضايا الاساسية والجوهرية المتعلقة بمستقبل الشعب الفلسطيني, أي موضوع حق العودة والقدس والمستوطنات والمياه والدولة المستقلة. ان ترتيب البيت الفلسطيني ضرورة موضوعية ووطنية ولكن على قاعدة الالتزام الصارم والتمسك الحازم بالحقوق الوطنية لشعب فلسطين وفي مقدمتها حق العودة لان قضية اللاجئين هي جوهر القضية الفلسطينية. لقد تعامل موقعو (اوسلو) مع قضية اللاجئين باستخفاف واستهتار كما لو ان قضية الشعب الفلسطيني تنحصر وتتمركز في الضفة والقطاع, في حين ان ملايين اللاجئين المشردين الذين يقطنون المخيمات والمهاجر مازالوا يحلمون ويصرون على العودة الى وطنهم ويرون ان حل القضية الفلسطينية لا يمكن ان يتم على حسابهم, ومرتبط بعودتهم الى ديارهم, كذلك واهم من يعتقد ان هنالك حلا نهائيا ودائما للقضية الفلسطينية. وعليه فان موضوع اللاجئين سيبقى موضوعا وطنيا مقدسا لا يجوز التفريط فيه او التنازل عنه تحت اية مبررات او اعتبارات, فالشعب الفلسطيني على مدى أكثر من خمسين عاما رفض وتصدى لكل محاولات التهجير والتوطين على كافة مشاربها ورفض سياسة التذويب والتبديد وطمس الهوية الوطنية, وبقي محافظا على هويته وتراثة وتاريخه الوطني والقومي مستمدا منه فعله وحركته الوطنية والثورية. وموضوع العودة هو البند الأول للشعار الناظم لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية باعتباره المفصل الاساسي للقضية الفلسطينية, واي قيادة فلسطينية سيلفظها التاريخ ان تجاوزت هذاالحق, لان ملايين الفلسطينيين في الشتات سيبقون يشكلون القوة الحية لاستمرار النضال حتى يتحقق هذا الهدف العادل والمشروع. كذلك الامر بالنسبة لمدينة القدس كعاصمة ابدية لفلسطين كما نص على ذلك الميثاق الوطني الفلسطيني ووثيقة الاستقلال, والعدو الصهيوني يدرك معنى العلاقة المقدسة الدينية والروحية والمعنوية والسياسية التي تربط سائر العرب, مسلمين ومسيحيين بهذه المدينة المقدسة, لذلك فقد عمل ويعمل جاهدا على تهويدها وتدمير وتشويه معالمها الروحية والتاريخية. * في ظل هذا الواقع وهذه التحديات كيف تتطلع الى موضوع الحل الشامل اذن؟! ـ ان حلا شاملا لقضية فلسطين لا يمكن ان يقوم الا على اساس استعادة القدس وضمان حق العودة وازالة المستوطنات بصورة كاملة واقامة الدولة الفلسطينية وذات السياسة الحقيقية على ارض فلسطين, وكل ذلك يشكل خطوطا حمراء لاسرائيل التي تريد حلا شكليا كاريكاتيريا تقدم من خلاله بعض الفتات للشعب الفلسطيني. واذا كانت اسرائيل تعلن خطوطها الحمراء بكل فجاجة ووقاحة فلماذا لا نعلن نحن اصحاب الحق خطوطنا الحمراء التي لا ينبغي السماح لأحد بتجاوزها واختراقها, وعند ذلك يمكن ضمان ترتيب البيت الفلسطيني في الداخل والخارج على اسس واضحة وراسخة تستنهض من خلالها طاقات شعبنا وامتنا العربية لانتزاع كامل حقوقنا الوطنية. مسيرة السلام والكفاح المسلح * هل تعتقدون ان السلام مع الدوة العبرية ممكن؟! ثم هل ولى زمن البندقية؟! ـ قبل الاجابة ينبغي ان نفرق هنا بين مصطلحي (السلام) و(التسوية) , فهذان الامران مختلفان ولا يشيران الى المعنى نفسه, وان كان الخطاب السياسي العربي يخلط بينهما, وفي هذا السياق اشير الى انني مازلت اصاب بالدهشة الاستغراب حيث اسمع من البعض تعبير (السلام العادل والشامل) بالله كيف يمكن الوصول لسلام عادل مع الكيان الصهيوني؟ وماهي المعايير التي ستضبط هذه العدالة؟.. ماذا عن مئات الالاف من الفلسطينيين الذين شرودا من ارضهم بالقوة واصبحوا فجأة بدون وطن ومن دون املاك ومن دون بيوت؟! ماذا عن ضحايا المجازر الصهيونية؟! والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل السلام العادل سيعيد كل هذه الامور الى نصابها؟ هل سيعيد وطنا مسلوبا لاصحابه؟ هل سيعيد لشعبنا حقوقه التي نهبت منه في غفلة من الضمير العالمي؟!.. لا.. لا اعتقد ان سلاما عادلا ممكن في الظروف الراهنة. اما عن الصفة الاخرى للسلام, اي شموليته, فلا اعتقد ايضا انها ممكنة لسبب آخر يتعلق بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه, وهنا يجب ان نستعيد حقيقة قديمة رددناها كثيرا, لكن يبدو ان هناك من يفضل تناسيها. واقصد الحقيقة القائلة بأن الكيان الصهيوني هو محفز امامي او رأس حربة للمصالح الامبريالية في المنطقة. ان هذا التبني المطلق للسياسات الاسرائيلية يطرح فكرة اسرائيل كشريك للامبريالية نجدها بقوة في مشاريع الشرق اوسطية التي عبر عنها افضل تعبير رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق شيمون بيريز, حيث يطرح للكيان دورا رائدا على الصعيد الاقتصادي في المنطقة, هذا يعني لنا بالدرجة الاساسية ان مطامع اسرائيل لم تضعف, ربما لم يعودوا كما السابق يفكرون في الاستيلاء على المزيد من الاراضي العربية, وكفوا عن طرح شعارات منفرة مثل (من الفرات الى النيل) , لكن مشاريعهم الاقتصادية تؤكد انهم يعملون بجد على جعل المنطقة العربية برمتها سوقا لبضائعهم وساحة لتجريب خبراتهم, وبكلام آخر باحة خلفية لكيانهم, وانا متأكد ان هذا لو حصل فانه سيتصادم مع مصالح الكثير من الفئات الاجتماعية العربية التي ستجد نفسها مضطرة للدفاع عن وجودها, وبالتالي ستنخرط في صراع من نوع جديد مع الكيان الصهيوني وشركاته التي ستحل محل الدبابات والطائرات, ومع زيادة عدد المتضررين سيتسع الاشتباك ليكتسب صفات جديدة. ومن جهة اخرى يجب ان نلاحظ ان السلام كما نفهمه يكون عادة بين شعوب, فهل كسرت كل الحواجز بين العرب والصهاينة ليقوم سلام على مستوى شعبي بين الطرفين؟! من المؤكد ان الاجابة هنا ستكون بالنفي, وهذا ما نجده من رفض شديد للتطبيع في كل الدول العربية حتى تلك التي وقعت حكوماتها على اتفاقات مع الدولة العبرية. كل هذا يدفعني للقول ان السلام الآن ليس ممكنا, وخصوصا ان الدولة العبرية على ما هي عليه من عنصرية وعدوانية تجاه العرب, اما بالنسبة للتسوية فبصراحة اقول ان المشروع المعادي قد ينجح في الظروف الحالية في فرض تسوية ما على العرب وعلى قسم من الفلسطينيين, لكن من المؤكد ان هذه التسوية للصراع لا تعني سلاما, ولا تعني نهاية الصراع, والسؤال الذي سيبرز وقتها هو الى متى يمكن ان تدوم هذه التسوية؟! * الى متى برأيك؟ ـ طبعا الاجابة على هذا السؤال ستكون مرهونة بعوامل عديدة ومتنوعة تتعلق بالتغييرات التي يمكن ان تحصل على الصعيد الوطني او الاقليمي او القومي او الدولي. اما بخصوص الشق الثاني من السؤال السابق: هل ولى زمن البندقية؟! اقول ان طرح الامور بهذه الطريقة قد يوقعنا في بعض الاخطاء الفادحة, فالبندقية او بالاحرى الكفاح المسلح هو شكل من اشكال النضال العديدة التي يمكن (بل يجب) ممارستها في سبيل استعادة حقوقنا. قد تفرض مرحلة ما طغيان شكل ما من هذه الاشكال على الاخرى, لكنها لا تلغيها بأي حال, فالكفاح المسلح عندما مارسناه لم يلغ النضال