الصين بلاد شاسعة المساحة ذات شعب هائل يمتلك طموحات وفرص كبيرة اضافة لمواهبه, يكبح جماحه نظام لينيني افل, يعيش على ما يستطيع اضافته من هامش اضافي على زمن ولى.يبلغ سكان الصين مليار وخُمس المليار من البشر. وتشكل لامريكا اهمية اقتصادية كبيرة اذ تعد سوقا استهلاكية . ويحسبها الامريكيون على الوجه التالي: (لو ان كل صيني اشترى سروال جينز او مضغ علكة من اللبان الامريكي لوجدت كل امراض الاقتصاد الامريكي المزمنة طريقها للشفاء الناجع) . وواقع العجز الامريكي في ميزانيته التي تجاوز عجزها 290 مليار دولار لا يجعلها تتجاهل الصين بسوقها الهائلة وتجارتها الخارجية التي يبلغ حجمها 200 مليار دولار في العام. اذن تكمن اهمية الصين بالنسبة لامريكا كونها تقلب ميزان العجز التجاري الامريكي رأسا على عقب وتوفر 19 ضعفا مما يمكن ان تحصل عليه امريكا من كل دول العالم. ورغم هذا, فان لامريكا مشاكل جمة مع الصين, جعلت ميزان علاقتها معها يتذبذب بين الشد والتراخي. وسيطرت على العقل الامريكي فكرة سيادة الصين على القرن المقبل, ورأت وجهات نظر السياسيين الامريكيين ان القرن المقبل سيكون صينيا خالصا, وذلك ما دفع امريكا إلى الهرولة باتجاه الصين, في محاولة لاستباق ماراثون الغرب والشرق تجاه قوة متنامية قد تشكل قوة عالمية بعد حين. وبين الغرب الاوروبي والولايات المتحدة سجالات ومحاولات للقفز فوق المواقع السياسية لتصل الى قلب بكين.. وبكين دبلوماسية حريرية الملمس جارحة الحد تفرد بساطها الاحمر بهدوء الحذر تحت اقدام المهرولين. كيف يراها الاوروبيون والامريكيون؟ وصف وزير المالية البريطاني الاسبق بانها: (ليست تهديدا استراتيجيا وقوة اقتصادية عظمى وبالتأكيد ليست جزيرة استقرار.. فالبيروقراطية السياسية الصينية تعرف تماما الى اي حد وصل تزعزع البلاد.. وهي كذلك لا تشكل فرصا اقتصادية واسعة للاستثمارات الغربية, فدعونا نتعامل معها اعتمادا على ما هي عليه حقا وليس على ما نتخيله نحن او نخشى ان تكونه...) . اما الامريكيون فنظروا اليها بواقعية اكبر رغم انها واجهت هجوما حادا. فكانت عبارات (يجب ان نكون لطفاء مع الشيوعية الصينية للحصول على تطورات جيدة لمسألة حقوق الانسان) مثار جدل كبير ورأي سياسيو امريكا انه ينبغي الحصول على مشاركة صينية اكبر في تحمل المسئولية عن القضايا الامنية والاستراتيجية وفرص استثمارية وتجارية اوسع لاعمالهم. اكتشف رجال الاعمال الامريكيين والاوروبيين مصاعب جمة وتضاءلت فرص تجارية كثيرة للعمل في الصين ويبدو ان كل المحاولات الاعلامية والاستراتيجية مثل قعقعة السلاح في تايوان والادعاءات بسرقة تقنيات عسكرية واللامبالاة التي يبديها الصينيون في مجلس الامن لم تفض الى نتيجة تذكر.. ففضلت امريكا المحافظة على علاقة دافئة مع الصين بينما بقيت اوروبا في مكمنها تنتظر ان تجيئها الصين مثلما حدث في اواخر اكتوبر لهذا العام. على ان السياسة الغربية والامريكية تجاه الصين كانت واحدة الملامح. فقد اتفق الاثنان على الابقاء على توجيه الانتقاد حول حقوق الانسان في الصين حتى تصادق على المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية. ويرى الغربيون ان عليهم ان يضعوا على الطاولة كل عام وخلال مؤتمر الامم المتحدة لحقوق الانسان في جنيف معاناة الديمقراطيين في الصين والعمل على تحرير مذكرة بهذا الخصوص من المؤتمر. ويرى الغربيون ان دخول الصين لمنظمة التجارة الدولية مطلب مهم لهم ولكن على ارضية تجارية.. دخول مشروط بكسر حالة الجمود الراهنة والتوقف عن اطلاق التهديدات الفارغة حول ربط القضايا التجارية بالسياسية. ومن ملامح مبررات السياسة الغربية تجاه الصين فائضها التجاري الكبير الذي يتمتع به الميزان الصيني مع الولايات المتحدة وهو يظهر بجلاء الحاجة الامريكية والغربية للصين. وعلى هذا الاساس يتوقع الغربيون ان تفتح الصين اقتصادها على خلفية التخفيف من الارتماء في الحصن الامريكي. وهم على ذلك حذرون بسياستهم تجاهها اذ يرون ان الزيارات