للصين علاقات متشابكة مع روسيا والدول الاسيوية, ومثلها أمريكا... وعلى واقع هذا التشابك, قامت علاقات الشراكة الاستراتيجية الصينية ـ الامريكية ـ الروسية الغريبة, وهي شراكة ألداء لا اصدقاء، فالصين تعد القوة الثانية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي , وهي ترى ان عليها ان تتجنب مواجهة ساخنة او باردة مع واشنطن اذا ارادت استكمال مراحل نموها العسكري والاقتصادي والسياسي وتعزز نفوذها الدولي. ووجهة نظر الصين هذه مبنية على اسباب عديدة منها: اولا: ان بكين لم تعد صاحبة القوة النووية الوحيدة في آسيا. فقد قفزت للنادي النووي قوتان اسيويتان هما الهند وباكستان اضافة لجمهوريات الاتحاد الروسي. وبالتالي فانها لم تنس تاريخ الصراع الطويل مع الهند, وهذا يجعلها تحسب بدقة حيث تخطو بنفوذها النووي والعسكري والبشري الى ابعد من حدودها. وتؤكد الصين ان واشنطن ليست بعيدة الصلة عن القنبلة النووية الهندية, وفي حال نشوب صراع عسكري او سياسي بين الهند والصين فان واشنطن ستكون في الخندق الهندي بكل تأكيد. ثانياً: الامر الاخر ان بكين ليست على وفاق مع كوريا الشمالية صاحبة المشروع النووي الناهض وهي تعلم ان النمور الاسيوية المتألقة اقتصاديا عند تخومها في جنوب شرقي القارة ترتبط بعلاقات وثيقة مع امريكا. ثالثا: هناك ايضا الصراع الذي ينتظر الصين في استعادة جزيرة تايوان وهو صراع يصعب حسمه دون موقف دولي مساند لمطالب الصين ومفتاح هذا الموقف بيد واشنطن. هذه التداخلات بين مصالح بكين وواشنطن تجعل كلا منهما بحاجة للاخر. وعلى هذا الاساس تنبني العلاقات الامريكية الصينية, فتتذبذب تارة وتعود لنشاطها فجأة تارة اخرى. المنعطفات والامن القومي ما هي المنعطفات التي تضر بالامن القومي لكل من البلدين والتي قد تفرز مواقف لا تعمر طويلا؟ وكانت هذه اسئلة طرحها الخبراء من كلا الجانبين لرسم سياسة لا تهوي بالطموحات الجسام. وكانت نتائج هذه الدراسات جملة منعطفات يترأسها سقوط الاتحاد السوفييتي وصمود الصين كقوة سياسية وعسكرية ونووية وبشرية واقتصادية ناهضة. وتلك عوامل تضاعف الطموح الصيني في مد نفوذه عبر القارة الاسيوية وتوسيع دائرة مجاله الحيوية. وللصين مصالحها في اسيا, ولعل انهيار اقتصاد النمور الاسيوية قد اشعل حماسة بكين فقادت حملة لمناهضة الالية الغربية الرأسمالية في الاقتصاد. ويأتي بعد ذلك بالترتيب الثالث تباين وجهات نظر واشنطن والصين حول ضم جزيرة تايوان. فواشنطن لا تؤيد عملا عسكريا صينيا لاستعادة تايوان لكنها توافق على صين واحدة. واذا ما اندفع فعل عسكري فواشنطن ستقف الى جوار تايوان. ويشكل صراع التوجهات الايديولوجية صراعاً لثقافتين, كما ان النزاع على وراثة النفوذ السياسي الدولي على خريطة العالم يقلق واشنطن كثيراً. ويشتد قلق واشنطن مع رقم الجيش الصيني الذي قوامه ثلاثة ملايين جندي, وقدراته النووية هائلة الى جانب السلاح الهيدروجيني المتطور الذي اعلن عنه مؤخراً والذي يمنح فرصة استراتيجية للردع والحسم في مسألة سيطرتها على آسيا, وهذا يضع الصين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في الكثير من القضايا الساخنة. لكن المصالح الاقتصادية تبدو اقوى من كل المشاكل وقد تدفع لمواجهة من اي نوع بين البلدين. فامريكا تريد استيعاب قوة عالمية ناهضة وترويضها تحت المظلة الامريكية, لكن مصالحها مع آسيا اولاً وقبل كل شيء والتي يمكن ان تعززها علاقتها بالصين. وللصين بعد ذلك لوبي متنامي داخل الولايات المتحدة الامريكية. فالصينيون الامريكيون يشاركون بنسبة لا بأس بها في