الجماهيري والتظاهر السلمي الذي مارسه شعبنا في الوطن المحتل, او النشاط الدبلوماسي الذي خضناه لتوضيح قضيتنا للرأي العام الدولي وكذلك لم يضعف عملنا الاعلامي والدعائي في صفوف امتنا وشعبنا, رغم تراجع الكفاح المسلح في الظرف الراهن. وهنا اقول يجب الاحتفاظ بكل الخيارات امام شعبنا وأمتنا ولا يجوز ابدا الحديث عن اسقاط شعار الكفاح المسلح وخصوصا ان الكثيرين في اوساط شعبنا وليس فقط الجبهة الشعبية, مقتنعون ان شعبنا سيخوض معارك مريرة وقاسية, وبالتأكيد طويلة قبل ان يحصل على حقوقه او حتى بعضها, وهنا اقصد تحديدا النقاط التي وردت في البرنامج المرحلي القائل باقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وضمان حق شعبنا في العودة وتقرير المصير. دولة فلسطين الديمقراطية * كيف تتطلعون الى مسألة الدولة المنشودة وعاصمتها القدس؟! ـ في رؤيتنا كجبهة شعبية نفرق بين امرين في السياسة, هما الثابت والمتغير.. الثابت هو الاهداف التي يناضل شعبنا لتحقيقها, اما المتغير فهو الوسائل والاساليب التي توصل لهذه الغايات, وهذا بصراحة ما يميزنا عن غيرنا في الساحة الفلسطينية, حيث نري البعض يغلب المتغير على الثابت بحجة ان السياسة هي فن الممكن, فتجده يفقد البوصلة الاساسية, اما اخرون فيقعون في خطيئة تقديس الثابت وعدم القبول بالتكتيكات التي قد توصل اليه, فيرفضون القبول بالمتغير بحجة عدم المساس بالثابت, وهذا ما يوقعهم فيما نسميه الجمود البعيد عن أي تطبيقات جدية أو فعلية. من المؤكد ان كثيرين يعتقدون ان اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس هي الخاتمة المظفرة لنضالنا, نحن في الجبهة الشعبية لا نرى الامور كذلك, نحن نعتبر ان المجالس الوطنية التي اقرت برنامج العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس, اقرته كبرنامج مرحلي يجب ان يقود لمرحلة تالية من النضال تقربنا من تحقيق هدفنا الاستراتيجي او النهائي. نحن ضد شعار رمي اليهود في البحر او ذبحهم او حتى طردهم حين تميل موازين القوى لمصلحتنا وتبدأ أمتنا بتحقيق الانتصارات. نعم لسنا مع طرد اليهود من فلسطين, لكن عليهم ان يقروا ان هذا البلد هو الوطن التاريخي للفلسطينيين, وعلى الدولة الفلسطينية آنذاك ان تظهر تسامحا حقيقيا مع اليهود الذين سيقبلون العيش بسلام الى جانب الفلسطينيين. وهنا اعتقد ان نموذج جنوب افريقيا صالح تماما للتحقق في فلسطين مستقبلا. لكن رؤيتنا المستقبلية هذه لا تعني اننا لا نناضل من اجل انحسار الاحتلال من اي شبر من ارض الوطن او من اجل اي خطوة تقربنا من هدفنا النهائي. اللاجئون و(بالون) التوطين * ما هو موقفكم من قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يتواجدون فيها؟! ـ نحن كجبهة شعبية نرفض بالمطلق توطين الفلسطينيين ونصر على عودتهم لبلدهم الاصلي فلسطين, أقول هذا وأنا اعرف ان هناك مشاريع عديدة قد بدأت تطرح علنا في هذا الاتجاه بعد ان كانت سابقا تناقش فقط في الكواليس.. وموقفنا هذا ينطلق من حقيقة ان موضوع اللاجئين كان ومازال من اكثر عناصر قضيتنا ابرازا للألم الفلسطيني والكارثة التي حلت بشعبنا. والحل الوحيد لهذا الجرح النازف منذ النكبة لا يكون الا بعودة هؤلاء الى وطنهم, وهذا ما نصت عليه العديد من قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها القرار 194. وهكذا فان قضية اللاجئين تجاوزت منذ يومها الاول الجانب