الاستعراضية للقادة السياسيين والاقتصاديين للصين تنتج رسائل نوايا اكثر مما تنتج وظائف ومبيعات وينبغي وقفها. والصين وفق وجهات النظر الغربية والامريكية معا ليست عدوا, لكنها بالتأكيد ليست صديقا, ولذا فلن يسمح الغربيون بغض الطرف عن عملية نقل التكنولوجيا الشرعية وغير الشرعية لاهداف عسكرية. اما التجسس الصيني المزعوم فلم يكن ليوحي ابدا بطريقة تصرف شريك استراتيجي, انها حجة غربية ضد الصين, وهذا يؤكد وجهة النظر تلك.. ومن الملامح السياسية التي تحكم اتجاه الغرب نحو الصين قضيتا تايوان والدالاي لاما. فقضية تايوان اعتمدت حتى الان على مفهومين: الاول: ان الغرب لا يدعم استقلال تايوان. الثاني: انهم لا يسمحون بالاستيلاء عليها من قبل الصين عنوة. انزال الصين لصواريخها في مضيق تايوان يعده الغربيون محاولة لتغيير مفهومهم وذلك ما لا يسمحون به ويطالبون الصين بفهم انهم لا يسمحون لنظام شمولي بأن يتنمر على (ديمقراطية يمارسها 20 مليون نسمة لا يطيقون الصين).. وهم بالتالي يرون ان الوحدة السياسية تعتمد اولا على التغيير السياسي في الصين. اما قضية الدالاي لاما فما يحكم سياسة الغرب تجاه الصين اصدارهم على ضرورة ان تبدأ الصين حوارا مع الدالاي لاما حول مستقبل اكثر استقلالا ذاتيا للتبت داخل الصين. تلك هي وجهات نظر الغرب وشروطه للصين. انهم يرون ان التواصل الدافىء الثابت يجب ان يتماشى مع دبلوماسية الزيارات ذات المستوى الرفيع التي يدفعون لاجلها ثمنا سياسيا باهظا.. وهكذا حاولت امريكا جر الصين نحو المجموعة الدولية الشاملة وليس اغلاق الباب امامها.. لكن التواصل شيء والتملق الاحمق شيء آخر. امريكا.. المتسابق الأول رصدت امريكا تطورات الاوضاع داخل الاراضي الصينية وسجلت بدقة التصاعد المطرد في معدلات النمو الاقتصادي ودعم الحركة التصنيعية والتفوق في المجال العسكري, بالاضافة للمكاسب الدولية التي تحققها بكين خاصة بعد ان استعادت اعظم المدن التجارية العالمية (هونج كونج) من ايدي البريطانيين عام 1997 و(ماكاو) من البرتغاليين اواخر 1999, عدا عن سعيها لاستعادة تايوان. ولحظت امريكا الاحتدام الدولي الذي حظيت به الصين في دول العالم الثالث لذا كان عليها ان تفرد سيادتها التي لا تقبل المنافسة على الصين, واضعة في حساباتها (ترويض القوة الصينية المتصاعدة والتعاون معها لتصب قوتها في نهاية الامر في سلة المصالح الامريكية لا ان تصبح خصما لامريكا) . ومن هنا جاءت زيارة كلينتون للصين التي حددها هو بأهداف اربعة: اولا: فتح مجالات جديدة ودعم المصالح الامريكية خاصة ان مستقبل امريكا لن يكون مضمونا اذا كانت حالة من الشك وعدم الوضوح تخيم على مستقبل آسيا. ثانيا: تأثير اسواق الصين على كل من آسيا وامريكا, فبورصة وول ستريت ومين ستريت تهتز اذا اهتزت اسواق هونج كونج او طوكيو. ثالثا: الدور الذي ستلعبه الصين او ستختار الصين ان تلعبه في منع او تشجيع انتشار اسلحة الدمار الشامل وحماية البيئة او تلويثها او التخلص من الحواجز التجارية او بنائها, ومكافحة الجريمة او تجاهلها, واحترام او انتهاك حقوق الانسان, كل ذلك سيساعد في تشكيل القرن المقبل. رابعا: ان للصين حدوداً جغرافية مع ما يزيد على 12 دولة فقد اصبحت منطقة عبور للمخدرات وغسيل الاموال. وهكذا كانت فكرة الشراكة الاستراتيجية الامريكية ـ الصينية, لكن العلاقة المستجدة هذه والقائمة على خلفيات متشابكة بين واشنطن وبكين تهدد بالتالي كثيرين. انها تثير ذعر تايوان, وتثير مخاوف كوريا الجنوبية, وتثير قلق اليابان, وتستفز الهند الى حد دفع الأخيرة الى الكشف عما يوجد في ترسانتها من اسلحة نووية, وهذا بالتالي دفع باكستان ايضا من جانبها للكشف عن اسلحتها النووية.. انها بمثابة زلزال مكتوم تحت الارض يبدأ في الصين وتتداعى تأثيراته بالتتابع للهند.. بل ربما ابعد من ذلك. شرح الصور: * زيارة كلينتون للصين مهدت لشراكة استراتيجية * كلينتون وزيمين.. شراكة لابد منها * الاقتصاد الصيني.. أغرى الغرب فتسابق اليه