صياغة العلاقات الجديدة بين واشنطن وبكين, ويمتد نفوذ هذا اللوبي الى العديد من الشركات والمؤسسات الامريكية ولا يواجه اية محاذير او عقبات سياسية. الصين والمجتمع الدولي لعل ابرز النجاحات الدولية الصينية التي ادخلتها في قلب عملية صياغة المجتمع الدولي الجديد كانت بروز الصين كقوة عسكرية كبيرة بالمعنى التقليدي, فضلا عن امتلاكها اسلحة الردع النووي وقد تحقق ذلك دونما سعي للدخول في سباق تسلح مع واشنطن وموسكو. وفي ظل اعتماد التنمية عبر تعدد القطاعات (الزراعية والصناعية) استفادت بكين من اتساع السوق الصيني في توحيد (التوجه نحو الداخل) وهو ما يجعلها اقل عرضة لتأثيرات الاقتصاد العالمي وازماته الدورية وعكس ذلك في الموقف الصيني من اتفاقات الجات. ربحت الصين الرهان على مدى كفاءة نظامها الجديد في توفير الغذاء لربع سكان العالم, فقد شهد انتاجها الزراعي قفزات كبيرة في معدلات الانتاجية اضافة لتنوع المحاصيل في بلد تتعدد اقاليمه المناخية من الشمال البارد حتى الجنوب الدافىء ولذا بات امنها الغذائي مستقراً. ظل تخطيط الاقتصاد الصيني قائما على مقولة الاتجاه نحو اسواق العالم الثالث بمنتجات زهيدة الثمن, ولم يضع في حسبانه منافسة الدول المتقدمة داخل اسواقها لذا لم تؤثر فيه سياسات الحماية الجمركية للدول الصناعية الكبرى ولم تحل الازمة الاقتصادية العالمية دون تغلغل منتجات الصين في اسواق العالم الثالث. يضاف الى كل ذلك ان الصين زادت من فاعليتها السياسية والاقتصادية في دول شرقي آسيا الصاعدة (النمور الاسيوية) باعتمادها على الجاليات الصينية المقيمة هناك وشكلت اداة ضغط لا يستهان بها على مواقف حكومات هذه الدول تجاه الصين. وعلى الصعيد السياسي ايضا لم تنس عداءها التقليدي مع الهند فمدت مساعدتها لباكستان في تطوير ترسانة الاخيرة النووية وهذا كشف عن الدور الكافي للصين الشعبية في الشأن الاسيوي بل وفي التأثير على موازين القوة الدولية. ومقابل ذلك, راهنت دوائر الغرب في امريكا واوروبا على امكانية اضعاف الاندماج القومي داخل الصين التي تضم اكثر من 50 قومية تشكل جميعها نحو 10% من السكان, ورغم كثرة اعدادها الا انها تظل اقلية صغيرة بالمقاييس الصينية المليارية. كانت هذه اسباب دعت امريكا ان تبحث بجدية شراكة صينية تحقق لها طموحاتها دون ان تسمح للقوة المتعاظمة في الصين من الاطاحة بهذه الطموحات. لكن اسيا تنظر لهذه الشراكة بعين القلق الذي يخفي رد فعل لم يجهر صوته بعد. وليس ادل على ذلك من قول وزير الدفاع الهندي: (قالوا لنا ان نبقى قابعين او محبوسين بين زوايا صندوق صغير بينما كانت الولايات المتحدة تسلم مقاليد جنوب آسيا للصين) . وتبقى الشراكة الروسية الصينية على تناقضاتها شوكة في خاصره الانفراد الامريكي بالسيطرة على العالم, لكن الولايات المتحدة تحاول جهدها لاحتواء كل من الصين وروسيا ومنع تحويل اي منهما او كلاهما الى قوة عظمى فان ذلك يشكل تهديدا لها... رغم ان هذا الاحتواء يؤدي بشكل متكرر الى توترات حادة في العلاقات بين واشنطن وبكين وموسكو. وباختصار شديد فان ما يمثل الارضية الموضوعية للتقارب الامريكي ـ الصيني ـ الدولي هو ذلك الانقلاب الكبير الذي تشهده العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وقلق روسيا والصين من هيمنة امريكية على العالم... انها شراكة غريبة تجمع بين ألداء الحرب الباردة الماضية. شرح الصور: ـ القوات البحرية الصينية تستعرض امام شواطىء تايوان ـ القوات العسكرية الصينية... الطريق الى تايوان ليس بعيدا ـ شراكة الصين ـ روسيا... تقلق امريكا كثيرا