الانساني المحض لتكتسب اهمية سياسية كبيرة, اذن من هذه الزاوية فان توطين اللاجئين في غير وطنهم سيعني عمليا التخلي للعدو عن حق مشروع ضمنته الشرعية الدولية, حق يجب ان نناضل في سبيل تحصيله بكل السبل وعلى كافة المستويات والساحات لخلق رأي عام دولي قوي يضغط لدعم شعبنا. من جهة اخرى اكاد اجزم انك ربما لن تجد فلسطينيا واحدا يمكن ان يقبل باستبدال فلسطين بأي وطن آخر, قد يقبل مثلا جنسية دولة اخرى او جواز سفرها, لكن الوطن شيء اكبر من ذلك بكثير, الوطن يسري في عروق المرء, ويتغلغل في روحه مع الحليب الذي ترضعه اياه ومع اغاني الطفولة.. وبالمناسبة حضرت قبل ايام احتفالا في مخيم اليرموك اقامه اهل احد رفاقنا الذين تحرروا مؤخرا من الاسر في المعتقلات الصهيونية, سمعت اطفالا وشبابا لم يروا فلسطين ابدا, لكنهم يغنون لها بحنين لا يوصف.. يغنون لقراهم التي غادرها اجدادهم قسرا, ويقسمون على العودة لها وعلى تعليم اطفالهم حبها, وبالمناسبة هذه الاغاني لا نسمعها فقط في المناسبات الوطنية, بل في كل الاعراس والافراح الفلسطينية.. هل يقنعني احد ان هؤلاء سيشعرون بالسلام او سيقبلون بتسوية لا تضمن لهم حق العودة لقراهم ومدنهم, وحق العودة عدا عن كونه حق سياسي فهو شخصي ايضا, وهذا يعني ان أي تسوية يوقعها طرف فلسطيني لا تنص صراحة على عودة كل اللاجئين لبيوتهم ستكون باطلة, فالقانون الدولي في مثل هذه الحالة يمنح الذين لم يحصلوا على حق بالعودة امكانية رفض هذه التسوية والنضال ضد الوضع الجديد, اذا لم يزيل الضرر الشخصي الذي لحق به ولو قبل اجيال. مواجهة تهويد القدس * كيف يمكن وضع اسس لمواجهة تهويد القدس؟ وهل ترون ان الجهد العربي والاسلامي كافيا لمواجهة مخططات التهويد؟! ـ لا شك اولا ان قضية القدس على درجة كبيرة من الأهمية والاستثنائية في كفاح الشعب الفلسطيني والأمة العربية والمسلمين والمسيحيين, وموضوع القدس يشكل نقطة مركزية في كل برامج وافكار واحلام شعبنا وقواه السياسية, ولا أتصور ابدا اي حل للقضية الفلسطينية بدون استعادة القدس باعتبارها عاصمة ابدية للشعب الفلسطيني. ان موضوع مواجهة تهويد القدس ينبغي ان تحيل أولوية اساسية خاصة في الوقت الذي نعيش فيه كارثة على كل المستويات ادت اليها اتفاقات (اوسلو) المهنية لأن مواجهة التهويد تتطلب اولا الكف عن سياسة التنازلات واستعادة القدس من الهامش الذي قذفت اليه لتكون خطا أحمر غير قابل للتجاوز, والعامل الاساسي لمواجهة التهويد ولجم وحش الاستيطان هو شعبنا, والاساس الأول الذي تستند اليه قضية القدس هو خط سياسي وطني سليم قائم على الشرعية الفلسطينية والعربية والاسلامية, فسياسة فاسدة متهاونة في الحق وقيادة بائسة ومفاوضون متخبطون, كل هذه العناصر لا يمكن ان تحمي القدس او ان تسترجع حقا. العنصر الثاني هو الدعم الكامل والثابت لفلسطينيي القدس, وهنا اعني الدعم المادي الذي يمكنهم من مقاومة الضغوط الكبرى التي يفرضها الاحتلال, وبما يدعم صمودهم وتمسكهم بمدينتهم, الى ذلك ايضا ابقاء القدس على رأس جدول أعمال المنظمات العربية وخاصة لجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الاسلامي وايقاظها من سباتها, وكذلك الجامعة العربية, ليبقى موضوع القدس نقطة دائمة على جدول الاعمال, وهذا كله لا يلغي استمرار المقاومة بكل اشكالها دفاعا عن القدس و لاجبار المحتلين على مراجعة سياساتهم تجاهها. دمشق ـ خالد البشير